تعد آلة البيانو من الاختراعات التي يصعب عليك أن تسأل من اخترعها أو متى لأنه موجود أمامنا منذ زمن بعيد، ولكن بمجرد أن تعرف أن البيانو هو اختراع ربما يكون من الصعب ألا تسأل: من اخترع البيانو؟ ولماذا لم نسمع عنه من قبل؟ ولماذا لا يوضع اسمه على كل بيانو موجود في هذا العالم؟

بارتولوميو كريستوفوري الذي ولد في الرابع من مايو عام 1655 يعود له الفضل كمخترع آلة البيانو، حقيقة ان اسمه تم نسيانه بشكل كبير هي انعكاس لمشكلة في تلك الحقبة الزمنية، عندما كان بعض العباقرة يعملون كموظفين عند أشخاص آخرين.

لوحة من عام 1750 تظهر رجل يعزف على الهاربسكورد

لوحة من عام 1750 تظهر رجل يعزف على الهاربسكورد

أول بيانو تم تسجيل ظهوره في التاريخ كان في العام 1700، عمل كريستوفوري على إنتاجه قبل ذلك التاريخ بعامين، في حين أن أشهر بيانو ابتكره كريستوفوري ظهر بعد ذلك بعشرين عاما، أي في عام 1720. ولكن ما هو أهم من التاريخ كان ما قدمه كريستوفوري في ذلك الوقت.

في ذلك الوقت كانت الآلة اللوحية الأكثر انتشارا آلة تسمى الهاربسكورد، المشكله الأكبر في هذه الآلة أنه لم يكن يمكن عزف النوت الموسيقية عليها بدرجات متفاوتة من النعومة. لعزف نوته، يوجد في هذه الآلة وتد صغير يدعى plectrum (أداة لعزف الأوتار) تتحكم فيها لوحة أو لوحتي مفاتيح، لم يكن هناك طريقة سهلة لتعديل الصوت وإحداث فارق بسيط في النغمة، وبالرغم من أنه كان هناك عدة تعديلات لهذا الأمر (وآلات أخرى) حاولت حل هذه المشكلة، إلا أن كل هذه الأشياء لم تكن بالكفاءة المطلوبة.

البيانو يدين بشكل واضح للهاربسكورد، وفق الأحداث المسجلة في التاريخ، أطلق كريستوفوري على البيانو اركيكامبيلو والتي تعني “الهاربيسكورد القيثاري”، كما أنه عمل على تطوير الهاربيسكورد وإنتاج نسخ معدلة منه. ولكن البيانو شكل نقلة كبيرة في هذا الشكل من الآلات عن طريق استخدام مطرقه للعزف بدلا من الـ plectrum المستخدم في الهاربسكورد، هذا الأسلوب أعطى الآلة تنوعا رائعا في النغمات الصادرة كنتيجة لاستخدام المطارق لعزف النغمات، أعطى هذا الأمر ميزة رائعة للبيانو جعلته يتفوق تماما على الهاربيسكورد.

أحد أقدم آلات البيانو التي صنعها كريستوفوري

أحد أقدم آلات البيانو التي صنعها كريستوفوري

أقدم بيانو موجود الآن يرجع إلى العام 1721، ويبدو واضحا جدا فيه كونه آلة تحولية بين الهاربسكورد والبيانو حيث توجد فيه بعض مواصفات الهاربسكورد القديم، كما يذكر لنا متحف ميتروبوليتان للفنون أن هذا البيانو احتوى على نطاق صغير من النغمات، وأوتار ذات سمك أقل ومطارق أكثر صلابة مما يظهر لنا الآن في آلات البيانو الأحدث، لذلك هذا ما يجعلنا نقول أنه يشبه الهاربسكورد كثيرا.

و لكن يبدو لنا جليا أن هذا التعديل والبيانو على صورته الحالية كان سببا في تغيير شكل الموسيقى بالكامل.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=A2WdjyKQ57A” width=”800″ height=”450″ ]

بعد ذلك تم تسمية البيانو بالاسم الحالي له، وقد كان كريستوفوري أيضا بإطلاق هذا الاسم الإيطالي على اختراعه un cimbalo di cipresso di piano e forte هو ما يعني (لوحة المفاتيح المصنوعة من خشب الصنوبر ذات الصوت العالي) ومع الوقت تم اختصار هذا الاسم إلى (piano forte) ومع الوقت تم اختصاره أكثر وأكثر لصبح بيانو فقط.

يبدو أمرا نادرا جدا وجود اختراع واضح ومهم مثل البيانو وعدم اشتهار مخترعه، إذا لماذا لم يشتهر اسم بارتولوميو كريستوفوري كمخترع للبيانو؟ بالتأكيد فإن هناك سببا لعدم تسمية البيانو كريستوفوريس مثلا كحال أغلب الاختراعات التي سميت بأسماء أصحابها.

الصورة الوحيدة الموجودة الآن لكريستوفوري، يظهر علي يمينه البيانو

الصورة الوحيدة الموجودة الآن لكريستوفوري، يظهر علي يمينه البيانو

ربما لا نعرف الكثير من المعلومات عن كريستوفوري في الوقت الحالي وذلك بسبب أنه كان يعمل موظفا (وإن كان يحظى باحترام كبير جدا)، عمل كريستوفوري كموظف لدى فرديناندو دي ميديتشي، وهو أمير إيطالي من نسل عائلة إيطالية شهيرة وشغل منصب دوق توكسانا الأكبر، عمل كريستوفوري في بلاط الملك وليس في الموسيقى فقط.

كموظف لدى ميديتشي، كريسوفوري كان مجرد ترس في الآلة الملكية الكبيرة، بالرغم من أنه تم اختياره بواسطة ميديتشي بنفسه، وتم إعطاؤه مساحه للعمل مع 100 آخرين من الفنانين (كان دائم الشكوى من الصخب الذي يحدثونه)، شجع فرديناندو دي ميديتشي موظفه كريستوفوري على الإبداع، ولكن لم تكن تلك هي وظيفته الوحيدة فقد كان مكلفا أيضا بضبط الآلات ونقلها بالإضافة إلى إصلاح الالآت القديمة، وبخلاف الموسيقيين الآخرين، عمل كريستوفوري في الساحات الملكية وكان يمكن أن يصبح مشهورا أكثر من ذلك ولكنه كان محليا ولم يذع صيته، لم يره الناس في ذلك الوقت كعبقري على الرغم من كونه موهوبا في ما يقوم به.

في نفس الوقت وبرغم أن عمله لدى ميديتشي كان سببا في عدم شهرته إلا أنه علينا القول أيضا بأنه إن لم يكن كريستوفوري يعمل لدى ميديتشي لم يكن ليخترع البيانو، أعطته العائلة المالكة منزلا ليعمل فيه، مساحة لإجراء تجاربه وبعد ذلك في وقت لاحق تم توفير ورشة خاصة له مع اثنين من المساعدين.

عندما بدأ الأمير ميديتشي يخسر ثروته، بدأ كريستوفوري في بيع بعض من آلات البيانو التي صنعها، ولكنه لم يكن يملك ما ينص على أنه صاحب هذا الاختراع (لم يكن هناك ما يشبه براءة الاختراع حاليا) قام بعض الناس بالتعديل على الآلة وبيعها، وبقي في بلاط الملك حتى وفاته في عام 1731.

صورة لفرديناندو دي ميديتشي مع الموسيقيين الذين عملوا لديه

صورة لفرديناندو دي ميديتشي مع الموسيقيين الذين عملوا لديه

ربما كان البطء النسبي في انتشار البيانو سببا في عدم شهرة كريستوفوري وربما سرقة اختراعه في بعض الأوقات، بالرغم من اشتهار الكثير من الاختراعات في القرن الثامن عشر بسرعة إلا أن البيانو تحرك بخطى بطيئة ولم يحقق شهرة سريعة في هذا القرن، اشترت الملكة ماريا باربرا دي براجانزا (ملكة البرتغال) خمسة آلات بيانو من تصميم كريستوفوري ثم بعد ذلك بدأ البيانو في الانتشار في البلدان المحيطة.

كانت هناك عدة انتقادات مبكرة على آلة البيانو إحداها كان من يوهان سبستيان باخ الذي ظن أنه فقط تحسين بسيط، حتى موتسارت الذي ولد في عام 1756 كان قد عزف على الهاربسكورد في طفولته، ما قلل من شهرة كريستوفوري أن اختراعه احتاج إلى مائة عام ليتم تقديره بشكل حقيقي عندما أزاح الهاربسكورد بشكل كامل عن الساحة الموسيقية.

بعد ذلك وحتى وصولنا للوقت الحالي، جرت الكثير من التعديلات على البيانو، كانت هذه التعديلات مهمة وحاسمة في نجاح آلة البيانو، مخترع آلة الأرغن (جوتفرايد سيلبرمان) أضاف الدواسة الموجودة حاليا في البيانو، وأيضا ساعد على انتشار البيانو تحقيقه لمبيعات كبيرة، في حين قام مخترعون آخرون بتحسين المواد المصنوع منها البيانو لتعطي لهم طابعا أفضل، وفي النهاية جاء الدور المهم للعازفين الذين أدركوا قيمة البيانو وجعلوه الآلة الأساسية بدلا من الهاربيسكورد.

بالرغم من أن كريستوفوري هو مخترع البيانو، ليس واضحا لنا بالتحديد لماذا تم تناسيه في الأوساط الموسيقية، ربما كان ذلك ناتجا من عدة أسباب مثل عمله كموظف لدى الملك وبطء عملية انتشار البيانو، والتعديلات الكثيرة التي احتاجها البيانو بعده ليصل للشكل الحالي. لم يكن كريستوفوري مشهورا في حياته لذلك نملك الآن لوحة واحدة فقط تحمل صورته وهو غير مشهور الآن بشكل كبير، ولكن هذا التعديل الذي أجراه ترك أثرا كبيرا في الموسيقى ككل، إرث كريستوفوري لما يكن هذا التعديل فقط، بل كان البيانو الذي سيظل العنصر الموسيقي الأهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد