لم يكن «كريستوفر بيرجلاند» – الذي سجل رقمًا قياسيًّا في رياضة العدو في موسوعة جينيس- مراهقًا يتمتع باللياقة البدنية، ولم يبد أي اهتمام بممارسة الرياضة، لدرجة أنه تعرض للتنمر على يد عميد المدرسة بعد أن وصفه بالمخنث غير الرياضي. كان لتلك التجربة من الطفولة والمراهقة أثر في تصورات بناها عن نفسه، فصارت نبؤات محققة لذاتها. لكنه مع تَغيير قناعته بأن التمرينات الرياضية ممتعة وليست مُهلِكة كما خُيِّل له سابقًا، صار استقباله للجهد الناتج من التمرينات الشاقة كما لو أنها معتدلة. ومن هنا تولد شغفه بمجال التأثير الإيحائي – البلاسيبو- وقوة القناعات الذاتية المحققة لذاتها.

يتناول بيرجلاند في مقاله المنشور على موقع «سيكولوجي توداي»، تأثير «الإيحاءات» و«التوقعات الإيحائية» في استقبالنا وإدراكنا لدرجة الإجهاد أثناء ممارسة التمارين الرياضية معتدلة الشدة.

الاعتقاد المحقق لذاته!

يقول بيرجلاند إن دراسة جديدة أكدت أن إيمان الفرد بأن التمارين الرياضية جيدة للعقل، والجسد يمكن أن يُغَير من درجة استقباله لشدة الإجهاد الناتج من التمرينات المضنية، كما لو كانت تمرينات معتدلة الشدة. وتحديدًا، وجد الباحثون أن الجمع بين إيمان الشخص بقدراته الرياضية جنبًا إلى جنبِ مع توافر المعرفة العلمية عن فوائد التمارين الرياضية هو معادلة الفوز القصوى، إذ يبدو أن الجمع بينهما يخلق نبوءة محققة لذاتها تجعل من إجهاد التمرينات معتدلة الشدة، مثل الأيروبيكس تبدو أقل إجهادًا وأكثر إمتاعًا لأغلب الأفراد موضع الدراسة.

اقرأ أيضًا: بيزنس إنسايدر: 11 أسطورة رياضية ضررها أكبر من نفعها

يذكر الكاتب أن نتائج هذه الدراسة نُشِرَت في مجلة «بلوس وان» – عدد 29 يونيو (حزيران)- بعنوان «هل التوقع بالإيحاء يؤثر في طريقة إدراكنا للإجهاد أثناء أداء التمرينات البدنية؟». وتعد الورقة البحثية دراسة تكميلية لدراسة أولية أخرى حول تأثير إيحاءات نظم المعتقدات الرياضية أجراها «هندريك موثيس» – عالم متخصص في علم النفس الرياضي- العام الماضي، بالتعاون مع فريق من جامعة فرايبورغ الألمانية.

وجدت الدراسة أن أولئك الذين يعتقدون أنهم أكثر لياقة بدنية وصفوا التمرين المعتدل الشدة
بأنه أسهل كثيرًا من المجموعات التي كان اعتقادهم الذاتي عن أنفسهم أنهم
أقل لياقة، ذلك على الرغم من أن كلا المجموعتين كانتا على قدم المساواة من
حيث اللياقة البدنية.

يقول «موثيس» وزملاؤه من معهد الرياضة والعلوم الرياضية العام الماضي، إن «الناس لو آمنوا بأن النشاط البدني المبذول أثناء لعب الأيروبيكس سيكون له مدلول إيجابي، فإن ذلك يخلق نبوءة محققة لذاتها». على سبيل المثال، إذا اعتقد شخص ما أن دراجة التمرين المثبتة ستؤدي بالضرورة إلى نتائج إيجابية، فإنه على الأرجح سيستمتع بالتمرين أكثر، كما سيتحسن مزاجهم ويخفض التمرين من درجة قلقهم أكثر من نظرائهم الذين شَكَلُوا تعميمًا سلبيًّا مرتبطًا بالتمرين الرياضي. وقد نُشِرَت ورقة بحثية في أغسطس/ أيلول 2016 بعنوان «التأثير النفسي للتوقعات والفوائد الفيزيولوجية العصبية بعد جلسة التدريب الواحدة»، في مجلة «جورنال أوف بيهيفيور ميدسين»، مجلة الطب السلوكي.

يذكر «كريستوفر» أنه في دراستهم الأخيرة، أراد الباحثون في جامعة فرايبورغ استكشاف كيف تؤثر توقعات الشخص وإيمانه بقدراته الرياضية في مدى تقديره لدرجة الجهد المُدرَك أثناء ركوب الدراجة الثابتة بمستوى قوة معتدل. حدد فريق البحث قائمة تجمع 78 رجلًا وامرأة، تتراوح أعمارهم بين 18 و 32 عامًا، وهم جزء من مجموعة عينة أكبر تعتمد في تكوينها على تقارب مستوى اللياقة البدنية والسلوكيات المستقرة للمشاركين.

إن دراسة جديدة أكدت أن إيمان الفرد بأن التمارين الرياضية جيدة للعقل،
والجسد يمكن أن يُغَير من درجة استقباله لشدة الإجهاد الناتج من التمرينات
المضنية، كما لو كانت تمرينات معتدلة الشدة.

من الناحية الفسيولوجية/ البدنية، كان المشاركون في الدراسة على درجة متماثلة من اللياقة البدنية و«المهارة الرياضة»، إلا أن القائمين على الدراسة كانوا قد طرحوا على المشاركين سؤالًا قبل إجراء التجربة: «إلى أي مدى تعتقد أنك رياضي؟»

ويضيف «كريستوفر»: «جدير بالذكر أن الباحثين وجدوا أن درجة التقييم الذاتي لمدى كون الشخص رياضيًّا بدأت في تخليق نبوءة محققة لذاتها ظهرت أثناء التمرين لمدة 30 دقيقة. فأولئك الذين يعتقدون أنهم أكثر لياقة بدنية وصفوا التمرين المعتدل الشدة بأنه أسهل كثيرًا من المجموعات التي كان اعتقادهم الذاتي عن أنفسهم أنهم أقل لياقة، ذلك على الرغم من أن كلا المجموعتين كانتا على قدم المساواة من حيث اللياقة البدنية»، إذ يبدو أن المجموعة الثانية أوهنوا أنفسهم نفسيًّا، فهم استقبلوا التمرين معتدل الشدة على أنه صعب للغاية، وشدته غير مبررة.

اقرأ أيضًا: الحجاب الرياضي: هل تحب «Nike» المرأة المسلمة حقًّا؟

لماذا نتجنب التمرينات الرياضية؟

يؤكد الكاتب حقيقة أن كل الحيوانات، والبشر كذلك يسعون لتحقيق البهجة وتجنب الألم، لذا فإن فكرة أن النشاط البدني من المعتدل إلى المضني تجربة مؤلمة هو أحد الأسباب الكثيرة لتجنب السعي لممارسة التمارين الرياضية بانتظام، أو حتى القليل منها. من وجهة النظر التطورية، قد يكون مفيدًا تذكر أن: كل ما فعله البشر حتى الآن كي ننجو لآلاف السنين، من أكلٍ ونومٍ وترابطٍ مع الآخرين وممارسة العلاقات الجنسية والتعاون والعمل المضني البدني وبذل المجهود… إلخ، جميعها موصولة لتمدنا بشعور نفسي عقلي بدني أفضل، وهو بمثابة تصميم حيوي بيولوجي سخي، فضلًا عن كونه ضروريًّا لبقائنا الفردي والجماعي.

ولعل هدف بيرجلاند الأساسي من هذه المدونة هو تقديم بعض النصائح الواقعية الفعَّالة لأي شخص قد يُعرِّف نفسه تلقائيًّا بأنه ليس «رياضيًّا»، أو يرى التمارين الرياضية كنوع من التعذيب غير المحتمل. ويقول إنه إذا كانت تساورك بعض الشكوك حول ما يدعى بـ«اللياقة الرياضية»، فإنه يأمل أن قراءتك لتلك الكلمات ستساعد في تغيير أفكارك ومنهجك التفسيري، فتتعلم الاستمتاع بالتمارين الرياضية متوسطة الشدة أكثر من خلال تخلصك من «التشبث المستميت» بفكرة أنك «غير لائق رياضيًّا».

يشير الكاتب إلى أن المكتشفات الأخيرة لـ«موثيس» وفريقه المعاوِن قد تجد لها صدى داخله على المستوى الشخصي لعدة أسباب، لكنه يعتقد أيضًا أن هذا البحث ربما ينطوي على بعض الارتدادات والانتقادات المحتملة التي من شأنها إنضاب منابع ثقة أي شخص يعتبر نفسه لائقًا بدنيًّا، وهو على الأرجح حال السواد الأعظم من السكان. ويؤكد أنه يدرك تمامًا من واقع خبرته المباشرة أن إقناع المرء لنفسه أو شخص آخر بأن يؤمن بطبيعته الرياضية المتأصلة داخله، يتطلب أحيانًا بعض الحيل النفسية كي يتمكن من السيطرة على جذور انعدام الشعور بالأمان الرياضي الذي خلفته الطفولة.

الخبرات السابقة

يذكر بيرجلاند أن شغفه بهذا الموضوع تحديدًا قد يرجع لمرحلة المراهقة إذ كان مراهقًا مثلي الجنس، وجد نفسه حبيس المدارس الداخلية الاضطهادية في ويللينجفورد بولاية كونيتيكت، حيث تعرض للتنمر على يد العميد نفسه، والذي كان أيضًا رئيس مدربين فرق كرة القدم والبيسبول، وذلك لأنه لم يُبدِ أي اهتمام بالرياضات. يقول إن محاولات العميد التنمرية كانت أحيانًا تؤتي أكلها في إشعاره بالدونية، وأنه «مخنث غير لائق بدنيًّا»؛ ويؤكد أنه ما يزال يحمل ضغينة داخله من جراء تلك التجربة.

ويقول إنه على الرغم من ذلك، عندما كان في السابعة عشر، حصل على جهاز مسجل محمول – وكمان- حديث الاختراع حينها، واكتشف أن ممارسة رياضة الجري بينما يستمع للأغاني والموسيقى التي يحبها، أمده بشعور طيب للغاية، بغض النظر عن مدى سرعة أو بطء الجري. وفي عام 1993، عندما بدأ ممارسة رياضة الهرولة – الجري البطيء- كانت من بين أغانيه المفضلة «Flashdance…What a Feeling» و «Holiday»، يقول إن غزارة وتكافؤ المشاعر الإيجابية التي تنتابه من جراء تلك الأغاني كانت بمثابة وقود صاروخي ينطلق به إلى عالم سحري كل يوم يرتدي حذائه الرياضي وينطلق للهرولة. وحتى اليوم ما تزال تنجح قوائم الموسيقى المفضلة له من تلك الحقبة في جعل أي تمرين مهما بلغت شدته يبدو أسهل بلا حدود.

قد يكون مفيدًا تذكر أن: كل ما فعله البشر حتى الآن كي ننجو لآلاف السنين،
من أكلٍ ونومٍ وترابطٍ مع الآخرين وممارسة العلاقات الجنسية والتعاون
والعمل المضني البدني وبذل المجهود… إلخ، جميعها موصولة لتمدنا بشعور
نفسي عقلي بدني أفضل.

يقول بيرجلاند إنه وصف عملية التعثر في القوة التحويلية للنشاط البدني كمراهق في فصل بعنوان «قصتي» من كتابه «The Athlete’s Way: Sweat and the Biology of Bliss ». يقول: «في الحقيقة، إن إحساسي كأنني (الخروف الأسود) المعيوب والمهضوم حقه والمستضعف أفادني للغاية؛ جعلني متفردًا، إذ دائمًا كنت أُقاتل أشرس وأبحث وأنبش أعمق لأُبرهِّن أنني لست مخنثًا. عندما بدأت ممارسة رياضة الجري في يونيو/ حزيران 1993، كان جسدي أشبه بمكب نفايات سامة، كنت أجري لمدة 12 دقيقة بحد أقصى، كنت مراهقًا ضعيفًا منهك القوى متعاطي المخدرات».

إلا أنه في الفترة من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب)، تحول من فتى متشائم متهكم فوضوي، إلى ساعٍ طموح متوقد الحماسة. وعلاوة على التحول البدني الفسيولوجي كعضلات بطنه المشدودة وعضلات الذراعين الأماميتين القوية في عمر 17 عامًا، مر بعملية تحول عقلي أيضًا. فقد تضاءل عجزه وبؤسه التعليمي وكذلك تدميره لذاته، ونما لديه إحساس بالكرامة. كما أنه تحول من طالب دائمًا ما يحصل على تقدير ضعيف في المدرسة الثانوية، إلى طالب جامعى متوهج في خلال ثلاث سنوات.

يقول الكاتب إنه خلال تلك المرحلة العمرية، كان يتخيل المصارع «محمد على كلاي» كما لو كان «الأنا الأعلى»، وكان يخاطب نفسه بصيغة الغائب بنبرة صوت أجش كصوت المدرب، مستعينًا باقتباسات من «محمد على» مثل: «إذا كان بإمكانهم صنع البنسلين من الخبز المتعفن، فإنهم بلا شك يمكنهم أن يصنعوا منك شيئًا».، أو «إن تكرار التأكيد يؤدي إلى الإيمان، وبمجرد أن يصبح هذا الاعتقاد راسخًا عميقًا، تبدأ الأمور في الحدوث»، فقد دوّن تلك الاقتباسات وغيرها من العبارات التحفيزية الملهمة على بطاقات ملاحظات واحتفظ بها على المنضدة المجاورة لسريره.

المعتقدات والتوقعات يمكن أن تكون لها عواقب على المدى الطويل، على سبيل
المثال في تحفيزنا للانخراط في ممارسة الرياضة، ربما يكونان عاملين حاسمين
في الاختيار بين ما إذا كنا نستطيع النهوض لممارسة الهرولة مرة أخرى، أو أن
نقرر عوضًا عن ذلك البقاء مستلقين على الأريكة؟

يؤكد «كريستوفر» أن مكتشفات «موثيس» وزملائه الحديثة أيضًا تمدنا ببراهين أن التأثير الإيحائي، وتأثير التأكيدات الذاتية قد يكون لها أثر في تقييم الشخص لدرجة الجهد المُدرَك أثناء أدائه الرياضة. ويعتقد أن تلك المكتشفات هي بمثابة دعوة للبدء في التريض لأي شخص يُشَكِك في قدرته على ممارسة التمرينات الرياضية المعتدلة القوة، ودعوة لأن يغرس تلك الكلمات في عقله فيتوقف عن إخبار نفسه باستمرار أنه «غير لائق رياضيًّا».

يرى «كريستوفر» أننا جميعًا على درجاتٍ متفاوتة من القدرة الرياضية، والتي بدورها تتطور خلال مراحلنا العمرية. على سبيل المثال في مرحلة ما من حياته، كان بإمكانه الركض أسرع من أي شخص عرفه في حياته، لكن لم يعد الأمر كذلك، إذ أنه عندما يمارس رياضة الجري الآن بمستوى «نشيط»، يلاحظ أن كل من على مسار العدو يتجاوزه، لكنه لم يعد يهتم لذلك. على الرغم من أنه صار بطيئًا مثل بطء العسل في انسيابيته دون بقية السوائل من شدة لزوجته، إلا أن التمارين الرياضية ما تزال تمده بشعور جيد، وما يزال يرى نفسه «رياضيًّا» بدرجة ما، حتى إن اختلف الجميع معه في هذا التصور عن نفسه.

اقرأ أيضًا: مترجم: 10 تمرينات بسيطة تعزز بها قوة إرادتك

ويختتم «كريستوفر» مقالته بتلخيص ما اكتشفته دراسة «هندريك موثيس»: «المعتقدات والتوقعات يمكن أن تكون لها عواقب على المدى الطويل، على سبيل المثال في تحفيزنا للانخراط في ممارسة الرياضة، ربما يكونان عاملين حاسمين في الاختيار بين ما إذا كنا نستطيع النهوض لممارسة الهرولة مرة أخرى، أو أن نقرر عوضًا عن ذلك البقاء مستلقين على الأريكة؟»

لذا، إذا كانت لديك أي شكوك حول مدى براعتك الرياضية، يتمنى الكاتب أن تشجعك تجربته الشخصية على التخلي عن أي مفاهيم مسبقة بشأن «المهارات الرياضية» و«الرياضة عمومًا»، ويحدوه الأمل أن تلهمك لكي تسعى وراء أي «مستوى نشيط» من النشاط البدني يمدك بشعور جيد، سواء النشاط معتدل القوة أو شديد القوة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد