نشرت مجلة «ذا دبلومات» تقريرًا أعدَّه رود ماكجيرك، مراسل وكالة «أسوشيتد برس» في أستراليا، تناول فيه حالة الهلع والخوف التي يعيشها الأستراليون في ولاية نيو ساوث ويلز بسبب غزو كميات ضخمة من الفئران للأراضي الزراعية والمنازل والحظائر.

الفئران: موج أسود يتحرك ليلًا

وفي مطلع تقريره، يُصِّور المراسل مشهد اجتياح الفئران لأرضيات بعض الحظائر ليلًا بأنه أشبه بسجاد أسود يهرول مسرعًا على هذه الأرضيات حتى غطَّاها وأخْفاها، وكأن أسقف المنازل تئن من جرَّاء خدش الفئران لها. بينما ألقت إحدى العائلات اللوم على الفئران، التي تقرض الأسلاك الكهربائية، بأنها السبب وراء احتراق منزلهم عن آخره.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
استخدمه المغول «سلاحًا بيولوجيًّا».. تعرَّف إلى مرض الطاعون الذي قتل نصف سكان أوروبا 

وأوضح التقرير أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية تعرضت لتهديد طاعون الفئران نتيجة اجتياح جحافل من الفئران للأراضي، والذي وصفته الحكومة المحلية للولاية بأنه حدث «غير مسبوق على الإطلاق». وتظل محاولة تعداد عدد القوارض المليونية، التي غزت السهول الزراعية في جميع أنحاء الولاية، مجرد تخمين.

وفي الشهر الجاري، صرَّح وزير الزراعة الأسترالي آدم مارشال قائلًا: «إننا نمر حاليًا بمرحلة حرجة، والتي إذا لم نتمكن فيها من الحد بدرجة كبيرة من أعداد الفئران، التي ستصل بحلول الربيع إلى معدلات طاعون الفئران، فإننا سنواجه كارثة اقتصادية واجتماعية مطلقة في ولاية نيو ساوث ويلز الريفية والإقليمية».

مقامرة زراعة المحاصيل

واستشهد التقرير بما قاله بروس بارنز، أحد المزارعين في المنطقة، إنه يرى أن زراعة المحاصيل في حقل عائلته بالقرب من بلدة بوابة بوجان في وسط ولاية نيو ساوث ويلز يعد مقامرة. يقول بارنز: «نحن نزرع المحاصيل فحسب ونتمنى ألا تأكلها الفئران».

ونوَّه التقرير إلى أن الخطر يكمن في أن الفئران ستحافظ على زيادة أعدادها خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، وستلتهم محاصيل القمح والشعير ونبات الكانولا قبل حصادها. ويتوقع اتحاد مزارعي ولاية نيو ساوث ويلز، أكبر اتحاد زراعي في الولاية، أن يُؤدي طاعون الفئران إلى خسائر مادية تُقدر بأكثر من مليار دولار أسترالي (نحو 775 مليون دولار أمريكي) من قيمة المحصول الشتوي.

Embed from Getty Images

وأفاد التقرير بأن الحكومة المحلية للولاية طلبت من الهند توريد 5 آلاف لتر (1320 جالونًا) من سُم بروماديولون المحظور استخدامه. لكن الحكومة الفيدرالية الوطنية لم توافق بعد على طلبات الطوارئ لاستخدام هذه السموم في محيط المحاصيل الزراعية.

كيف يُمكن القضاء على طاعون الفئران؟

وأعرب بعض النقاد عن خوفهم من أن استخدام سُم بروماديولون لن يؤدي إلى القضاء على الفئران فحسب، بل إنه قد يتسبب في نفوق الحيوانات التي تتغذى على الفئران أيضًا، مثل النسور ذات الذيل الوتدي والحيوانات الأليفة.

وفي هذا الصدد، شدَّد مارشال على ضرورة استخدام سُم بروماديولون، قائلًا: «ينبغي لنا أن نسلك هذا المسار لأننا بحاجة إلى شيء ذي قوة خارقة، يساوي قوة مادة النابالم الحارقة لكي نتمكن من القضاء على هذه الفئران وإلقائها في غياهب النسيان».

واعتبر التقرير أن طاعون الفئران يعد ضربة قاسية جديدة للمزارعين في أكثر الولايات الأسترالية اكتظاظًا بالسكان، التي لم تكد تنتهي من مكافحة الأضرار الناجمة عن الحرائق والفيضانات والاضطرابات الوبائية في السنوات الأخيرة، حتى واجهت فاجعة من نوع جديد وهي الفئران المنزلية التي انتشرت في كل مكان في الولاية.

ولفت التقرير إلى أن الخبراء، الذين ساعدوا المزارعين سابقًا على مكافحة الجفاف والحرائق والفيضانات في المنطقة نفسها، عادوا هذه المرة لمساعدة الناس على مكافحة طاعون الفئران.

الرائحة الكريهة في كل مكان

وأفاد التقرير بأن الأمور تزداد سوءًا بعد حلول الظلام، عندما تنشط ملايين الفئران التي كانت مختبئة وساكنة خلال النهار. ولا تتجلى الكارثة، في صباح اليوم التالي، بالقدر ذاته من الوضوح، سوى ما تبقى من التمزيق والخراب الذي سببته الفئران في بعض شوارع الولاية وطرقها خلال الليلة السابقة، لكن الطيور سرعان ما تأخذ البقايا بعيدًا.

وتتفكك أكوام القش بسبب القوارض المفترسة التي تُنقِّب بشدة في داخلها بحثًا عن مأوى لها وغذاء. وبمجرد تحريك ورقة من الخردة المعدنية في إحدى الحظائر، ستفاجئك كمية الفئران التي تفر من أسفلها. وأصبحت الأرصفة مكتظة بالفئران الميتة التي أكلت طُعْمًا سامًا.

Embed from Getty Images

ويُوضح التقرير أن الرائحة الكريهة لبول الفئران والفئران النافِقَة المتحللة أمر ثابت، سواء في الليل أو أثناء النهار، وأكثر ما يشتكي منه الناس هو الرائحة الكريهة. يقول جيسون كون، مزارع في العقد الخامس من عمره يُقيم بالقرب من مدينة ويلينجتون في وسط ولاية نيو ساوث ويلز، إننا: «نتعامل مع الفئران طوال اليوم، ونخرج من البيوت بغية إلقاء طُعْم مسموم لبعضها، ونبذل قصارى جهدنا لإدارة الموقف، ثم نعود أدراجنا إلى المنزل فلا نجد سوى رائحة الفئران النافِقَة».

ويُضيف كون قائلًا: «تملأ الفئران ثقوب سقف منزلك. وإذا لم يكن منزلك مغلقًا بإحكام، فستجدها على سريرك. إنهم يعضُّون الناس وهم في الفراش، ولا يتوقفون أو يفترون بالتأكيد».

كيف تؤثر كارثة طاعون الفئران في الزراعة؟

من جانبه، قال كولين تينك إنه نصب فخًّا باستخدام وعاء كبير مخصص لإطعام الماشية مليء بالمياه في مزرعته خارج مدينة دوبو، وقدَّر أعداد الفئران التي غرقت في هذا الفخ بحوالي 7500 فأر في ليلة واحدة الأسبوع الماضي. يقول تينك: «ظننتُ أنني سأتمكن من اصطياد بضع مئات من الفئران. لم أكن أعتقد أنني سأصطاد 7500 فأر».

ونقل التقرير عن بارنز أن الفئران الميتة والفضلات الموجودة على الأسطح تُلوث خزانات المياه التي يستخدمها المزارعون في زراعتهم، مؤكدًا أن: «الناس سيصابون بالمرض بسبب المياه». كما تملأ الفئران بالات القش التي يملكها بارنز، ويحاول القضاء على الفئران باستخدام فوسفيد الزنك، وهو مبيد كيميائي غير عضوي غير محظور استخدامه على نطاق واسع في الزراعة في أستراليا للقضاء على الفئران. ويأمل بارنز أن يُساعد الصقيع الذي يأتي في موسم الشتاء في احتواء أعداد الفئران.

وعانى المزارعون الأستراليون مثل بارنز من الجفاف القاسي لمدة أربع سنوات قبل أن يأتي عام 2020 ومعه موسم جيد، بالإضافة إلى أنهم عانوا من أسوأ فيضانات شهدتها بعض أجزاء ولاية نيو ساوث ويلز خلال 50 عامًا على الأقل. لكن جائحة كوفيد-19 تسببت في ندرة العمالة، وتُرِكت الفاكهة حتى تعفَّنت على الأشجار بسبب غياب الجوَّالين الأجانب الذين يوفرون القوى العاملة الموسمية.

Embed from Getty Images

وخلص التقرير إلى أن طاعون الفئران يظهر على ما يبدو من العدم، ويختفي بالسرعة نفسها في أغلب الأحيان. كما يُعتقد أن انتشار المرض بين الفئران ونقص الغذاء يتسببان في حدوث انهيار كبير في أعدادها؛ لأنها تتغذى على نفسها وتلتهم المرضى والضعفاء منها، فضلًا عن صغارها.

وفي ختام تقريره، استشهد المراسل بما قاله الباحث الحكومي ستيف هنري، الذي تعمل وكالته على تطوير إستراتيجيات للحد من تأثير الفئران في الزراعة، إنه: «من السابق لأوانه التنبؤ بالضرر الذي سيحدث مع حلول الربيع».

ويتنقل هنري بين مدن ولاية نيو ساوث ويلز لتنظيم اجتماعات للمجتمعات المحلية، والتي تُعقَد في بعض الأحيان مرتين يوميًّا، لمناقشة مشكلة الفئران. وأكد هنري أن: «الناس قد سئموا من التعامل مع الفئران».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد