ظهرت العقارب في أسوان، كان هناك المئات منها إن لم يكن الآلاف، حشرة صفراء بطول 10 سنيتمترات مع ما يصل إلى ستة أزواج من العيون وذيل ممتلئ بالسم القاتل

أعدت الصحافيتان فيفيان يي وندى رشوان تقريرًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يسلط الضوء على الأحداث المناخية الاستثنائية التي شهدها جنوب مصر في الأيام الماضية، ما أدى إلى ظهور العقارب الضخمة التي أصابت عشرات السكان حتى الآن.

وفي مستهل التقرير تصف الكاتبتان ما سبق تلك الأحداث المناخية قائلتين: «إن سماء النيل لمعت بلون رمادي باهت. أعقب ذلك عاصفة شديدة وأمطار غزيرة ورعد وفيضانات سريعة دفعت الناس إلى البحث عن الأراضي الجافة، وقد انهارت بعض المنازل المبنية من الطوب، كل ذلك شهدته أسوان، أكبر مدينة في جنوب مصر.

ظهور العقارب في أسوان

ثم ظهرت العقارب، وبحسب الكاتبتين كان هناك المئات منها، إن لم يكن الآلاف، حشرة صفراء بطول 10 سنيتمترات مع ما يصل إلى ستة أزواج من العيون وذيل ممتلئ بالسم القاتل لدرجة أن هذا النوع معروف خارج الوسط العلمي باسم مطارد الموت. وبحسب التقرير، فقد جرفت الأمطار جحور العقارب الصحراوية، وتسللت إلى القرى الواقعة على سفوح الجبال واقتحمت المنازل عبر شقوق في الجدران، مما تسبب في لدغ ما لا يقل عن 503 أشخاص ليلة الجمعة وحدها، وفقًا لمسؤولين محليين.

وينقل التقرير ما نشرته صفحة على «فيسبوك» مخصصة لأخبار مجتمع النوبة، تصف فيه الحدث بعد انحسار المياه: السيول التي تعرضت لها ‎#أسوان أدت إلى خروج العقارب من المخابئ بالجبال لتلذغ بعض سكان القرى، اللهم احفظ البلاد. 

سببت العاصفة التي انفجرت فوق أسوان حوالي الساعة 9:30 مساءً يوم الجمعة أسوأ أضرار قد تسببها الفيضانات، إذ لقي ثلاثة أشخاص مصرعهم، وينقل التقرير ما قاله مسؤولون محليون إن 103 منازل دمرت جزئيًّا أو كليًا، فيما يقول السكان إن العدد الحقيقي أكبر بكثير.

Embed from Getty Images

يوم الإثنين، كان آلاف الأشخاص ما زالوا يبيتون لدى الجيران أو ينامون في الخارج بينما هم يحاولون إنقاذ كل ما في وسعهم من تحت الأنقاض. ويصف التقرير الظهور النادر للاستياء في مصر، حيث تقمع  قوات الأمن معظم المعارضة، بحسب تعبير الكاتبتين، إذ تظاهر ما يقرب من عشرة متظاهرين أمام مكتب محافظ أسوان يوم الإثنين بسبب انقطاع الكهرباء والمياه وغياب أي صورة من صور المساعدة الحكومية.

ويشير التقرير إلى الأجواء في مدينة الأقصر بالتزامن مع ظهور العقارب في أسوان، واصفًا أنه على بعد ساعات قليلة جنوب المعابد القديمة في الأقصر، ظلت الحياة على ضفاف النيل تسير برتابة، والقرى الصغيرة المطلية بالباستيل متداعية والطقس جاف حتى ليلة الجمعة.

مصر ملاذ للعقارب

مع صحاريها الشاسعة، تعد مصر عادة جنة للعقارب، وتبلغ الأنواع 24 نوعًا، وتبني منازلها في جحور الصحراء أو تحت الصخور ويمكنها البقاء على قيد الحياة لأسابيع دون طعام أو ماء. إنهم يسكنون البلاد منذ زمن طويل لدرجة أن ملكين قدامى استعارا أسماءهم، وقيل إن الإلهة القديمة إيزيس قد نجت من الخطر بمساعدة سبعة من العقارب، كما اتخذت أيضًا الإلهة سيركيت في الأساطير المصرية من العقرب رمزًا لها.

Embed from Getty Images

تكشف الكاتبتان عن أن عقارب مطارد الموت – أو كما هو معروف للعلماء Leiurus quinquestriatus – هي جزء من الحياة اليومية لأسوان، خاصةً في فصل الصيف، عندما تكون العقارب أكثر نشاطًا. فهي تجوب الشوارع، وتتربص تحت الحجارة وتتعدى على المنازل، وتعشش في الأحذية وتحت البطانيات.

ويلفت التقرير إلى أنه يتم الإبلاغ عن عشرات من لدغات العقارب في المنطقة كل عام، وفي حالة اللدغ، يعلم الجميع أنه يجب الذهاب إلى المستشفى للحصول على جرعة من المصل أو الترياق والراحة لبضعة أيام. وينقل التقرير ما قاله إسلام محمد، الذي يقود إحدى القوارب الصغيرة الكثيرة التي تجوب النيل حول أسوان، لنقل الناس من مكان إلى آخر: «لقد اعتدنا على ذلك. نحن نضربهم بأي شيء عندما نراهم».

نقص في مضادات سموم العقارب

مع ذلك، يستدرك التقرير، فإن 503 لدغات في ليلة واحدة هو أمر استثنائي، إذ اضطرت المستشفيات في جميع أنحاء أسوان للتنقيب في مخابئها عن مضادات السموم، وحذر رسم بياني لوزارة الصحة تم تداوله على «فيسبوك» خلال عطلة نهاية الأسبوع من الأعراض الأكثر شيوعًا المصاحبة للدغات العقارب: الألم الشديد في موقع اللدغة، وارتفاع درجة الحرارة، والتعرق، والقيء، والإسهال.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
«أرض العطر والذهب».. كيف تحكي بلاد النوبة قصة الحضارة عبر العصور؟

إن لدغة مطارد الموت يمكن أن تقتل طفلًا، وينقل التقرير ما قاله محمد عبد الرحمن، أستاذ علم السموم الجزيئي بجامعة قناة السويس، الذي يدرس سم العقرب، بأن البالغين قد يمرضون ويموتون أيضًا، بحسب صحتهم ووزنهم. فيما ذكرت تقارير إخبارية في البداية أن ثلاثة أشخاص أصيبوا بلدغات قاتلة، لكن السكان قالوا إن القتلى كانوا ثلاثة جنود في معسكر للشرطة تعرضوا للصعق بالكهرباء في الفيضانات من الأسلاك المتساقطة.

ونقل التقرير ما تردد على لسان السكان المحليين في النوبة بأن هطول الأمطار كان الأعنف منذ سبع سنوات لكن هذه الفيضانات نادرًا ما وصلت إلى المناطق السكنية من قبل. دفعت شدة العاصفة بعض علماء الأرصاد الجوية المصريين إلى التكهن علنًا بأنها مرتبطة بالتغير المناخي، الذي أضر بمحاصيل الزيتون والتمر في مصر، وحوَّل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى صحراء وجعل الصيف حارقًا بالفعل في البلاد، بحسب التقرير.

وينقل التقرير عن مراد أبازيد (56 عامًا)، موظف حكومي من قرية كوبانية المنخفضة الواقعة على الضفة الغربية للنيل، قوله إن الفيضانات غمرت منزله وأجبرته وعائلته على اللجوء إلى مسجد. بات ينام الآن في الشارع بجوار أنقاض منزلهم، في حين بقيت زوجته وأطفاله الثلاثة مع الجيران.

مضيفًا: «الحمد لله، لم يمت أحد؛ فقد أنقذنا الناس، لكن منازلنا دُمرِّت. ولا نعرف ماذا سنفعل الآن». وقال إن معظم منازل القرية تضررت جزئيًّا على الأقل، وبعضها مهدد بالانهيار. لم يعد هناك كهرباء أو ماء منذ ليلة الجمعة: «لقد كانت مجرد ساعة من المطر، لكنها دمرت كل شيء».

صيد العقارب

تتمتع أسوان والمنطقة الأوسع من صعيد مصر بتاريخ طويل من المعاناة من الإهمال الرسمي، ويشير التقرير إلى أنه وسط انتشار الفقر، تحول بعض السكان إلى العمل الحر صيادين للعقارب، وهو عمل مربح وإن كان محفوفًا بالمخاطر.

Embed from Getty Images

يمكن استخلاص السموم من العقارب، واستخدامها في البحث العلمي وبعض العلاجات الطبية، وينقل التقرير عن الدكتور عبد الرحمن، الذي يدرس الاستخدامات الطبية والعلمية للسم، إن استخلاص جرام واحد من سم العقرب، يتطلب ما يصل إلى 3 آلاف عقرب، ويمكن تصديره مقابل 8 آلاف دولار.

تُستخدم السموم المعزولة من عقرب مطارد الموت حاليًا في الأبحاث المختبرية وعلاج السرطان، إذ يمكن استخدامها لطلاء الخلايا السرطانية في الدماغ أثناء الجراحة، لإبرازها وإزالتها. ويقول الدكتور عبد الرحمن: «أحزن بشدة عندما يقتل الناس العقارب، لأن سم العقارب غني جدًا ومفيد».

وبحسب التقرير، يصطاد هو وفريقه البحثي بانتظام العقارب في الصحاري حول أسوان والأقصر وصحراء سيناء وساحل البحر المتوسط في مصر، ثم يحفزون العقارب بتيار كهربائي لاستخراج السم، وبمجرد استخلاصه، يطلقون سراح العقارب. وخلال 20 عامًا من البحوث على العقرب، قال عبد الرحمن إنه لم يتعرض للدغ قط، وهو رقم قياسي يرجع جزئيًّا إلى الاستخدام الدؤوب للملقط – وليس يديه – لالتقاطهم من ذيولهم، ويقول في ختام التقرير: «يمكن للمحترفين إمساك العقارب من الذيل باليد. لكنني لا أوصي بفعل ذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد