اتَّفق وزراء خارجية عشرين دولة يوم السبت على خطة طموحة، وإن كانت ناقصة، لإحلال السلام في سوريا وإنهاء الدور الذي تلعبه بوصفها أرضًا خصبة لداعش ولجماعات إسلامية مُتطرِّفة أخرى، داعين إلى الحاجة إلى اتِّخاذ إجراء مشترَك بعد الهجمات الإرهابية على باريس.

وضعت إيران والسعودية، اللتان تدعمان أطرافًا مُختلفة للصراع، خلافاتهما جانبًا من أجل إدانة التفجيرات وعمليات إطلاق النار التي أسفرت عن قتل 123 شخصًا على الأقل في العاصمة الفرنسية يوم الجمعة، وكذلك فعلت كلٌّ من موسكو وواشنطن.

دعا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري؛ الذي كان يقف إلى جوار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبل الاجتماع الوزاري يوم السبت، الهجمات بأنَّها الأكثر دناءةً وترويعًا وشناعةً على الكوكب، وأنَّها مرفوضة تمامًا، وقال إنَّها قد «شجَّعتنا اليوم على بذل المزيد من الجهد من أجل التقدُّم والمساعدة في حل الأزمات التي نواجهها».

وقال للصحفيين لاحقًا: «تُؤكِّد أحداث باريس على التهديد الذي تُمثِّله داعش علينا جميعًا»، والتي أعلنت مسؤوليتها عن أحداث الإرهاب بباريس. تحدَّث كيري بالفرنسية في جزءٍ من تصريحاته التي تلَت الاجتماع، تحيةً لضحايا تلك الهجمات.

قال لافروف إنَّه «ليس هناك تبريرًا للأفعال الإرهابية، وليس هناك تبريرًا لعدم فعلنا المزيد والمزيد لهزيمة داعش والنصرة وأمثالهما»، مُضيفًا: «آمل أن يسمح لنا هذا الاجتماع بالتقدُّم إلى الأمام».

يبدو أنَّ الخطة التي قدَّماها مستوحاة كثيرًا من مبادرة روسية أُعلِن عنها مؤخرًا. وقد تُمثِّل الخطة تقدُّما كبيرًا إذا نجحَت.

تُحدِّد الخطة الأول من يناير موعدًا نهائيًّا لبداية المفاوضات بين حكومة الرئيس بشار الأسد وجماعات المعارضة. قال لافروف إنَّ الحكومة السورية قد رشَّحت مُمثِّليها بالفعل، وسيبدأ ستافان دي ميستورا؛ مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، على الفور في العمل على تحديد مَن يجلس إلى طاولة المفاوضات بصفته جزءًا من فريق المعارضة.

من المُفترَض أن تؤسِّس المفاوضات بين الأطراف السورية خلال ستة أشهر حكومةً انتقاليةً شاملة للجميع وذات مصداقية وغير طائفية، ستُحدِّد جدولًا لكتابة دستور جديد وعقد انتخابات حرة ونزيهة تُشرِف عليها الأمم المتحدة خلال 18 شهرًا، كما جاء في بيانٍ مُشترَك نشرته الأمم المتحدة نيابةً عن أطراف المحادثات التسعة عشر.

ولكن ما تزال هناك ثغرات، فبينما اتَّفق الدبلوماسيون على آلية تُديرها الأمم المتحدة لفرض وقف إطلاق النار، فشلوا في الوصول إلى إجماعٍ على أيِّ المجموعات التي لن تكون مؤهَّلة لعقد هدنةٍ معها غير فروع الدولة الإسلامية والقاعدة. ستكون الدول المُموِّلة لكل مجموعةٍ تشملها اتِّفاقية وقف إطلاق النار، وفقًا لشروط الاتِّفاقية، مسؤولةً عن ضمان التزام المجموعة بها.

قال لافروف إنَّ الأردن ستُشرِف على عمليةٍ ستُحدِّد أيًّا من الجماعات ينبغي تصنيفها جماعةً إرهابية، وستكتمل هذه العملية عند بدء العملية السياسية بين الحكومة، والمعارضة في يناير.

كما عكست تعليقات الوزيرين اختلافات مُستمرَّة حول أسباب التهديد الإرهابي المُنبثِق من سوريا، فاقترح كيري أنَّ الراديكاليين انجذبوا إلى سوريا لخوض معركتهم ضد الأسد، وهي الرؤية التي عارضها لافروف. وظلَّ الخلاف الروسي الأمريكي حول ما الدور الذي سيلعبه الأسد -إذا لعِب أي دور- في أي تحوُّل قائمًا، ولكنَّهما حاولا التخفيف من وطأته مع تركيزهما على التقدُّم الذي حقَّقاه.

تريد واشنطن إزاحة الأسد، بينما اقترح كيري أنَّ السوريين أنفسهم هُم مَن سيُحدِّد مصير الرئيس السوري من خلال العملية الديمقراطية. وقال للصحفيين في نهاية المحادثات: «لَم نأتِ إلى هنا لفرض رغبتنا الجمعية على الشعب السوري، بل العكس تمامًا. سيكون الشعب السوري -ولا بد أن يكون- مساندًا لجهودنا»، بينما «ما زلنا مختلفين حول مسألة ما سيحدث لبشار الأسد، نتِّفق على الآتي: قد آن أوان وقف النزيف في سوريا، قد آن أوان حرمان الإرهابيين من أي كيلومتر واحد يختبؤون فيه».

وقال كيري في الوقت نفسه أيضًا إنَّ «الحرب لا يمكنها الانتهاء طالما بقي بشار الأسد، فهذه رؤية مَن يُشنُّون الحرب». ولكن لافروف قال إنَّ الصراع -أو حلَّه- ليس مُتعلِّقًا بالأسد، فقال: «لا يهم إن كُنتَ مؤيِّدًا للأسد أو مُعارِضًا له، فداعش عدوُّك».

لقد قتلت الحرب حتى الآن، في عامها الخامس، أكثر من 250,000 شخص، وقد نزعت 11 مليون شخص من منازلهم، بينما أتاحت لمُسلَّحي الدولة الإسلامية اقتطاع أجزاء عامة من سوريا والعراق من أجل خلافتهم المستقبلية. وفي هذه الأثناء تكافح كلٌّ من أوروبا والدول المجاورة لسوريا من أجل التأقلم مع أسوأ أزمة مهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية.

قرب نهاية الاجتماع حثَّ الأمينُ العام للأمم المتحدة بان كي مون الوزراءَ على «تجاوز خلافاتهم حول سوريا». قال لوران فابيو وزير الخارجية الفرنسي إنَّ الهجمات في باريس جعلت عثور المجتمع الدولي على منهجًا عامًا مُشترَكًا فيما يتعلَّق بسوريا والإرهاب ضروريًّا جدًّا، وهو ما تردَّد صداه لدى وزراء خارجية ألمانيا والأردن والسعودية.

قال ناصر جودة وزير الخارجية الأردني إنَّ هجوم باريس يؤكِّد مُجدَّدًا على التزامنا الجمعي نحو محاربة الإرهاب والتطرُّف أينما وُجِدا، بينما قالت فيديريكا موجيريني؛ المُمثِّلة لسياسة الأمن والشؤون الخارجية بالاتِّحاد الأوروبي، إنَّه لم يعُد من الممكن لأي طرفٍ أن يتفادى التهديد المُشترَك. وأعلنَت أنَّ «جميعنا في مركبٍ واحد؛ الأوروبيون والعرب، الشرق والغرب، كل المجتمع الدولي. إنَّ أفضل ردٍّ على هذا هو تجمُّعنا سويًّا، وتغلُّبنا على خلافاتنا، ومحاولة تمهيد الطريق نحو السلام في سوريا».

واختار المشارِكون العاصمة الفرنسية لإقامة اجتماعهم التالي قبل نهاية العام لمراجعة التقدُّم في اتِّفاقية وقف إطلاق النار، ولاختيار وفودٍ من أجل المحادثات السياسية، فيما بدا قرارًا ناتِجًا عن هجمات باريس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد