ربما يصعب تخيل الحياة بدون البلاستيك؛ فهو من أكثر المواد الطيّعة للاستعمال البشري، وأوسعها انتشارًا في حياتنا اليومية، وأدواتنا المختلفة، ولكن في الوقت نفسه لم يعد ممكنًا تجاهل الضرر الذي يلحقه البلاستيك بالبيئة والمجتمع على حدّ سواء.

في هذا الصدد يجيء مقالٌ منشور على موقع المنتدى الاقتصادي العالمي لثلاثة مسؤولين إداريين في شركة أكسنتشر ليوضح إمكانيات التعامل مع أزمة البلاستيك العالمية والحلول المقترحة لها ضمن دورة المنتدى لعام 2019. فهل يمكن بالفعل أن تتفتح فرصٌ جديدة؛ مما يبدو بابًا مغلقًا وخطرًا يتهدد الكرة الأرضية كلها؟

بمعدل 4 جرائم في الأسبوع.. لماذا تقتل العصابات والدول المدافعين عن البيئة؟

إنتاجٌ هائل

حين ينظر أيّ منا إلى الإحصاءات المتعلقة بانتشار البلاستيك في العالم سيلقى أرقامًا وبيانات ليست سهلة للاستيعاب وتخيل معناها الحقيقي ونتائجها على أرض الواقع، بوجود 13 ألف قطعة من النفايات البلاستيكية في كل كيلومتر مربع من المحيط، وتسبب صناعة أربع زجاجات بلاستيكية بإنتاج مستوى انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري بما يعادل السفر لمسافة ميل واحد في سيارة بنزين متوسطة الحجم، يؤكد المقال أنه آن أوان إعادة ابتكار كلية لطرق الإنتاج التقليدية.

يشير أنطوان فريروت الرئيس التنفيذي لشركة فيوليا إلى الزيادة الحادة في إنتاج البلاستيك خلال نصف القرن الماضي، إذ ارتفع من 15 مليون طن خلال الستينات إلى 311 مليون طن عام 2014. من المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات بحلول عام 2050، وقد يستأثر إنتاج البلاستيك حينها بـ20% من استهلاك النفط السنوي العالمي.

ارتفع إنتاج البلاستيك من 15 مليون طن خلال الستينات إلى 311 مليون طن عام 2014، ويقابل هذا وجود 13 ألف قطعة من النفايات البلاستيكية في كل كيلومتر مربع من المحيط.

تقدر مؤسسة إيلين ماك آرثر أن التكاليف الناشئة عن البلاستيك أحادي الاستعمال مع ما ينتجه من غازات الاحتباس الحراري تصل إلى 40 مليار دولار. يفوق هذا الرقم الضخم ربحيّة صناعة البلاستيك الحالية وحريّ به أن يزيد من قوة الحجج الداعية إلى الحدّ من إنتاج واستهلاك البلاستيك، فهو – وفقًا للمقال – لم يعد منطقيًا، لا من الناحية المالية، ولا الاجتماعية، ولا البيئية.

هنالك حراك عالمي لحماية كوكب الأرض ضد زخم إنتاج البلاستيك، وهو ما يُنتج مستويات جديدة من التدقيق للصناعات المختصة لكن المقال يؤكد أن هذا هو ما يفتح الباب أيضًا أمام فرصة جديدة منبثقة من صناعة البلاستيك نفسها لتبتكر قيمةً جديدة وتقود ممارسات مستدامة في الآن نفسه.

البلاستيك بمثابة مادة خام

مع التفكير بهذه الفرصة الجديدة، هل يمكن أن يصبح البلاستيك هو نفسه الحل لمشكلة صناعة البلاستيك؟ إذا ما طبق نهج الاقتصاد الدائري على المواد البلاستيكية، وإذا ما فُصِل النمو الاقتصادي عن الاستخدام المحدود للموارد الطبيعية، وإذا عُثر على طرق جديدة لإعادة استخدام المنتجات البلاستيكية الموجودة أصلًا، هذه كلها وسائل لزيادة تنوع وسعة تطبيقات البلاستيك لفتحِ آفاقٍ جديدة لإعادة استخدامه بما يحقق قيمة جديدة للصناعة، ويحمي مستقبل كوكبنا.

تقوم فكرة الاقتصاد الدائري للبلاستيك على إعادة تدوير البلاستيك الموجود أصلًا وابتكار حلول لمعالجته وإدخاله ضمن خطّ إنتاج مستدام ومتعدد الاستعمالات، عوضًا عن الاقتصاد الخطي القديم، والذي يتمثل باستخدام البلاستيك لمرة واحدة، ومن ثم تحوّله إلى نفايات ملوّثة للكوكب.

يذهب المقال إلى إمكانية إحداث انخفاض جذري في الحاجة العالمية للبلاستيك البكر، في حال وجود تدابير تنظيمية وطوعية تعطي الأولوية لإعادة التدوير، والتي تتسق أيضًا مع الابتكار المستدام، والتقدم التكنولوجي الحديث. على سبيل المثال، في الوقت الحالي تختلف معالجة البلاستيك وتجميعه وإعادة تدويره وفقًا لنوع البلاستيك المطلوب. وهو ما يجعل الإجراء الأنسب غير واضح، ويثبط الممارسات الأفضل لاستعادة الموارد.

يشير البعض في هذا الصدد إلى أن أحد الحلول هنا يكمن في إيجاد معايير عالمية موحدة وقياسية لأنواع التغليف والتعبئة البلاستيكية. ويعتقد المقال بإمكانية تحقيق ذلك عبر دمج التعاون مع القطاع العام لوضع سياسات فعالة، مقترنًا بوضع معايير صناعية ذاتية التنظيم؛ ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين معدلات إعادة التدوير وتسهيل استرداد الموارد.

كانت منظمة الأمم المتحدة للبيئة قد أعلنت بالتعاون مع مؤسسة إيلين ماك آرثر عن التزام عالمي جديد للاقتصاد البلاستيكي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، وقد جمعوا أكثر من 290 توقيع. تُظهر هذه الخطوة كيف تدعو العديد من الجهات الفاعلة الرئيسة في القطاعين العام والخاص إلى نموذج الاقتصاد الدائري، والذي يديم إنتاج البلاستيك، ويشجع على إعادة الاستخدام المبدع.

ترى تلك المنظمّات الموقعة على الالتزام أنه مع تهيئة الشروط التنظيمية والضوابط السياساتية الصحيحة والمحفزات السعرية الملائمة، يمكن تحسين النتائج البيئية وزيادة النمو الاقتصادي بشكل متزامن. عبر إغلاق تلك الحلقة، يخرج البلاستيك من تصنيف النفايات ليصبح مصدرًا رئيسًا للقيمة، عبر دخوله مرارًا وتكرارًا ضمن سلسلة القيمة على شكل مدخلات تقنية وبيولوجية.

بدأ هذا الحل ـ فكرة الحلقة المغلقة ـ يكتسب زخمًا قويًا من الشركات بعد انتباهها لكمية العائدات المحتملة من هذا النهج، خصوصًا مع وجود التكنولوجيا الممكّنة من استخدام البلاستيك بمثابة مادة خام لإنتاج البلاستيك المستقبلي.

الابتكار التكنولوجي محرّك التغيير

يذكّر المقال بدخولنا عصر الثورة الصناعية الرابعة، ويحدده بشكلٍ رئيس تطور القدرات التكنولوجية شديد السرعة. في هذا المجال يحدد المنتدى الاقتصادي العالمي واستراتيجية «أكسنتشر» ثلاثة أنواع من التقنيات الداعمة للانتقال إلى الاقتصاد الدائري، وتشمل المجالات الرقمية، والفيزيائية، والبيولوجية.

ينبغي أن يكون الابتكار المستدام في صميم تطوير القدرات التكنولوجية التي تغير عالمنا جذريًا. تدبّ الحياة حاليًا في أوصال محرّك ابتكار دائم لقطاع البلاستيك، مع وجود العديد من الشركات الرائدة مثل بانيان نيشن، إيڤيان آند لوب إندستريز، بوريو، بير بتيوال جلوبال وخلافها من شركاتٍ تستخدم تقنيات الثورة الصناعية الرابعة تلك لتقود الجهود الرامية إلى خلق واقعٍ بلاستيكي جديد خالٍ من النفايات.

شركة بانيان نيشن المذكورة أعلاه هي واحدةٌ من أولى شركات إعادة تدوير البلاستيك المتكاملة رأسيًا في الهند وقد حازت على جائزة اختيار الجمهور للاقتصاد الدائري لعام 2018. طورت هذه الشركة تقنيات رائدة قادرة على تحويل النفايات البلاستيكية ـ بعد استهلاكها واستخدامها صناعيًا ـ وإعادة تدويرها إلى حبيبات عالية الجودة، وتُعرف باسم «Better Plastic™». تضاهي هذه الحبيبات بجودتها وأدائها البلاستيك البكر.

تدمج بانيان نيشن في منصة بياناتها العديد من جهات إعادة التدوير غير الرسمية في سلسلة إمداداتها؛ ما يوفر الأمن الوظيفي وسبل المعيشة الجيدة، فضلًا عن مساعدة المدن على إدارة النفايات بفعاليةٍ أكبر.

وفي خطوةٍ ابتكارية مماثلة، طوّرت شركة پير پتيوال عملية تكنولوجية مستدامة وفعالة من حيث التكلفة تحوّل بها العبوات المصنوعة من مبلمر بولي إيثيلين تريفثاليت (مثل عبوات الماء) إلى بولمير بولي إستر يُصنع به عبوات جديدة والألياف والأغلفة المطلوبة. يمكن لهذا الإستر أن يحلّ محل الإسترات الأخرى ذوات البصمات الكربونية الأعلى.

أما شركة المياه العملاقة إيڤيان فقد تعهدت علنيًا بالشراكة مع شركة التكنولوجيا الرائدة لوپ إندستريز بأن جميع عبوات المياه التي تصنّعها ستكون من البلاستيك المعاد تدويره بحلول عام 2025. طوّرت لوپ إندستريز حلًا تكنولوجيًا لإنتاج راتنج بلاستيكي عالي الجودة من عبوات إيڤيان دون إنتاج المزيد من البلاستيك.

تلجأ تقنيات لوپ إندستريز إلى وسيط يفصل بلاستيك بولي إيثيلين تريفثاليت إلى مونمرات فردية دون حرارة أو ضغط. يعاد تشكيل هذه المونمرات إلى راتنج بلاستيكي، ويمكن بعدها تصفية الشوائب لإنتاج راتنج بلاستيكي من مبلمر بولي إيثيلين تريفثاليت بجودة البلاستيك البكر وعلى نطاقٍ واسع.

حينما يُنتهج استخدام الموارد المخفض وزيادة المكاسب الاقتصادية، يصبح استخدام البلاستيك بمثابة مواد خام قادر على إحداث تغيير نوعي. بدأت الجهات الفاعلة الملهمة مثل شركة بوريو بتسليط الضوء على قيمة البلاستيك باعتباره مادة خام.

على سبيل المثال، تُدمج المواد المصنوعة من شبكات الصيد المهجورة ـ أطلق على هذه المواد اسم  Netplus ـ في سلاسل التوريد التابعة لصناعاتٍ رائدة مثل شركة باتاغونيا ومجموعة «يونايتد كولكشن» لنظارات شمس كوستا. منذ عام 2013، جُمع أكثر من 185 ألف كيلوغرام من تلك المواد من خلال المجتمعات الساحلية التشيلية المشاركة، ومن دون جهود شركة بوريو كان سينتهي الحال بتلك المواد في المحيط تلويثًا وعبئًا إضافيًا.

معيارٌ للمستقبل

تُحدث الأعمال الملهمة المماثلة تحولات بيئية إيجابية ومهمة على نطاقٍ واسع لحماية كوكب الأرض ووقايته من ضررٍ أكبر.

يوضح المقال كيف وفرت هذه الشركات منصات لعرض حلولها العملية والقابلة للتطور عبر فرصٍ اقتصادية وتجارية جاهزة للتطبيق من قبل جميع من يتوجه نحو الإنتاج الدائري. الرسالة واضحة: التكنولوجيا موجودة الآن بالفعل لحل أزمة البلاستيك كما نعرفها، وتحويلها إلى فرصة عملٍ جديدة وقيمة.

ليس هناك أبدًا وقت أفضل وأكثر أهمية للتبني الكامل لهذه التطورات التكنولوجية الآتية مع الثورة الصناعية الرابعة – لتحويل مشاكلنا الحالية مع البلاستيك إلى فرصٍ جديدة مع حماية الكوكب. آن أوان إدراك القيمة المتوفرة في كل أنواع البلاستيك، والبدء بالتفكير في البلاستيك المستخدم، ليس باعتباره نفايات، بل موارد خام جديدة مع إمكانيات لا حصر لها.

نصف الكائنات الحية ستنقرض مع نهاية القرن! تعرف إلى أبرز 10

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد