سنوات من التقصير جرَّدت منظمة التحرير الفلسطينية من أي خطة يمكن أن تواجه بها الضم الإسرائيلي الوشيك لأراضي الضفة الغربية. 

هذا ما خلُصَ إليه تحليل كتبه عمر حسن عبد الرحمن، الزميل الزائر في مركز بروكنجز الدوحة، تعليقًا على إسدال ستار النهاية على اتفاقيات أوسلو الأسبوع الماضي،  بعد أكثر من ربع قرن من إبرامها.

حدث ذلك من مقر الرئاسة في رام الله، حيث ألقى محمود عباس- رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية- خطابًا قال فيه: إن الفلسطينيين أصبحوا «في حِلٍّ من الاتفاقيات والالتزامات مع الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية»، بما في ذلك التنسيق الأمني.

جاء هذا البيان المدوي بعد أيام قلائل من أداء حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في إسرائيل اليمين الدستورية، وتأكيد عزمها على المضي قُدُمًا في خطط البدء بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية في وقت مبكر، بحلول الأول من يوليو (تموز).

يحذر الباحث عمر عبد الرحمن من أن إسرائيل إذا سلكت هذا الطريق حتى نهايته، فستقضي بذلك على آمال إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية. وستصبح اتفاقيات أوسلو بلا معنى، وسينهار أي وعدٍ كانت لا تزال ملتزمة به. ولا غروَ فتوقيع تلك الاتفاقيات في الأصل كان من أجل تسهيل منح الفلسطينيين حق تقرير المصير والحكم الذاتي في ما يعتقدون أنها ستكون دولتهم، التي ستجهضها خطة الضم.

غير أن إعلان عباس كان أبعد ما يكون عن خطة عمل ملموسة ومفصلة، على نحو ما كان يتوقع كثيرون في ظل هذا الوضع. ويرجح الكاتب الذي يعكف على تأليف كتاب عن حقبة ما بعد اتفاقية أوسلو، أن هذا ينبع من تَحَفُّظٍ مُزمِن، ونقصٍ مذهل في التخطيط، وارتباكٍ حول كيفية المضي قُدُمًا بعد ما قد يثبت أنه خطوة حاسمة لا رجعة فيها.

ما فعله عباس ولم يصرِّح به

يضيف المحلل المتخصص في سياسات الشرق الأوسط والسياسة الأمريكية الخارجية: ترك خطاب عباس العديد من الأسئلة دون إجابة، بما في ذلك: هل يعني «إلغاء» اتفاقات أوسلو أن السلطة الفلسطينية ستتوقف عن التنسيق مع إسرائيل، أم ستتفكك تمامًا؟ هل يعني كون الفلسطينيين «في حِلّ من التفاهمات والالتزامات» أن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، الوارد في إعلان مبادئ أوسلو، لم يعد قائمًا؟

Embed from Getty Images

وهناك أسئلة أكثر عملية، منها: كيف ستُحكَم الضفة الغربية في المستقبل، في ظل النظام المعقد للسلطات الإدارية والأمنية التي أنشأتها أوسلو؟ من سيتولى المسؤولية عن الشرطة والتعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات للسكان الفلسطينيين، وهي الصلاحيات التي حوَّلتها إسرائيل للسلطة الفلسطينية على ظهر عملية مفاوضات مفصلة أجريت في عام 1995؟ هل يمكن نقض عُرى هذه العملية بمجرد الإعلان عن إلغائها؟

والأهم من ذلك: كيف يمارس ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية حياتهم اليومية وأنشطتهم الاقتصادية، بعدما ظلوا يديرونها طيلة ربع قرن وفقًا لتلك الاتفاقات والهياكل؟

يضيف التحليل المنشور في مركز بروكنجز: لا شك في أن قرار الانسحاب من اتفاقات أوسلو لم يكن وليد اللحظة، بل كان يختمر منذ فترة طويلة. لقد انتهكت إسرائيل بانتظام كل جانب من جوانب الاتفاقات طيلة سنوات. وطيلة الوقت، كان عباس وآخرون يهددون بالانسحاب، وإن لم ينفذ أحد هذا التهديد على أرض الواقع.

بيدَ أن إنهاء التعاون مع إسرائيل، خاصة في مجال الأمن، يحظى بشعبية كبيرة داخل منظمة التحرير وفي أوساط الجمهور الفلسطيني. إذ يشعر الفلسطينيون بالاستياء من التعاون الأمني الوثيق بين حكومتهم وإسرائيل، على وجه الخصوص، في ظل استمرار الاحتلال العسكري وانتهاكات حقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، ثمة تعقيد شديد يُخَيِّم على المؤسسات السياسية الفلسطينية نتيجة لعملية أوسلو. فاليوم، تتولى منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، ودولة فلسطين، مسؤولية حكم الشعب الفلسطيني أو تمثيله، لكنها لا تقوم ذلك بكفاءه، استنادًا إلى أدوار غير واضحة ومتداخلة، تحت قيادة شخص واحد هو: محمود عباس.

وفي حين كان خطاب عباس يفتقر إلى التفاصيل، إلا أنه تضمن بضع نقاط أخرى تلقي المزيد من الضوء على ما قد يدور في خَلَد القيادة الفلسطينية:

أولًا: أعلن الزعيم الفلسطيني أن «على سلطة الاحتلال الإسرائيلي ابتداء من الآن، أن تتحمل جميع المسؤوليات والالتزامات أمام المجتمع الدولي». مرة أخرى، لم يوضح كيف ولا متى سيطبق هذا في أرض الواقع، ولكن يمكننا أن نستنتج أن عباس يتوقع أن تتولى إسرائيل جزءًا من مسؤولياتها.

Embed from Getty Images

ثانيًا: لم يتطرق عباس إلى ذكر السلطة الفلسطينية في خطابه. لكنه بدلًا من ذلك، أشار إلى «دولة فلسطين» الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهو بذلك يُلمح إلى أن القيادة الفلسطينية، من خلال إلغاء الاتفاقات دون تفكيك السلطة الفلسطينية صراحة، أعادت تشكيل السلطة الفلسطينية في ثوب «دولة فلسطين»- تماشيًا مع وضعها داخل منظومة الأمم المتحدة- التي تحتلها إسرائيل.

يتابع الكاتب تحليله قائلًا: هذه نقطة رئيسية يتعين سبر غورها. لكنها، ولسوء الحظ، طُرِحَت هكذا مجردة من التفاصيل في خطاب عباس، يحيطها غلاف كثيف من الغموض. بينما يجب أن تكون هذه النقطة واضحة بجلاء لجميع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك الشعب الفلسطيني، الذي لا يزال يعيش حياته ويدير شؤونه وأعماله بموجب النظام والهياكل التي أوجدتها أوسلو، والتي قلبها هذا التحوُّل الأخير رأسًا على عقب.

كيف آلت الأمور إلى هذا الوضع؟

المنطق المفترض لهذا النهج في رأي الباحث عمر عبد الرحمن ينبع من إعلان استقلال فلسطين كدولة في عام 1988، والذي اعترفت به 138 دولة حول العالم. ولكن في ذلك الوقت كانت الدولة مجرد اسم فقط.

بعد خمس سنوات، خاضت منظمة التحرير الفلسطينية غمار عملية أوسلو، ووافقت على الوصول إلى إقامة الدولة على متن سفينة المفاوضات مع إسرائيل، على الرغم من أن إسرائيل كانت تقوض في الوقت نفسه احتمالات قيام دولة فلسطينية على الأرض من خلال سياسات الاستيطان التوسعية. وفي عهد بنيامين نتنياهو، على وجه الخصوص، شعر الفلسطينيون أن المفاوضات تشكل إلى حد ما عائقًا أمام إقامة الدولة أكثر من كونها مُيَسِّرَة لها.

بحلول عام 2011، اعتبر المراقبون الرئيسيون للنزاع- بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وغيرهما- أن مشروع بناء الدولة الفلسطينية جاهز للتطبيق، لكن المفاوضات لم تكن قد أحرزت أي تقدم حتى ذلك الحين.

ونتيجة لذلك، سعى الفلسطينيون إلى تجاوز عملية السلام الكسيحة؛ من خلال مطالبتهم الأمم المتحدة مباشرة بالاعتراف بدولتهم في أواخر عام 2011، بينما كانوا مستمرين في الالتزام بـ أوسلو في الداخل.

وأحرزت تلك العملية أولى إنجازاتها الرئيسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، عندما منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين صفة «دولة مراقب غير عضو»، وهكذا فُتِح الباب أمام الاعتراف بالدولة الفلسطينية في عدد من المنتديات الأخرى خلال السنوات التي أعقبت ذلك.

Embed from Getty Images

سبب يدعو للشك

هذه الخطوة التي أقدم عليها عباس مؤخرًا لتحل بموجبها دولة فلسطين محل السلطة الفلسطينية إنما يتعين قراءتها، حسبما ينصح الكاتب، بما يتماشى مع تلك الإجراءات الأخرى التي تسعى إلى إقامة الدولة، باعتبارها ردًا على الإجراءات الإسرائيلية على الأرض.

وبالنسبة لشخص يتجنب المخاطرة مثل عباس، قد تكون هذه الخطوة بعينها جذابة؛ لأنها لا تشكل تغييرًا ثوريًّا للحركة الوطنية الفلسطينية. إذ تتجنب القيادة ما يضطرها إلى إعادة هيكلة مؤسساتها على نحوٍ جذريّ، أو إحياء منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها، أو إعادة التفكير في جدول أعمالها السياسي النهائي، بما يتجاوز النموذج التقليدي لـ«حل الدولتين»، أو تمكين الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، أو المصالحة مع حماس.

وبالتالي، من المحتمل أن يوجه النقاد داخل المجتمع الفلسطيني سهام النقد لهذه الخطوة؛ باعتبارها وسيلة للحفاظ على سلامة الهياكل الحالية، بهدف استمرار تمتُّع أصحاب المصلحة المباشرين بالقوة والامتيازات، دون مواجهة خطورة الوضع الذي يشكله الضم.

يردف التحليل: في الواقع، ثمة أسباب عديدة للتشكيك في مصداقية القيادة الفلسطينية، أو قدرتها على تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية. فعلى مدى عقدين من الزمان، كان من الممكن والمعقول أن تواصل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية السعي لتحقيق السلام، بموزاة استعدادها لفشلها المحتمل.

لكن سنوات هامة ضاعت هدرًا، بينما كان يمكن استثمارها في الإعداد، بسبب عدم تطوير خطط طوارئ لمواجهة هذه اللحظة الراهنة، بينما كانت ورقة الضم مطروحة بسفورٍ على الطاولة طيلة الوقت.

علاوة على ذلك، فإن مؤسسات الدولة التي تسعى هذه الاستراتيجية إلى تمكينها تقوَّضت بمعاوِل الإهمال والفساد الذي ظل ينخر كالسوس في جسدها طيلة سنواتٍ غابت خلالها الانتخابات وحُلَّ البرلمان المنتخب في 2018. حدث ذلك كله بينما كانت السلطة تتمركز في أيدي القلة.

ويستدرك الباحث: هذا لا يعني أن الخطوة التي خطاها عباس بعيدًا عن أوسلو لا يمكن أن يتبعها آخرون، في إطار استراتيجية متماسكة تهدف إلى تعزيز موقف الحوكمة الفلسطينية على الأرض.

وينصح الكاتب القيادة الفلسطينية بأن تركز على استعادة الشرعية لمسؤوليها ومؤسساتها، من خلال الانتخابات، ولامركزية السلطة، وإقناع الفلسطينيين بأن السعي إلى إقامة الدولة لا يزال مسلكًا يمكن أن يُحرِز تقدُّمًا، وحشد الموارد، وإطلاق حملة بعيدة النظر لتحقيق هذا الهدف النهائي.

مثل هذه الاستراتيجية يجب أن تكون كفيلة بحشد الفلسطينيين والمجتمع الدولي للدفاع عن بديل قابل للتطبيق لـ «صفقة القرن» التي طرحها الرئيس ترامب، والتي يستخدمها نتنياهو في الواقع لتحل محل أوسلو، حسبما يأمل عمر عبد الرحمن.

ولكن نظرًا لضعف النظام السياسي الفلسطيني وتفككه، نتيجة انفصاله عن شعبه، وافتقاره الشديد للشرعية الشعبية؛ يعترف الكاتب بصعوبة نجاح مثل هذه القيادة في بلورة رؤية متماسكة لمثل هذه الاستراتيجية.

ويختم تحليله بالقول: في هذا الوقت المتأخر، وبينما نحن على أعتاب الضم الوشيك، يتعين التساؤل بجدية: عما إذا كان جدول الأعمال الذي يسعى لإقامة هذه الدولة لا يزال قابلًا للتطبيق، أم ثمة حاجة لنموذج جديد يتلاءم مع مستقبل ما بعد الضم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد