ألسنة اللهب المشتعلة من الغاز المحترق تخترق السماء ولا تدمِّر الكوكب الذي نعيش عليه فحسب، بل إنها تقتل العراقيين. وفي المدن النفطية المبتلاة بهذا الهواء السام الذي ينتشر في جميع أنحاء البلاد، يقول السكان المحليون إنهم يخشون على مستقبلهم؛ إذ أصيب أصدقاؤهم وعائلاتهم واحدًا تلو الآخر بأمراض عديدة.

يوضح ذلك تحقيق أعدَّته بيل ترو، مراسلة صحيفة «الإندبندنت» في الشرق الأوسط، ونشرته الصحيفة البريطانية. وفي مطلع تحقيقها تشير المراسلة إلى أنه في الأيام السيئة، عندما تزأر المداخن بشدة لدرجة أن النوافذ تهتز، تقول العائلات إن السخام الكثيف يظهر في الهواء، مما يؤدي إلى قتل النباتات ويغطي الغبار كل شيء. وفيما يخص سكان نهران عمر، وهي بلدة في جنوب العراق تقع بجوار عدة آبار نفطية، يتمثل واقعهم اليومي في ألسنة لهب متصاعدة من الأبراج، والتي تنثر موادًا كيميائية سامة في الهواء.

يقول الخبراء إن عملية حرق الغاز الزائد المُنتَج أثناء استخراج النفط، تسهم في أزمة المناخ، وتشكل أيضًا تهديدًا مميتًا لأولئك الذين يعيشون في مناطق مجاورة، حيث تسبِّب الملوثات الناجمة عن عملية الحرق تلك في الإصابة بأمراض الربو، والرئة، والجلد، والسرطان.

مجتمع

منذ شهرين
مترجم: مسرح المعارك الدامية بين العراق وإيران.. ماذا نعرف عن أهوار العراق؟ 

ولفت التحقيق إلى أن العراق واحد من أكبر الدول التي تحرق الغاز في العالم، وتُعد البصرة – المحافظة التي تضم نهران عمر – المنطقة الأكثر تضررًا في البلاد. وتحدثت «الإندبندنت» إلى السكان الذين حذروا من أن هذا العمل يقتل الأطفال وكبار السن والضعفاء والأقوياء على حد سواء. وعلى الرغم من صعوبة إثبات وجود صلة مباشرة بين أمراض معينة وحرق الغاز، ارتفعت معدلات الإصابة بالسرطان خلال العقد الماضي بنسبة 50%، وفقًا لرئيس بلدية المدينة، الذي قال إن هناك ما يصل إلى 150 حالة في مجتمع لا يتجاوز عدد سكانه 1600 شخص.

يقول محمد حسن الذي يعاني ابنه البالغ 14 عامًا من سرطان نخاع العظام لصحيفة «الإندبندنت»: «عندما ذهبت إلى الطبيب رفقة ابني، سألني أين أعيش. فقلت له، في «نهران عمر»، فقال: «لستَ بحاجة إلى قول المزيد. هذا بسبب تلوث الهواء». ويضيف: «نظام مناعة ابني قد تعرَّض بالفعل للخطر بسبب علاجه، وهو أمر مؤلم للغاية لدرجة أنه توسَّل إليَّ أن أتركه يموت».

يقول رئيس البلدية بشير الجعبري، إن معظم البلدة تعاني من مرض ما، وإن أخته مصابة بالسرطان.  ويضيف: «إنه تلوث الهواء والماء والأرض. ولا يمكننا حتى زراعة النباتات». وفي جميع أنحاء البلاد، تنطلق المشاعل، لتضخ غازات الاحتباس الحراري مثل غاز الميثان، وكذلك ملوثات الهواء المحلية، مثل أكسيد النيتروز وثاني أكسيد الكبريت والسخام، والتي تسبب جميعها مشكلات صحية لا حصر لها.

الغاز المحترق.. أكبر أزمات العراق

يضيف التحقيق أن العراق يحرق ما يزيد قليلًا على 17 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا، وفقًا لأحدث بيانات البنك الدولي – ويأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا. وتعادل انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون الناتجة ما يقل قليلًا عن 10% من إجمالي الناتج العالمي. وعلى الرغم من أن البلاد عانت من ويلات الحرب منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، يصنف جاسم عبد العزيز حمادي، نائب وزير البيئة والصحة، تلوث الهواء بوصفه واحدًا من أكبر الأزمات التي يواجهها العراق. ويقول استنادًا إلى دراسة إن عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم بسبب تلوث الهواء يفوق عدد الوفيات منذ غزو أمريكا للعراق عام 2003.

Embed from Getty Images

ويرى علي الصفار، من وكالة الطاقة الدولية، أن هذا الغاز يجب أن يلعب دورًا رئيسًا في تلبية احتياجات الكهرباء في العراق، خاصةً أنه أحد البلدان الأكثر عرضة لتأثير تغير المناخ. ويضيف: «متوسط ​​درجة حرارة العراق يرتفع بمقدار ضعفين إلى سبعة أضعاف المتوسط ​​العالمي… إنه سيؤدي إلى زيادة الجفاف وندرة المياه». والبصرة وحدها تحرق غازًا أكثر من السعودية والصين والهند وكندا مجتمعة، وفقًا لما قاله ويم زويجنبرج، الباحث في المنظمة باكس (Pax) الهولندية والمشارك في مجموعة الاستقصاء بيلنجكات. كما تضم المنطقة حقل الرميلة؛ ثالث أكبر حقل نفط في العالم.

وأصدرت بيلنجكات، بالتعاون مع أولي بالينجر، طالب دكتوراة في جامعة أكسفورد، تقريرًا هذا الأسبوع يصوِّر تلوث النفط والهواء في العراق باستخدام صور الأقمار الصناعية وبيانات مفتوحة المصدر. ويقول زويجنبرج إن الجمع بين حرق الغاز والتلوث الآخر المتعلق بصناعة النفط، مثل التخلص من النفط الخام والممارسات السيئة في المصافي غير الرسمية، يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة، وظواهر الطقس المتطرفة، والتدهور البيئي الأوسع. ويقول: «هذا سيجعل مناطق مثل البصرة غير صالحة للعيش في السنوات العشرة القادمة».

لا نستطيع التنفس

وأفاد التحقيق أن التلوث لا يقتصر على قلب العراق النفطي في الجنوب. وقد احتلت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المنطقة بأكملها لعدة سنوات، وأضرم مقاتلوها النار في حقل النفط الرئيس أثناء انسحابهم وظلت النيران مشتعلة لمدة ثمانية أشهر. وأكبر زيادة في منشآت حرق الغاز الجديدة تقع في شمال العراق. وتُظهِر صور الأقمار الصناعية ستة مواقع على الأقل في جميع أنحاء حقل النفط بالقرب من القيارة، التي تقع على الضفة الغربية لنهر دجلة. وتنبعث رائحة سامة من الهواء، وفقًا لغزوان مصطفى، المهندس في منشأة النفط المحلية، التي تسبِّب المرض لعديد من العمال. وهو نفسه أحد الناجين من مرض السرطان.

البيئة

منذ 4 شهور
«نيويورك تايمز»: مفاجأة في أفريقيا.. كيف انخفض تلوث الهواء رغم النمو الاقتصادي؟

وقال للصحيفة: «بالأمس لم يكن من الممكن الوقوف هناك بسبب انبعاثات الغاز، ووجدنا طيورًا نافقة. وقمنا بعديدٍ من الاحتجاجات وطلبنا المساعدة من الحكومة. ونشرنا على «فيسبوك» و«تويتر» ولكن لا أحد يسمع شكوانا». وفي مستشفى القيارة يقول عدنان عبد الرازق، عضو إدارة المستشفى، إن الشكاوى الأكثر شيوعًا هنا هي مشكلات الجهاز التنفسي والصدر. ويقول إن إمدادات المياه قد تأثرت بالسخام، وأحيانًا تنزل المياه سوداء من الصنابير. ويقول عمال مصافي بغداد إنهم يخشون أن تكون حياتهم في خطر من التلوث.

العراقيون يموتون

ونوَّه التحقيق إلى مفارقة مهمة تتمثل في أن الناس يعانون من احتراق الغاز بينما لا يزال العراق يستورد الغاز من الخارج لتشغيل محطاته الكهربائية. وفي عام 2009، قدَّرت شركة «شل» أن الغاز المُهْدَر يمكن أن يُنتِج ما يقرب من 70% من إنتاج العراق اليومي من الطاقة. ووعدت السلطات العراقية في الأصل بوقف جميع عمليات الحرق بحلول عام 2022، متطلعة إلى الاستفادة منها بوصفها مصدرًا للطاقة. لكن مسؤولي وزارة البيئة في البصرة يعترفون بأن الموعد النهائي جرى تأجيله حتى عام 2025.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، هناك علامات على التقدم. يقول علي حنون، من وزارة الصحة والبيئة في البصرة، لصحيفة «الإندبندنت» إن مكتبه يعمل مع شركات النفط في نهران عمر من أجل إلزامهم باستخدام مرشحات فعَّالة، وزيادة ارتفاع أبراج حرق الغاز، وكذلك معالجة أفضل لبحيرات النفط القريبة من المنطقة. وفي عام 2018، افتتحت السلطات مصنعًا جديدًا يستعيد حوالي 10 مليارات متر مكعب سنويًّا من الغاز المصاحب من أربعة من أصل 15 حقلًا نفطيًّا في البصرة.

مصانع جديدة لوقف الحرق

يقول عاصم جهاد، المتحدث باسم وزارة النفط، إنهم يتفاوضون بشأن عديد من المصانع الأخرى مع شركات الطاقة الصينية والأمريكية. ومن بين أكبرها منشأة جرى تطويرها بالتعاون مع شركة «توتال» الفرنسية، والتي يمكن أن تستعيد ما بين 3 إلى 6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًّا من حقل أرطاوي النفطي. ويدَّعي جهاد أن حرق الغاز ليس المتهم الوحيد؛ إذ إن «هناك عوامل أخرى، مثل تأثير الحروب على العراق منذ 1980 والأسلحة الكيماوية واليورانيوم التي جرى استخدامها».

وفي بغداد، يعترف جاسم عبد العزيز حمادي، نائب وزير البيئة والصحة، بأنها كانت معركة شاقة: «بصراحة، لم يكن هناك تعاون مع وزارة النفط في البداية – ولكننا واصلنا الإلحاح». ويرأس حمادي لجنة وطنية مع المنظمات غير الحكومية والجامعات التي تتابع العلاقة بين التلوث البيئي والصحة العامة، لا سيما إذا كانت هناك صلة بزيادة حالات الإصابة بالسرطان والأطفال المولودين بتشوهات خلقية.

وقال لصحيفة «الإندبندنت»: «نحن نتعامل مع الأمن المائي، والأمن الغذائي، وتدهور الأراضي، والتصحر، وزيادة حالات العواصف الرملية، على سبيل المثال لا الحصر».

السعي لمغادرة البلاد

واختتمت المراسلة تحقيقها بإطلالة على ما يجري في بلدة نهران عمر، حيث تسيطر فكرة مغادرة البلاد على المحادثات بين الشباب اليائسين. يقول محمد (18 عامًا)، إن جده وصديقه المقرب (21 عامًا)، توفيا بسبب السرطان، وعمه في المستشفى مصاب بالمرض، وقال: «الجميع قلقون على صحتهم. أشعر بالخوف، والجميع خائفون. والجميع يحاول المغادرة من هنا ومغادرة العراق والسفر إلى الخارج».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد