قد تؤدي مساعي الحكومة المُحافِظة في بولندا لحظر عمليات الإجهاض إلى نتائج عكسية.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لآنا جرزيمالا بوس، أستاذة الدراسات الدولية في جامعة ستانفورد الأمريكية، سلَّطت فيه الضوء على الاحتجاجات التي عمَّت بولندا مؤخرًا بسبب فرض الحكومة البولندية قانونًا يحظر عمليات الإجهاض على نحو شبه كامل، مشيرةً إلى أن الكنيسة الكاثوليكية حازت على قدر وافر من الإدانة والتوبيخ الذي قد يُفضي إلى تلاشي سلطتها الأخلاقية في البلاد. 

وفي مستهل تقريرها أشارت الكاتبة إلى الاحتجاجات الواسعة النطاق التي اجتاحت شوارع بولندا منذ يوم الخميس، بعدما فرضت الحكومة قيودًا أكثر صرامة على الإجهاض. وكان مئات الآلاف من الشعب البولندي قد خرجوا إلى الشوارع، ونظَّموا تظاهرات أدَّت إلى عرقلة حركة المرور، إلى جانب تنظيم الاعتصامات داخل الكنائس وتجمع الحشود أمام منازل كبار رجال الدين، ودعا المتظاهرون الشعب البولندي إلى تنظيم إضراب على مستوى البلاد يوم الأربعاء.

تقول الكاتبة: دعوني أوضح لكم السبب وراء إثارة موجة الاحتجاجات في بولندا. لقد قضت حكومة بولندا الشعبوية المُحافِظة المُنبثِقة عن حزب القانون والعدالة بأن إجراء عمليات الإجهاض بسبب وجود تشوُّهات في الجنين أمر غير قانوني (بموجب الدستور). وتمثل هذه الحالات ما يقدر بنحو 98٪ من عمليات الإجهاض التي كانت مُقنَّنة في البلاد (قبل صدور هذا الحكم).

قيود صارمة على عمليات الإجهاض في بولندا

وأوضحت الكاتبة أن القانون المُقيِّد للإجهاض في بولندا سمح، منذ عام 1993، بإجراء عمليات الإجهاض في ثلاث حالات: الحَمْل الناجم عن الاغتصاب، أو نكاح المحارم، أو الذي ينطوي على تشوُّهات خطيرة في الجنين أو حالات الحَمْل التي تكون حياة الأم فيها عرضة للخطر. ونتيجةً لذلك انخفضت عمليات الإجهاض في بولندا من 100 ألف إلى حوالي ألف عملية إجهاض في العام الواحد. (سجَّلت عمليات الإجهاض في البلاد أقل معدل لها على الإطلاق في عام 2001، إذ أُجرِيت 124 عملية إجهاض قانونية فحسب).

Embed from Getty Images

وأبرزت الكاتبة أن المبرر لإجراء عملية الإجهاض في 98٪ من هذه العمليات كان وجود تشوُّهات خطيرة في الجنين تتنافى مع إمكانية استمرار حياته. ولا تمثل معظم الاضطرابات الوراثية، مثل متلازمة داون أو غيرها من حالات التثلث الكرموسومي، مبررًا وجيهًا لإجراء عملية الإجهاض، ومن النادر اعتبار ما يهدد حياة الأم أو صحتها مبررًا كذلك. 

وبالنظر إلى مسألة نفور الأطباء من إجراء عمليات الإجهاض أو السماح بها، نادرًا ما تُقدِم النساء البولنديات على إنهاء حملهن، حتى في حال اكتشاف وجود تشوهات خطيرة في الجنين أثناء الحمل. وفي إحدى الحالات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، رفض مدير المستشفى الموافقة على إجراء عملية الإجهاض، على الرغم من أن أطباءً آخرين قرروا أن التشوُّهات الدماغية الحادة لدى الجنين تعني أنه ليس لديه فرصة للبقاء على قيد الحياة.

ولفتت الكاتبة إلى أن المنتقدين يدَّعون أن خطوة حزب القانون والعدالة الحاكم الأخيرة ألغت عمليًّا الإجهاض القانوني في بولندا. وقد أقدمت الحكومة على ذلك دون طرح مشروع قانون أمام البرلمان أو إجراء حوار عام أو مشاورات عامة مع الشعب البولندي، بل أصدرت المحكمة الدستورية العليا المكتظة منذ عام 2017 بالموالين لحزب القانون والعدالة بدلًا عن ذلك قرارًا يقضي بأن فقرة التشوُّهات الجنينية الواردة في قانون الإجهاض غير دستورية.

مراوغة الحكومة البولندية لتفادي الهجوم عليها

ونوَّهت الكاتبة إلى أن أحد الأسباب التي دَعَت حكومة حزب القانون والعدالة لتمرير هذا القانون عبر القضاء هو أن معظم البولنديين يُؤيدون فقرة التشوُّهات الجنينية في قانون الإجهاض، حتى لو كانت عمليات الإجهاض نفسها محل خلاف. وهذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها الحكومة البولندية لإلغاء ما تسميه الإجهاض «لتحسين النسل»، إذ أفضت محاولات مماثلة من الحكومة لفرض قيود على عمليات الإجهاض في أبريل (نيسان) 2016 إلى خروج مئات الآلاف من النساء تحت المطر في مظاهرات سميت بـ«المسيرات السوداء»؛ لأنهن كُنَّ يرتدين ملابس سوداء احتجاجًا على مقترحات الحكومة، وفي عام 2016 تراجعت الحكومة عن قراراتها.

مجتمع

منذ سنتين
عمليات «بير السلم».. كيف تتعامل المرأة العربية إذا أرادت الإجهاض لحماية نفسها؟

وفي عام 2020 سعى حزب القانون والعدالة الحاكم إلى التخفيف من رد الفعل السياسي المحتوم عن طريق إعلان المحكمة الدستورية أن فقرة التشوهات الجنينية في قانون الإجهاض غير دستورية. كما رَغِب حزب القانون والعدالة في طمأنة أنصاره الدينيين المحافظين الذين يَعدُّون أهم مؤهلاته السياسية للوصول إلى السلطة إصداره حكمًا سعت إلى إقراره الكنيسة الكاثوليكية في بولندا منذ مدة طويلة. (في الشهر الماضي أقرَّ البرلمان البولندي قانونًا لحماية الحيوانات، وهي خطوة لم تحظَ بالقبول بين ناخبي حزب القانون والعدالة في المناطق الريفية؛ لأنه يمنع صناعة إنتاج الفراء المربحة).

المتظاهرون يُهاجمون الكنيسة الكاثوليكية

وألمحت الكاتبة إلى أن حكم إلغاء عمليات الإجهاض أثار ردود فعل غاضبة وسريعة من آلاف المتظاهرين، والذين كان معظمهم من النساء الشابات، وحظيت الاحتجاجات هذه المرة بالدعم من شريحة واسعة من المجتمع البولندي، من بينهم مشجعي كرة القدم المشاغبين، والنقابات المحلية، وسائقي الترام والحافلات، ومئات من سائقي سيارات الأجرة الذين أغلقوا شوارع وارسو حتى تمر منها حشود المحتجين، وانضمت إلى الاحتجاجات مدن كبرى وبلدات صغرى، ومن بينهما المعاقل الانتخابية لحزب القانون والعدالة.

وترى الكاتبة أن الاحتجاجات التي تجتاح بولندا في هذه الأثناء أكثر حدة وحماسة مما كانت عليه في الماضي: إذ اتَّخذ المتظاهرون صورة البرق الأحمر رمزًا للاحتجاجات باعتباره مركز التنسيق بينهم، ورددوا هتاف «هذه هي الحرب». وحمل المحتجون لافتات عليها شعارات غاضبة ومتمردة ومليئة بالكلمات البذيئة. وكما هو متوقع بحسب التقرير انتقد ممثلو الحكومة البولندية لهجة المتظاهرين بوصفها مبتذلة وبدائية.

Embed from Getty Images

ولأول مرة على الإطلاق اتجهت الاحتجاجات إلى الكنائس، وهي خطوة ذات دلالة رمزية في دولة ذات أغلبية كاثوليكية تتمتع فيها الكنيسة الكاثوليكية بسلطة أخلاقية هائلة منذ عقود. 

وعدَّدت الكاتبة المشاهد التي تعرضت فيها الكنيسة ورجالها للاحتجاجات، إذ واجه رجال الكنيسة يوم الأحد المتظاهرين في الاحتجاجات الذين كانوا يرتدون زي الخادمات، في إشارة إلى رواية الكاتبة مارجريت أتوود (حكاية الجارية) التي تتناول قمع النساء، وجلس متظاهرون آخرون بهدوء في ممرات الكنيسة حاملين لافتات كتب عليها «دعونا نصلِّ من أجل الحق في الإجهاض».

كما أحاط المتظاهرون الشباب بالقساوسة خارج الكنائس، وعابوا على رجال الدين بصوت مرتفع في البلدات الصغيرة، التي تُمثل معقلًا تقليديًّا للكاثوليكية المُحافِظة في بولندا. وبدأ المتظاهرون في مواجهة الأساقفة ورؤساء الأساقفة أمام منازلهم الفخمة. فيما أحاط رجال الأمن بمنزل رئيس حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي في وارسو لمنع المتظاهرين من الوصول إليه.

سلطة الكنيسة الأخلاقية تتلاشى

وترجِّح الكاتبة أن تتراجع الحكومة عن قرارها بشأن الإجهاض في مواجهة هذه الاحتجاجات العارمة، إذ دعا الرئيس البولندي أندريه دودا، في حجره الصحي بعد أن ثبتت إصابته بفيروس كورونا المستجد، وبعض من ممثلي حزب القانون والعدالة إلى تحري مزيد من الدقة في الحكم القانوني الصادر بشأن الإجهاض، حتى مع انتقادهم للاحتجاجات بأنها عدوانية، وتنشر الكراهية في المجتمع، كما أعلن الحزب الحاكم أنه بصدد الاجتماع لمناقشة الوضع.

ومع ذلك يُوحي اتساع نطاق الاحتجاجات وكثافة حشودها بأن أفراد الشعب البولندي ينظرون إلى حزب القانون والعدالة والكنيسة على أنهم مذنبون ويستحقون اللوم. وربما تقف سلطة الكنيسة الأخلاقية في بولندا الآن عند نقطة تحوُّل مفصلية. وقد فقدت الكنيسة الكاثوليكية في دول أخرى ذات كثافة كاثوليكية، مثل أيرلندا، سلطتها الأخلاقية الهائلة حينما فقد المجتمع ثقته في نوايا الكنيسة الحسنة.

Embed from Getty Images

وضربت الكاتبة مثالًا جرى في تسعينات القرن الماضي، عندما تحولت الكنيسة الأيرلندية من كنيسة ذات سلطة مطلقة إلى كنيسة غير ذات صلة بالسياسة بعد اكتشاف أن أسقفًا بارزًا كان يستخدم أموال الكنيسة في الإنفاق على حبيبته، إلى جانب تستر الكنيسة على حالات الاعتداء الجنسي المنتشرة. ولم تتمكن الكنيسة من إيقاف الاستفتاء الأيرلندي لعام 2015 الذي سمح بزواج المثليين أو استفتاء عام 2018 الذي سمَح بالإجهاض.

وفي ختام تقريرها ذكرت الكاتبة أن البحث الذي أجرته الكنيسة في بولندا يُظهر أن المعتقدات الدينية قد تراجعت على مدار العقدين الماضيين في البلاد، ولم تكن تدخلات الكنيسة في شؤون السياسة في البلاد أمرًا مقبولًا، في ظل تعرضها للإدانة الصريحة من معظم الشعب البولندي. وربما يكون رد الفعل العنيف ضد حكم إلغاء الإجهاض في بولندا بمثابة الخطوة القادمة لفقدان الكنيسة حظْوَتها وسلطتها الأخلاقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد