«غياب المطالب الدينية عن حراك المتظاهرين في الجزائر والسودان والعراق»، ناهيك عن «ردود الأفعال الخافتة على وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي»؛ هي في رأي البروفيسور هليل فريش علامة على «تراجع الإسلام السياسي بعد هزيمة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» منذ ثلاث سنوات»، وذلك بحسب ورقة نشرها أستاذ الدراسات السياسية والشرق الأوسط في الجامعة العبرية على موقع مركز «بيجن – السادات» للدراسات الإسرائيلية.

«فورين بوليسي»: ترامب للمحتجين العرب: «أقف مع حكامكم وليس معكم»

في مصر.. الاحتجاجات تنفصل عن الإسلام السياسي

وكتب فريش في مستهال مقاله: «لا توجد هناك الكثير من الصور الحية التي نقلت مشهدًا أكثر مأساوية من تعرض الرئيس المصري السابق محمد مرسي –  أول رئيس دولة ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين على الإطلاق – لنوبة إغماء قبل وفاته داخل قفص زجاجي شفاف يوم 17 يونيو (حزيران) 2019 أثناء إجراءات محاكمته التي لا تنتهي أبدًا في القاهرة».

وتابع: «لم يشكك أي شخص – خارج المؤسسة الرسمية المصرية – في الظروف القاسية التي تعرض لها مرسي أثناء فترة سجنه منذ اليوم الذي حاصرت فيه القوات الخاصة منزله الرئاسي واعتقلته في يوليو (تموز) 2013؛ مما مهد الطريق لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي ليتولى الرئاسة بدلًا عنه».

وعلى الرغم من كل المأساة الإنسانية التي صاحبت مقتل مرسي، فإنها بالكاد أثارت همسًا بين الجمهور المصري. كما أثارت احتجاجات قادة الإخوان المسلمين التعساء في المنفى، ودفعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إلقاء خطبة تقريعيَّة متوقعة، إلى جانب بعض الانتقادات غير الفعالة من قناة الجزيرة القطرية، التي تشاطر أردوغان معاداة السيسي والتعاطف مع الإخوان المسلمين، على حد قول فريش.

وتابع قائلا: عندما خرج المصريون إلى الشوارع بعد ثلاثة أشهر من وفاة مرسي، لم تكن لهتافاتهم – «يسقط نظام السيسي الاستبدادي» – أي ارتباط بمرسي أو جماعة الإخوان المسلمين أو الأيديولوجية الإسلامية.

يمكن قول الشيء ذاته عن الاحتجاجات المستمرة لأشهر في الجزائر والسودان، والتي وُصفت بأنها إرهاصات «ربيع عربي» جديد، ويجمعها قاسم مشترك هو: الغياب الواضح للإسلام السياسي في رسائل المحتجين.

في الجزائر.. غياب قضايا «الدين والدولة» عن خطاب المحتجين

وأشار فريش إلى أن القضية في الجزائر (ثاني أكبر دولة ناطقة بالعربية من حيث عدد السكان) تتمحور حول مفاوضات لتحقيق انتقال ديمقراطي كامل بعد 67 سنة من حكم الحزب الواحد الذي يسيطر عليه الجيش منذ استقلال البلاد. وأسفرت الاحتجاجات عن إقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (الذي استمرت ولايته إلى نحو 20 عامًا) في أبريل (نيسان) 2019.

يتناول المحتجون مجموعة متنوعة من القضايا المُوَحِّدَة – العدالة الاجتماعية، ومحنة التهميش، وبطالة الشباب – وبعض القضايا لأخرى التي تثير خلافًا كبيرًا، مثل: وضع البربر – السكان الأصليين – وحالة اللغات الأمازيغية. ومن الملحوظ غياب قضايا المسجد والدولة (العلاقة بين الدين والحكم) عن هذا النقاش؛ وهي قضايا تمثل العمود الفقري للإسلام السياسي.

وأضاف فريش: «بالنسبة لأي شخص مطّلع على التاريخ الجزائري الحديث، فإن هذا التغيير مثير للدهشة. فمنذ جيل واحد فقط، خلال حقبة التسعينات، عانت البلاد من الحرب الداخلية بين «الدولة العميقة» الجزائرية – جبهة التحرير الوطني والجيش الذي دعمته – والأحزاب والجماعات والميليشيات الإسلامية. وتشير التقديرات إلى مقتل ما بين 50 ألف إلى 100 ألف شخص نتيجة أعمال إرهابية مكثفة ومذابح جماعية، حيث اتهم الجانبان البلدات والقرى بالخيانة ودمروها انتقامًا. وفي نهاية المطاف، أصبح للدولة اليد العليا بعد أن تخلى أكبر فصيل إسلامي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) عن القتال مقابل العفو».

في السودان.. مرحلة ذبول الإسلام السياسي

الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو ذبول الإسلام السياسي في السودان. فكما هو الحال في الجزائر، تمكن المتظاهرون السودانيون من عزل رئيسهم الجنرال عمر البشير، بعد 30 عامًا في السلطة. لكن على عكس الجزائر التي لم يكن نظامها إسلاميًا أبدًا، فإن البشير – مع صعوده إلى السلطة – بنى مصالح مشتركة مع الجبهة الوطنية الإسلامية وفَرَض الشريعة على البلاد. هذه الخطوة غذت العديد من حركات التمرد التي أحاطت بالدولة الضخمة، والتي بلغت ذروتها في انفصال أحدث دولة في أفريقيا، هي: جمهورية جنوب السودان.

وألمح فريش إلى أن أحدث موجة من الاحتجاجات الجماهيرية في السودان نظمتها بشكل أساسي هيئة مهنية، هي تجمع المهنيين السودانيين. وكان مندوبو التجمع، وليس قادة الأحزاب الإسلامية المخضرمون هم الذين يتفاوضون مع الجيش الذي يرأسه قائد قوة الانتشار السريع المسؤولة عن قمع المحتجين بوحشية.

وتابع فريش: «الخوف هو أن الجيش في كل من الجزائر والسودان يستخدم المفاوضات لكسب الوقت حتى تخفت جذوة الحركة الجماهيرية التي تدعم المفاوضين، وعندها سيقوم الجيش بسجن المفاوضين أو نفيهم».

في العراق.. الأمر لم يعد يتعلق بالعداء السني – الشيعي

حتى في العراق – حيث سيطر الصراع الديني بين الشيعة والسنة على السياسة، وأذكى موجات عنف هائلة بعد إطاحة صدام حسين – يشهد المرء تراجعًا في الأهمية السياسية للدين. ويستشهد الكاتب بالاحتجاجات التي اندلعت على مدار العامين الماضيين في جنوب العراق (وهي منطقة يسكنها الشيعة حصرًا) ضد الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة. ومرة أخرى، تركز القضايا المثارة على: عمالة الشباب، وعدم كفاية الخدمات العامة، واستنزاف هائل للموارد العامة بسبب الفساد واسع النطاق. ولم تُذكر كلمة واحدة تخص الدين والدولة أو العلاقات السنية – الشيعية.

احتجاجات العراق

عندما يشير هؤلاء المتظاهرون الشيعة بأصابع الاتهام، لم تعد إشارتهم موجهة إلى السنة في الشمال، بل تجاه التدخل الإيراني في الشؤون العراقية والتكاليف الاقتصادية لذاك التدخل، بحسب فريش. ولم يكن هذا الوضع الراهن مُتصورًا قبل خمس سنوات فقط، عندما هدد (داعش) – الذي يهيمن عليه السنة – بغداد ذات الغالبية الشيعية.

الإسلام السياسي يتراجع.. لكنه لا يحتضر

ويكمل فريش: تعكس الانتخابات الأخيرة في تونس تراجع الإسلام السياسي (وإن كان بطريقة أقل دراماتيكية)؛ ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بعد وفاة الرئيس البالغ من العمر 92 عامًا، جاء المرشح الذي دعمه حزب النهضة، وهو حزب إسلامي إصلاحي، في المرتبة الثالثة؛ ما جعله غير مؤهل لخوض الجولة الثانية.

وعلى الرغم من أن قوة الإسلام السياسي ربما تكون قد تراجعت، يشدد فريش على أنه لا يمكن اعتباره يحتضر؛ مستشهدًا بدولتين قويتين في المنطقة، هما: إيران وتركيا، لا يزال يقودهما ما وصفه بـ«أصوليين متشددين».

واستدرك فريش في ختام تحليله قائلًا: «يعتمد مستقبل الإسلام السياسي على مدى تحقيق المتظاهرين لأهدافهم من خلال التنظيم الفعال وإثبات قدرتهم على إقناع الجيوش المترددة بالتخلي عن سلطتها؛ إذ قد يؤدي الفشل في تحقيق هذه النتائج إلى إحياء إسلام سياسي أكثر تشددًا».

«واشنطن بوست»: احتجاجات العراق ولبنان نجحت فيما عجز عنه ترامب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد