الواقعية السياسية هي نظرية في الفلسفة السياسية تحاول تفسير العلاقات السياسية وصياغتها وتقديم اقتراحات لها. تفترض أن السلطة هي (أو ينبغي أن تكون) الغاية الأساسية للفعل السياسي، سواء كان في النطاق المحلي أو الدولي. في النطاق المحلي، تؤكد النظرية أن السياسيين يجتهدون، أو عليهم أن يجتهدوا، لزيادة سلطاتهم. أما على الساحة الدولية، فيُنظر إلى الدول القومية باعتبارها الوكلاء الأساسيين الذين يزيدون، أو عليهم زيادة، سلطاتهم. ومن ثَم يمكن فحص النظرية إما باعتبارها اقتراحًا لما ينبغي أن تكون عليه الأمور؛ أي أنه على الأمم والسياسيين السعي وراء السلطة أو مصالحهم الخاصة، أو باعتبارها وصفًا للوضع المهيمن على الأمور؛ وهو أن الأمم والسياسيين يسعون فقط (وربما لا يمكنهم سوى السعي) وراء السلطة أو المصلحة الذاتية.

تتلخص الواقعية السياسية في جوهرها في المبدأ السياسي الأخلاقي القائل بأن ‹‹من يملك القوة يملك الحق››. تعود النظرية لتاريخٍ بعيد؛ إذ ظهرت في كتاب تاريخ الحرب البلوبونيزية لثيوكيديدس، وتوسعت في كتاب الأمير لمكيافيلي، وتبعه آخرون مثل توماس هوبز وسبينوزا وجان جاك روسو، (كما أصبغ عليها شكسبير صبغة درامية رائعة في مسرحية ريتشارد الثالث). خضعت في أواخر القرن التاسع عشر لولادةٍ جديدةٍ في هيئة الداروينية الاجتماعية، التي فسَّر أتباعها النمو الاجتماعي، والسياسي بالتبعية، من حيث إنه صراع يكون فيه البقاء للكيانات السياسية والثقافات الأصلح (الأقوى). تفترض الواقعية السياسية أن المصالح تحميها ممارسة السلطة، وأن العالم يتسم بقواعد السلطة المتنافسة. في السياسة الدولية يؤكد معظم المنظرين السياسيين على أن الدول القومية هي الوكيل المتصل بالسلطة، بينما يركز الماركسيون على الطبقات. قبل الثورة الفرنسية، التي دخلت فيها القومية باعتبارها مذهبًا سياسيًّا الساحة السياسية بحق، كانت الواقعية السياسية تشمل الصلاحيات السياسية للأسر الحاكمة، بينما في القرن التاسع عشر كانت العاطفة القومية تركز اهتمام الواقعيين على تنمية الدولة القومية؛ وهي السياسة التي امتدت فيما بعد لتشمل الطموحات الاستعمارية من جانب القوى الغربية العظمى بريطانيا وفرنسا، وحتى بلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة تأثروا بالاستعمار. امتدت الواقعية السياسية القومية لاحقًا إلى النظريات الجيوسياسية التي تدرك العالم باعتباره مُقسَّمًا إلى ثقافات فوق قومية، مثل الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والعالم القديم والعالم الجديد، أو مُركِّزًا على الطموحات القارية القومية الشاملة لأفريقيا وآسيا… إلخ. بينما قد يزعم فرع الداروينية الاجتماعية من الواقعية السياسية أن بعض الأمم قد نشأت لتحكم الآخرين (لكونها ‹‹أصلح›› لهذا الغرض، ويتردد صدى تأملات أرسطو عن العبودية في الكتاب الأول من السياسة)، يركز الواقعيون السياسيون عادةً على الحاجة إلى (أو أخلاقية) ضمان أن الوكيل المتصل بالسلطة (سواء كان السياسي أو الأمة أو الثقافة) عليه أن يضمن بقاءها من خلال تأمين احتياجاتها ومصالحها قبل النظر إلى احتياجات الآخرين.

لكي نستكشف ظلال النظرية المختلفة ودلالاتها، علينا فحص تطبيقها على الشئون الدولية.

ترى الواقعية السياسية الوصفية عادةً أن المجتمع الدولي يتسم بالأناركية، بما أنه ليست هناك حكومة عالمية مسيطرة تفرض تشريعًا سائدًا من القواعد. وبينما لا تكون هذه الأناركية بالضرورة فوضوية، فربما تشترك العديد من الدول الأعضاء في المجتمع الدولي في معاهداتٍ أو في أنماط تجارية تولِّد نظامًا لها، إلا أن معظم المنظرين يستنتجون أن ذلك القانون أو المبادئ الأخلاقية لا تنطبق على ما وراء حدود الأمة. تدعم الواقعية السياسية كما يُزعَم رؤية هوبز للحالة الطبيعية، أي أن العلاقات بين الكيانات السياسية النفعية هي بالضرورة لاأخلاقية. يؤكد هوبز أنه لا يمكن أن توجد عدالة أو مبادئ أخلاقية، دون وجود حكومة رئيسة لتشرِّع قواعد السلوك، إذ يقول هوبز في كتابه (الليفياثان، الجزء الأول، الفصل 13 ‹‹عن الإنسان››، والجزء الثاني، الفصل 17 ‹‹عن الكومنولث››): ‹‹حيثما لا توجد سلطة مشتركة، لا يوجد قانون؛ وحيثما لا يوجد قانون، لا توجد عدالة. إذا لم تؤسَّس سلطة، أو لم توجد سلطة عظيمة كافية لتحقيق الأمان لنا؛ فيكون من المشروع لكل شخص الاعتماد على قوته ومهارته الخاصة لاتخاذ الحذر من الآخرين جميعًا››. وعليه، فبدون مجلس أو سلطة دولية عليا، فإن الدول التي تنظر لبعضها البعض بعين الخوف والعداء والصراع، أو التهديد بهم، مرضٌ متفشي في النظام.

هناك افتراض آخر يقول بأن الأمة لا يسعها إلا أن تقدِّم مصالحها على مصالح الأمم الأخرى؛ ويدل ذلك على أن البيئة الدولية مضطربة بطبيعة الأمر. فأي ما كان النظام القائم سينهار عندما تتنافس الأمم على الموارد ذاتها على سبيل المثال، وربما يتبع ذلك حرب. فلن يكون لدى الأمة في مثل تلك البيئة كما يقول الواقعيون سوى نفسها لتعتمد عليها.

إما تكون الواقعية السياسية الوصفية صحيحة أو خاطئة. إذا كانت صحيحة، لا يترتب على ذلك أنه ينبغي تطبيق المبادئ الأخلاقية على الشئون الدولية؛ فلا يترتب دائمًا ما ينبغي أن يكون على ما هو كائن. يؤكد أحد الأشكال القوية للواقعية السياسية الوصفية أن الأمم نفعية بالضرورة، وأنه لا يمكنها صياغة السياسة الخارجية سوى في إطار ما يمكن أن تجنيه، وأنها بطبيعتها لا يمكنها تنحية مصالحها الخاصة جانبًا. ولكن عند تبنِّي الواقعية الوصفية، تكون كنظريةٍ مُحكَمة، مما يعني أن بوسعها دحض كل الأدلة المضادة للواقع بشروطها الخاصة (فدليل أمة تقدم دعمًا لدولة جوار كفعلٍ إيثاري ظاهري على سبيل المثال يمكن دحضه بالإشارة إلى بعض الدوافع النفعية التي من المحتمل أن تكون لدى الأمة المانحة؛ فقد تزداد تجارتها، أو قد تكسب حليفًا هامًا، أو قد تشعر بالذنب إن لم تفعل ذلك، وهكذا)، ومن ثم سيثبت عدم جدوى أي محاولة لإدخال المبادئ الأخلاقية إلى الشئون الدولية. يعتمد فحص سلامة الواقعية السياسية الوصفية على احتمالية معرفة الدوافع السياسية، مما يعني بدوره معرفة دوافع مسئولي الدولة المختلفين ودبلوماسييها. العلاقة المعقدة بين أفعال المسئولين ودوافعهم وخدعهم وبين السياسة الخارجية الفعلية، تجعل هذه المهمة صعبةً، إن لم تكن مستحيلة، ويجعلها مهمة موكلة إلى المؤرخين وليس الفلاسفة. تستلزم الطبيعة المُحكَمة للواقعية الوصفية من الناحية المنطقية صحة الافتراض المناقض لها بأن الأمم لا تخدم أي مصالح على الإطلاق، أو أن بوسعها خدمة مصالح الآخرين فقط، بنفس القدر. تفيد الصحة المنطقية للاستراتيجيات الناتجة الثلاثة أن تفضيل موقفٍ على آخر هو قرار اعتباطي؛ أي أنه افتراض يمكن الأخذ به أو لا. يُبطل ذلك سلامة الواقعية الوصفية؛ فهي ليست وصفًا صحيحًا أو زائفًا للعلاقات الدولية، وإنما تُختَزل في افتراضٍ اعتباطي. يمكن اختبار الافتراضات بالأدلة، ولكن لا يمكن إثبات صحتها أو زيفها في ذاتها. وأخيرًا، ليس على الوضع أن يكون كما هو، أو كما ينبغي أن يكون.

يُعد كَون الساحة الدولية الحالية للدول تتسم بغياب سلطة شاملة وصفًا مقبولًا. لقد سادت الحروب بما يكفي لدعم الواقعية السياسية بصورة واضحة، فقد وقعت أكثر من 200 حرب وصراع منذ توقيع معاهدة وستفاليا عام 1648. أدت هذه الحالة الأناركية كما يبدو إلى مقارنة بعض المفكرين لها بالأناركية المحلية، عندما لا توجد حكومة لتحكم الأمة أو تسيطر عليها. ربما يفكرون أن الحرب والصراع والتوتر وانعدام الأمان كانت تشكل الحالة العادية للأمور دون سلطة عالمية، وربما حتى يستنتجوا أنه لا بد من حكومة عالمية تسيطر على أنشطة الدول الفردية وتشرف على شرعية شئونها وتعاقب الأمم التي تخرق القانون، ومن ثم تهدئ من الجو المضطرب الذي تجد الأمم أنفسها فيه، تمامًا كما قد تقضي الحكومة المحلية على الاضطرابات الداخلية وتعاقب على الجرائم المحلية. ولكن تفترض تلك ‹‹المماثلة المحلية›› مسبقًا أن العلاقات بين الأفراد والعلاقات بين الدول متماثلة. يرى كريستيان وولف على سبيل المثال أنه ‹‹بما أن الأمم تُعتبر أشخاصًا أفرادًا أحرارًا يعيشون في حالتهم الطبيعية، لا بد كذلك من اعتبار الأمم بعضها البعض أشخاصًا أفرادًا أحرارًا يعيشون في حالتهم الطبيعية››.([1]) تتضمن مثل هذه الحُجة تجميعًا للأفراد و/ أو تشخيص الدول؛ فربما تصف الواقعية الأمم بأنها أفراد تمثل على المسرح العالمي لتوسيع مصالحها الخاصة، ولكن يوجد وراء مفهوم فرنسا أو جنوب إفريقيا الملايين من الأفراد المميزين، الذين ربما يتفقون أو لا يتفقون مع مزاعم تحسين المصلحة القومية. يزعم البعض([2]) أن العلاقات بين الدول ومواطنيها تختلف كثيرًا جدًا عن العلاقات بين الأمم، لأن الأفراد بإمكانهم اعتناق معتقدات ويمكن أن يعانوا، بينما الدول لا يمكنها ذلك. إذا لم تكن المماثلة المحلية صالحة، فيجب اقتراح نظرية مختلفة لتفسير حالة الشئون الدولية، وهو ما يعني إما مراجعة الواقعية السياسية لوضع العلاقة الأكثر تعقيدًا بين الكيانات الفردية والجمعية في الحسبان، أو الانتقال إلى نظرية بديلة للعلاقات الدولية.

تتجاوز الواقعيةُ السياسية التوجيهية القضايا الوصفيةَ للواقعية السياسية، فتقول إن على الأمم السعي وراء مصالحها الخاصة مهما كانت الحالة الفعلية للشئون الدولية. تتحلل تلك النظرية إلى درجات متنوعة بناءً على المعيار المزعوم للمصلحة القومية، والإمكانية الأخلاقية لتوظيف وسائل متنوعة لتحقيق الغايات المرجوة. ربما تُقدم عدة تعريفات لما ينبغي أن يشكّل المصلحة القومية؛ غالبًا ما تنطوي على الحاجة للاكتفاء الذاتي السياسي والاقتصادي، ومن ثم تقليل الاعتمادية على أمم غير موثوق بها.

تعود الحُجة الداعمة لأولوية الاكتفاء الذاتي كعنصر مكون للمصلحة القومية لتاريخٍ طويل؛ فقد حاجَّ كلٌّ من أفلاطون وأرسطو لصالح الاكتفاء الاقتصادي، وفكرا أنه لتأمين سلطة الأمة عليها استيراد البضائع الضرورية فقط. لقد استُغِلت قوة هذا المبدأ الاقتصادي غالبًا لدعم الواقعية السياسية؛ أكد المنظِّرون السياسيون وأنصار المذهب التجاري، خاصةً في القرن الثامن عشر، أنه لا يمكن الحفاظ على السلطة السياسية وزيادتها سوى من خلال تخفيض واردات الأمة وزيادة صادراتها. العامل المشترك بين الموقفين هو القضية القائلة بأن الأمة لا يمكن أن تزداد ثراءً سوى على حساب الآخرين. إذا ازدادت ثروة إنجلترا، تنخفض ثروة فرنسا بالتبعية. ولكن هذا النسق التأثيري الذي يدعم الواقعية السياسية غير سليم. فالتجارة ليست نافعة حصرًا لطرفٍ واحدٍ بالضرورة؛ فهي غالبًا ما تكون ذات نفع متبادل. شرح الاقتصاديان آدم سميث وديفيد ريكاردو الفوائد التي سيكتسبها الطرفان من التجارة الحرة غير المقيدة. ولكن ربما يعترف الواقعي بذلك ومع ذلك يرد بأنه على الأمم ألا تعتمد في قُوتِها على أمم أخرى برغم مكاسب التجارة، أو أنه لا ينبغي دعم التجارة الحرة بما أنها غالبًا ما تستلزم تغييرات ثقافية غير مرغوب فيها. وهكذا تُعرَّف مصالح الأمة بأنها تعلو على أي منافع مادية تُكتَسب من التعاون والمشاركة الدولية.

غالبًا ما يوصَف الواقعيون السياسيون بأنهم لا أخلاقيين، وأنهم يؤمنون بضرورة استخدام أي وسيلة للحفاظ على المصلحة القومية. ولكن هناك نقدًا حادًا لهذا الوصف يقول بأن تعريف الأخلاقية يتحوَّر ليظهر أن تصرف المرء في مصلحته أو مصلحة الأمة أمرٌ منافٍ للأخلاق، أو لا أخلاقي في أفضل الأحوال. وهذا ادعاءٌ غير عادل ضد خدمة المصالح القومية، تمامًا كالادعاء بأن أي فعلٍ نفعي يقوم به المرء هو بالضرورة منافٍ للأخلاق على المستوى الشخصي. يستند هذا النقاش إلى أخلاقيات الحيادية؛ فمن يؤمنوا بقانون أخلاقي عالمي يجادلوا بأن الفعل النفعي الذي لا يمكن تعميمه منافٍ للأخلاق. ولكن العالمية أو التعميم ليس المعيار الوحيد للأفعال الأخلاقية. يمكن الادعاء بأن على الانحياز لعب دورٍ في القرارات الأخلاقية؛ فيعتبر الانحيازيون أنه من العبث ألّا يولي مسئولو الدولة أمتهم وزنًا أخلاقيًّا أكبر من الأمم الأخرى، كما أنه سيكون من العبث أن يهتم الآباء بأبنائهم وأبناء الآخرين بنفس القدر. ولكن إذا وُظِّفت الأخلاقية من حيث كونها إيثارية، أو على الأقل عالمية، فسيعترف الواقعيون، وسيكونون على حق، بأن محاولة الأمة أن تكون أخلاقية سيكون ضارًا للمصلحة القومية أو للعالم بأكمله، ومن ثم ينبغي تجاهل المبادئ الأخلاقية. ولكن إذا قبلت الأخلاقية صحة بعض الأفعال النفعية على الأقل، فربما تكون الواقعية السياسية بطبيعة الحال مذهبًا سياسيًّا أخلاقيًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد