في مواجهة كل الاضطرابات والمآسي في الشرق الأوسط اليوم، هناك القليل من التطوُّرات الإيجابية، وخاصةً فيما يتعلَّق باحتمالية الإصلاح السياسي في تونس والمغرب ومصر. إنَّني متفائلة عمومًا في الحالة الأولى بإمكان التحوُّل طويل المدى إلى الديمقراطية، بينما أتشكَّك أكثر في بذل أي جهود جادة للإصلاح في الحالتين الأخيرتين. ولكنَّني سأوضِّح التطوُّرات الإيجابية والسلبية لكل بلدٍ وأختم ببضعة كلمات عن نتائج سياسة الولايات المتحدة.

تونس: بقعة مضيئة تشوبها بعض العيوب

هناك الكثير من الإيجابيات التي يمكن أن تُقال عن تونس، بدءًا من فوز رباعي الحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام، فكان هذا إقرارًا بنجاح تونس واعترافًا بالطريق المليء بالتحدِّيات الذي قطعته تونس. كما كانت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2014، والتي اعتبرها المراقبون المحلِّيون والدوليون حُرَّة ونزيهة، نقطة مضيئة أخرى. صُنِّفت تونس هذا العام في تقييم «فريدم هاوس» بأنَّها الدولة العربية «الحُرَّة» الوحيدة، وفي تونس مجتمع مدني قوي نشيط على الرغم من عدم انتصاره دائمًا إلَّا أنَّه قد انتقد بعض خطوات الحكومة الأخيرة مثل قانون مكافحة الإرهاب وجهود المصالحة.

برغم هذه النجاحات، تواجه تونس بضعة تحدِّيات هامة في المستقبل القريب. أولًا، على تونس الموافقة على قانون المصالحة وتطبيق إجراءات قانون المصالحة الاقتصادية، الذي كان مثيرًا للجدل بشدَّة، إذ لم تتعامل تونس على نحوٍ ملائم بعد مع انتهاكات النظام السابق. ثانيًا، تُخطِّط تونس لإجراء أولى انتخاباتها البلدية في أكتوبر 2016 (ولكن قد يتغيَّر هذا التاريخ). تُوفِّر هذه الانتخابات لتونس فرصة الانخراط في عملية توزيع اختصاصات جادة ونقل السُلطة إلى المستوى المحلي. هذه خطوة هامة في أي تحوُّل ديمقراطي، وبإمكانها خلق صلة أكثر مباشرةً بين الناس، وبين حكومتهم.

كما يمكن لتوزيع الاختصاصات أن يفيد الحكومة المركزية بإزالة بعضٍ من ضغط التعامل مع المشاكل اليومية مثل جمع القمامة، وتوفير الخدمات الأخرى.

تواجه تونس كذلك خطر المزيد من الهجمات الإرهابية، فما زالت الحكومة تحاول معرفة كيفية الموازنة بين حماية الأمن في الداخل ومنع الانزلاق إلى الأصولية، كما يتَّضح من قانون مكافحة الإرهاب الجديد وحملة الاعتقالات الكبيرة، وفرض قانون الطوارئ بعد الهجوم الإرهابي في سوسة في الصيف. يتطلَّب هذا المزيد من إجادة تطبيق القانون والخدمات الأمنية الأخرى بوصفها جزءًا من مشروع أكبر لإصلاح قطاع الأمن.

المغرب: لا تنخدع بالواجهة

حقَّقت المغرب بعض التقدُّم الإيجابي نحو الإصلاح الديمقراطي، فقد أسفرت مظاهرات 2011 عن دستورٍ جديد وبرلمان مُنتخَب ورئيس حكومة إسلامي هو عبد الإله بنكيران. هذا أمر هام للغاية لأنَّ حزب بنكيران الإسلامي؛ حزب العدالة والتنمية، ظلَّ في المعارضة قبل 2011، ولأنَّ حزب العدالة والتنمية هو الحزب الإسلامي الوحيد الذي انتُخِب بعد الربيع العربي وظلَّ في موقعه حتى الآن.

أجرت المغرب الشهر الماضي أولى انتخاباتها الجهوية والبلدية في ظل عملية توزيع اختصاصات جديدة، الفكرة نظريًّا هي نقل السُلطة من الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية، سيُزيح هذا العبء من على كاهل الحكومة المركزية ويُوفِّر كذلك صلةً أكثر مباشرةً بين الشعب وبين الحكومة، كما ذكرتُ في حالة تونس. ولكن مثلما هو الوضع في معظم العمليات الإصلاحية بالمغرب، لا تُحوِّل جهود توزيع الاختصاصات في الواقع أي سُلطة حقيقية إلى الحكومة المحلية، إذ يحتفظ الولاة -الذين يُعيِّنهم الملك- بسُلطة الفيتو المُطلَقة على المجالس الجهوية.

أتشكَّك في فرص تحقيق المغرب للإصلاح الحقيقي للعديد من الأسباب، أولًا، لم يبدأ دستور 2011 أي تغيير حقيقي، فتظل معظم السُلطة في أيدي الملك أو المخزن (النخبة الحاكمة)، بالإضافة إلى أنَّ الكثير من القوانين الأساسية التي تُشكِّل الدستور غير مُطبَّقة بعد أربعة أعوام من كتابته، دون خططٍ واضحة لاتِّخاذ خطوات في التطبيق. ومن ثم لا ينعكس الدستور، رغم كونه وثيقة مذهلة على الورق، على الواقع السياسي المغربي.

الأمر الأكثر إزعاجًا هو بدء حكومة المغرب خلال العام الماضي قمع الصحفيين ورموز المعارضة على نحوٍ خطير، ويشمل هذا منع جمعيات حقوق الإنسان من التجمُّع وتهديد النشطاء باتهامات جنائية. والأكثر من ذلك أنَّ الخطوات التالية في عملية الإصلاح المغربية لم توضَّح بعد، فقد اعتُبِرَت الجهود الأخيرة لتوزيع الاختصاصات دفعةً كبيرةً نحو الإصلاح، الآن وبعد انتهاء العملية بصورةٍ كبيرة، علينا أن ننتظر ونرى ماذا ستفعل حكومة المغرب -إذا فعلَت أي شيء- لكي تحافظ على تقدُّم عملية الإصلاح.

مصر: خطوات زائفة إلى الأمام، وخطوات فعلية إلى الوراء

من الصعب العثور على علامات إيجابية على التقدُّم في مصر، ولكن الانتخابات البرلمانية التي تُجرَى حاليًا تمنحنا لمحةً من الأمل. أولًا، بما أنَّ مصر قد ظلَّت دون برلمان منذ عام 2012، فإنَّ حقيقة اختيار مصر أخيرًا إجراء انتخابات برلمانية هي أمر جيِّد إجمالًا. ثانيًا، تسمح الحكومة المصرية بحضور المراقبين المحليين والدوليين -بما فيهم المنظمات غير الحكومية والسفارات الأجنبية- وهو ما لم يكُن يُسمَح به دائمًا. وثالثًا، قد يحصل البرلمان -نظريًّا- على بعض النفوذ ويُمثِّل قيدًا لسُلطة الرئيس السيسي. لا بد أن يوافق البرلمان على حكومة الرئيس ويمكنه المطالبة بانتخابات مبكِّرة لعزل الرئيس بثُلثي الأصوات، وفقًا لدستور 2014.

ولكن لن تنجح هذه القيود على السُلطة الرئاسية إلَّا إذا انتخبَت مصر نواب برلمان يحملون رؤى مختلفة قليلًا على الأقل للرئيس، ومستعدِّين للتضحية بمستقبلهم السياسي (وربما لدخول السجن) عند مخالفتهم له. إذًا مَن هُم المُرشّّحون للبرلمان؟ سيخوض العديد من ضباط الجيش والشرطة السابقين، بالإضافة إلى أعضاء سابقين بحزب مبارك؛ الحزب الوطني الديمقراطي، الانتخابات على قوائم حزبية مختلفة وبصورةٍ منفردة. العديد من القوائم الحزبية مؤيِّدة للنظام علنًا، بما فيها قائمة «في حب مصر» والتي يتوقَّع أن تأتي في مقدمة القوائم. يشتهر «تحالف الجبهة المصرية» بصلته الوثيقة بنظام مبارك، وأخيرًا، فإنَّ معظم مَن قد يُمثِّلون مُعارضةً إمَّا ممنوعون من الترشُّح أو مقاطعون للانتخابات، فالكثيرون من اليساريين على سبيل المثال مُتشكِّكين جدًّا في قدرة البرلمان على إحداث تغيير فاختاروا عدم الترشُّح، وحزب الحرية والعدالة المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين والذي فاز بأغلبية في انتخابات مصر البرلمانية الأخيرة في 2011 قد حُلَّ في 2014 ومُنِع من الممارسة السياسية.

سيكون أول اختبار كبير للبرلمان هو مراجعة أكثر من مائتي مرسوم بقانون أصدرهم السيسي في غياب البرلمان. وبينما يتطلَّب الدستور إرسال كل هذه المراسيم إلى البرلمان على الفور وإلغاءها إذا فشل البرلمان في اتِّخاذ إجراء خلال 15 يومًا، سيوافق البرلمان الذي سيتكوَّن من مؤيِّدي السيسي على كل المراسيم في تصويتٍ واحدٍ على الأرجح دون حتى قراءتهم، كما يؤثِّر التشكُّك في البرلمان في إقبال الناخبين. نأمل أن يتعلَّم صُنَّاع السياسات، إذا انتهت مصر والمغرب إلى برلمانات عاجزة، الدرس الذي يعرفه دارسو التحوُّلات الديمقراطية منذ عقود؛ وهو أنَّ الانتخابات لا تصنع ديمقراطية.

ماذا على واشنطن أن تفعل؟

لقد أظهرت الحكومة الحالية اهتمامًا ضئيلًا بالدفع من أجل الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، فقد أوضح الرئيس أوباما في تصريحاته العامة أنَّ الديمقراطية وحقوق الإنسان، على أهميتهما، ليسا من الاهتمامات الجوهرية للولايات المتحدة.

بينما يدعم البيت الأبيض ووزارة الخارجية الإصلاح الديمقراطي خطابيًّا، ومدحا نجاح تونس علنًا باستفاضة، لا يتماشى توزيع الحكومة الأمريكية لدولارات المساعدات مع هذا الخطاب، فمستويات الدعم الاقتصادي والعسكري المنخفضة نسبيًّا لتونس تنفي وجود رغبة حقيقية في دعم جهود تونس من أجل تعزيز مكاسبها الديمقراطية. يبدو هذا التناقض صارخًا بصورةٍ خاصة عندما يُقارَن بحِزَم المساعدات من مليارات الدولارات التي تذهب إلى مصر والأردن على الرغم من الارتداد السُلطوي في الحالة الأولى وغياب العملية الديمقراطية في الثانية. إنَّ كل حالة هي بالطبع فريدة، فالأردن خاصةً تواجه مجموعة مختلفة جدًّا من التحدِّيات عن تلك التي تواجهها تونس، ولكن إذا كانت الحكومة جادَّة بشأن دعم الإصلاح السياسي، فعليها تعزيز هذا الدعم الخطابي بحِزَمة مساعدات حقيقية وملائمة.

بغض النظر عمَّا إذا كان الرئيس التالي ديمقراطيًّا أم جمهوريًّا، فلن يقضي على الأرجح الكثير من الوقت أو يبذل الكثير من الجهد في الدفع نحو الديمقراطية في العالم العربي، ومن المُنذِر بذلك عدم الخوض في هذه المسألة في أي من المناظرات حتى الآن. سيُحافظ معظم المُرشَّحين على الأرجح على علاقاتنا الحالية بمصر والمغرب وأي دولة أخرى، ولا أتوقَّع أن تعود الحكومة التالية إلى نموذج «أجندة الحرية» الذي اتَّبعه جورج بوش.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد