سواء أحببنا ذلك أم لا، معظمنا يدرك كيف يبدو شكله طوال الوقت. مررنا كلنا بيوم كان شعرنا فيه غير مرتب، أو شعرنا بالقلق حيال كوننا لم نرتد الملابس المناسبة لحدث معين. لكن هل مواصلة القلق بخصوص شكل الجسد أو مظهرنا يمكن أن تؤثر في صحتنا عمومًا، وصحتنا العقلية خصوصًا؟ تصطحبنا الصحفيتان «لين إيتون»، و«روزالين وارين» في رحلة للإجابة عن هذا السؤال. إذ تحاولان في تقريرهما المنشور في صحيفة «الجارديان» البريطانية تتبع الآثار المدمرة للهوس بمثالية صورة الجسد، والعوامل المؤثرة في ذلك.

يبدأ التقرير بإقرار حقيقة أن الصورة النمطية التقليدية هي أن الشابات أكثر قلقًا بخصوص مظهرهن من الشباب. يساهم في هذا الضغط الاجتماعي، والصور الإعلامية، والأقارب الشغوفون بقول كم أن الفتاة الصغيرة جميلة.

لكن إلى أي مدى يؤثر ذلك على سعادتنا وصحتنا العقلية؟ وإلى أي مدى تثير صورة جسدنا قلقنا مع تقدمنا في العمر؟ وفقًا للمقال تُظهر إحصاءات «مؤسسة الصحة العقلية» الخيرية أن رؤية الذات بصورة سيئة يمكن أن تؤثر على كل الأعمار، وليس الصغار فقط، وقد تُحفز مجموعة واسعة من الآثار السلبية بدءًا من القلق واحتقار الذات، إلى الأفكار الانتحارية.

وأتت الإحصاءات التي جرى الكشف عنها بالتزامن مع أسبوع التوعية بالصحة العقلية في بريطانيا من استطلاع رأي أجرته شركة «يوجوف» لأبحاث السوق ضم 4505 بالغين في المملكة المتحدة. ووجد الاستطلاع أن 57% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 – 24 عامًا ممن خضعوا لاستبيان اعترفوا بأنهم شعروا بالقلق بسبب هيئتهم مقارنة بنسبة 30% ممن تتراوح أعمارهم بين 45 -54 عامًا، ونسبة 20% ممن هم فوق 55 عامًا، بحسب تقرير «الجارديان».

كيف تشكّل هذه الأمور مصدرًا للقلق؟

بعض النساء اللاتي سجلن نسبة 10% في الاستطلاع أذين أنفسهن عمدًا بسبب شكل أجسادهن، مقارنة بنسبة 4% من الرجال. في الوقت نفسه، اعترف 13% من البالغين باختبارهم لأفكار أو مشاعر لها ميول انتحارية بسبب شكل جسدهم، ورغم أن العينة من مجتمعات الميم كانت صغيرة، إلا أن نسبة 39% ممن اختبروا هذه الأفكار كانوا من مزدوجي التوجه الجنسي، و23% كانوا مثليين.

Embed from Getty Images

بحسب التقرير، فعلى الرغم من أن وقت البلوغ ضاغط بشكل ملاحظ في ما يتعلق بصورتنا عن أنفسنا، فهناك أوقاتًا أخرى في حياتنا نقلق فيها بشأن صورة أجسادنا مثل أثناء الحمل أو انقطاع الطمث أو حين تتراجع مقدمة شعرنا، أو حين نحتاج لاستخدام عصا للمشي.

ويستشهد التقرير برأي فيليبا ديدريش، أستاذة علم النفس بجامعة ويست إنجلاند، والخبيرة في مجال صورة الجسد، التي ترى أن حتى الفتيات في سن المدرسة الابتدائية أكثر وعيًا بمظهرهن من أقرانهن الذكور.

وتفسر الخبيرة الأمر قائلة: «حظين بتقدير كبير يتعلق بمظهرهن. هذه هي الطريقة التي تجعل لهن رصيدًا في المجتمع، لذا ركزت معظم الأبحاث على الفتيات الصغيرات، لكن هناك نقاط تحولية رئيسة في حياة الأشخاص، مثل بلوغ سن 65 عامًا، حين لا يزال يشعر الناس أن طريقة تقديمهم أنفسهم مهمة. يصعب القول كيف تشكّل هذه الأمور مصدرا للقلق في الناس مع مرور الوقت؛ لأننا لا نملك أي دراسات مطولة».

ووفقًا للتقرير فامتلاك مخاوف بشأن مظهرك ليس مرضًا عقليًا في نفسه، بحسب لمؤسسة الصحة العقلية، إذ يقول متحدثها الرسمي: «رغم ذلك، يمكن أن يمثل عامل خطر لمشكلات الصحة العقلية».

ويتابع المتحدث: «تقترح الدراسة أن عدم الرضا عن الجسد بدرجة عالية مرتبط بانخفاض نوعية الحياة، والمعاناة النفسية، ومخاطر تناول طعام غير صحي، واضطرابات الأكل».

لكن هل تتوقف المسألة عند الصحة الفردية فقط؟ الإجابة بالنسبة لهانا لويس هي: لا. وإذ ترى هانا هي مسؤولة السياسات في منظمة «إعادة التفكير في المرض العقلي»، أن الطريقة التي نرى بها أنفسنا تمثل أيضًا مشكلة بالنسبة للصحة العامة، وفقًا لتقرير  «الجارديان»، الذي نقل عنها قولها:

«الأشخاص الذي يملكون تصورًا سيئًا عن جسدهم عرضة لإيذاء أنفسهم، واحتمالية السلوك الجنسي الضار».

كذلك فامتلاك صورة ذهنية سيئة عن الجسد يمكن أن يقوض صحة الأشخاص الذي يعانون بالفعل من أمراض عقلية. ويمكن أن تتسبب بعض الأدوية بزيادة الوزن. وتؤكد هانا: «هذا مهم للغاية بالنسبة لتصور الشخص عن جسده». لكن هل يمكن أن يقود القلق بشأن المظهر مباشرة إلى اضطرابات تناول الطعام؟

Embed from Getty Images

عامل واحد بين عوامل كثيرة

وبحسب التقرير، أظهرت دراسة مستقلة أجرتها مؤسسة «ستون وول» الخيرية، التي تطالب بالمساواة لمجتمع الميم، أن 12% من أفراد مجتمع الميم اختبروا اضطراب تناول الطعام. ويعترف جوش برادلو، مدير السياسات بالمؤسسة، بالضرر المحتمل الذي يمكن أن يسببه انعدام الثقة في الجسد قائلًا: «يمكن أن تكون الافتراضات والاعتقادات النمطية عن الذكورة والأنوثة ضارة بقوة بالنسبة للطريقة التي يرى بها الأشخاص – خاصة أفراد مجتمع الميم – أنفسهم وأجسادهم».

وينقل التقرير عن طوم كوين، مدير الشئون الخارجية في مؤسسة «بييت» الخيرية المعنية باضطرابات الطعام، قوله إن الأشخاص غير الراضين عن أجسادهم معرضون أكثر لخطر تطوير اضطراب تناول الطعام، مضيفًا: «هذا عامل واحد بين عوامل كثيرة يمكن أن تقود إلى حدوث هذه الأمراض العقلية الخطيرة». كيف يمكننا إذًا الحد من هذه المشكلة المتغلغلة في مجتمعنا؟

عملت الخبيرة ديدريش مع شركة «دوف» لمنتجات الجمال على مشروع لتعزيز الثقة بالنفس في المدارس، شجع المشروع التلاميذ على مناقشة أثر الإعلانات على تصورهم عن صورة الجسد،  وتنصح أيضًا بتجنب المحادثات السلبية عن شكل الجسد والعمر، وفقًا للتقرير.

وتوضح ديدريش: «قول أمور مثل «تبدو جيدًا، هل اتبعت حمية؟» أو «لا تبدو كبيرًا في السن إلى هذه الدرجة، قل لي سرك» يعزز هوسنا بصورة الجسد». وتقترح أن يشكى المرء في حال كانت صور الجسد التي يراها في الإعلام لا تعجبه، مضيفة: «لا تتحدث عن المظهر فقط عندما تقابل صديقك، اسأله بدلًا عن ذلك عن حاله».

تجربة: شكل الجسد يُناقش باستمرار في كل مكان

لا يكتفي التقرير «الجارديان» بالإحصائيات والدراسات التي استدل بها، وذهب للاستشهاد بتجربة فتاة عانت بنفسها قديمًا من الأزمة التي تواجهها أجيال كاملة الآن، وهي الطبيبة النفسية أليكسيا هاريسون. لم تبق هاريسون في مكان واحد لوقت طويل أثناء طفولتها، إذ كانت عائلتها تتنقل من دولة لأخرى بسبب عمل والدها، لذا دخلت عدة مدارس؛ ما صعب عليها الحفاظ على صداقات لوقت طويل.

وفي سن الحادية عشر عادت لتعيش في بريطانيا. وفي المدرسة، شعرت أنها منفصلة، وبعيدة كل البعد عن الأمور التي يتحدث أصدقاؤها عنها؛ إذ جعل السفر المستمر حياتها في حالة اضطراب. شعرت هاريسون بالعزلة، وساءت صحتها العقلية.

Embed from Getty Images

بدأت تُظهر علامات على وجود علاقة مقلقة بينها وبين الطعام. في الوقت نفسه، كانت والدتها تواجه مشكلة مع الاضطراب؛ ما جعلها تتحدث معظم الوقت عن الحمية وصورة الجسد.

بدأت هاريسون في إظهار أعراض مرض فقدان الشهية عند بلوغ سن الثالثة عشرة تقريبًا. وحين وصلت لاختبارات الشهادة العامة للتعليم الثانوي، أصبح فقدانها للشهية خطيرًا إلى حد احتجازها في مستشفى. وتقول هاريسون:

«وقتها لم يكن هناك معلومات كثيرة عن فقدان الشهية مثل الآن. بالنظر للماضي، لم يعرفوا ما الذي يجب فعله معنا. حاولوا إطعامنا لكن الأمر انتهى بي وأنا أخسر المزيد من الوزن أثناء إقامتي في جناح المستشفى».

الجسد وثقافة الوقت الراهن

تصف هاريسون هذه الفترة من حياتها بأنها كانت «تعيسة بشدة». لكنها الآن في مكان أفضل. تبلغ هاريسون 41 عامًا، وتعيش في مدينة ليدز مع زوجها وطفليها، محاطة بالعديد من الأصدقاء المقربين.

وتَستخدم تجربتها في تشكيل حياة الآخرين الذين يواجهون التحديات نفسها. إذ تعمل بصفتها مستشارة وطبيبة نفسية عن قرب مع الشباب الصغار الذين يعانون من فقدان الشهية والشره، وتتطوع مع مؤسسة «بييت» البريطانية المعنية باضطرابات الطعام، بحسب تقرير  «الجارديان».

على الرغم من أنَّ أسباب اضطرابات الطعام معقدة، يتتضمن عوامل عديدة، يقول التقرير: أن تكون محاطًا بصور أجساد «مثالية» يشوه الطريقة التي نرى بها أنفسنا. ونقل عن هاريسون قولها إن ثقافة المشاهير ومواقع التواصل الاجتماعي تساهم بقوة في تفاقم المشكلة.

وتوضح: «المجتمع الذي نشأت فيه يختلف كثيرًا عما تواجهه الفتيات في الوقت الحالي. فهناك مواقع تواصل اجتماعي، وصور عارضات غير واقعية على إنستجرام، ويساهم هذا كله في الضغط على الشباب وعلى صحتهم العقلية والطريقة التي يرون بها أجسادهم».

وتتابع: «المشكلة هي أن شكل أجساد الأشخاص يُناقش باستمرار في كل مكان، على التلفاز والشاشات والمجلات. وإن كنت شخصًا سريع التأثر، يسهل أن تدخل في حالة مزاجية سيئة للغاية وتتصور أن الحمية هي الحل».

وتكمل أن الرعاية الطبية غير متوفرة دائمًا، ولا يسهل الوصول لها، رغم أن اضطرابات تناول الطعام مشكلة عقلية خطيرة تتطلب دعمًا متخصصًا.

Embed from Getty Images

ولدى هاريسون لها رأي صارم خاص بها في ما يتعلق بالضغط الذي يواجهه صغار الشباب هذه الأيام. إذ تقول: «لست متأكدة أنني كنت لأتجاوز مشكلتي لو نشأت في هذه الثقافة الموجودة في الوقت الراهن، في ظل التأثير الشديد لمواقع التواصل الاجتماعي والمشاهير».

لكنها أيضًا تعتقد أن آليات التأقلم التي استخدمتها في طفولتها لا تزال توجيهات قيمة لنفسها وللآخرين هذه الأيام.

وتختم مفسرةً طريقتها في التعامل مع ما مرت به: «ما أبقاني صامدة هو أنني أحببت الطبيعة، لطالما شعرت بتحسن عندما ابتعدت عن هذا كله، عن كل الأشخاص والضغط والتكنولوجيا».

أما الآن فتقول: «لا زلت أفعل هذا مع زوجي، نغادر ونتوه ونذهب إلى البحيرات. أنا أفضل حالًا دومًا حين أكون في الهواء الطلق».

بدون اشتراك في صالة ألعاب رياضية.. تطبيقات إنقاص الوزن وحساب السعرات الحرارية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s