يمكن أن يتسبب التباعد الاجتماعي، والسياسات المفروضة في الدول الغنية لمكافحة فيروس كورونا المستجد في تأثيرات ضارة في الدول ذات الدخول المنخفضة؛ إذ من المحتمل أن تعرِّض حياة الناس للخطر أكثر مما تنقذهم. 

كتب أحمد مشفق مبارك وزكاري بارنيت-هاول، الأستاذان والباحثان في جامعة ييل، تقريرًا في مجلة «فورين بوليسي» عن آثار الإغلاق الناجم عن فيروس كورونا المستجد على العمالة غير الرسمية في الدول الفقيرة، والتي لا توجد بها شبكات أمان اجتماعي. ويلفت الباحثان إلى أن هذه الفئات مشغولة بمعاشها أكثر مما هي مشغولة بالفيروس، وأنها تتحمل العبء الأكبر لعمليات الإغلاق وتوقف النشاط الاقتصادي.

تكنولوجيا

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: هل المراقبة واختراق الخصوصية هما السبيل الوحيد لمواجهة كورونا؟

يقول الباحثان في مستهل مقالهما: استجابة لتفشي وباء فيروس كورونا المستجد، طُبقت مستويات مختلفة من التباعد الاجتماعي في أنحاء العالم، بما في ذلك في الصين، وأوروبا، وجانب كبير من الولايات المتحدة. وتقبَّل مئات الملايين من الناس حدوث اختلالات كبيرة في حياتهم اليومية، كما تحملوا خسائر اقتصادية كبيرة؛ استنادا إلى المنطق القائل بأن إبطاء انتشار فيروس كورونا يمكن أن يحول دون إنهاك أنظمة الرعاية الصحية.

تأثير الإغلاق الكامل في الدول الغنية والفقيرة

توضح النماذج الوبائية أن تكلفة عدم التدخل في البلدان الغنية ستتمثل في مئات الآلاف إلى ملايين القتلى، وهي نتيجة أسوأ بكثير من أعمق ركود اقتصادي يمكن تخيله. وبعبارة أخرى، فإن التدخلات التي تتضمن تطبيق التباعد الاجتماعي وفرض إجراءات شديدة الصرامة، حتى ولو واكبتها تكاليف اقتصادية، لها ما يبررها إلى حد بعيد في المجتمعات ذات الدخول المرتفعة.

لكن منطق هذه الاستجابة مبني على خصائص المجتمعات الصناعية الغنية نسبيًّا، حيث برزت هذه السياسة. غير أن البلدان ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط​​، مثل بنجلاديش ونيجيريا، ذات طبيعة مختلفة، وتثير أسئلة مختلفة، بمعنى: هل مزايا تطبيق الإغلاق الكامل على مستوى الدولة يفوق أيضًا تكاليف الإجراء ذاته في البلدان الفقيرة؟

يجيب الباحثان: نحن نرى عدة أسباب – بما في ذلك التركيبة الديموجرافية، ومصدر رزق الناس، والقدرة المؤسسية – تشير إلى أن الجواب قد يكون مختلفًا (في تلك البلدان) عن الجواب في الولايات المتحدة أو أوروبا. وبصراحة، يمكن أن يؤدي فرض عمليات حظر صارمة في البلدان الفقيرة – حيث يعتمد الناس غالبًا على العمل اليومي الذي يؤدونه بأيديهم لكسب ما يكفي لإطعام أسرهم – إلى عدد مماثل من الوفيات نتيجة انتقالهم إلى صفوف المعدمين، أو إصابتهم بأمراض يمكن الوقاية منها.

ويجدر النظر أولًا في التأثير المحتمل للمرض على بلدان مختلفة. ففي حين أن الشباب ليسوا في مأمن من فيروس كورونا، فإنه يصيب كبار السن بشدة، إذ يُقدر معدل الوفيات بنحو 6.4% بين الأشخاص فوق سن الستين، ويزيد إلى 13.4% بين الأشخاص فوق سن الثمانين.

وفقًا للبنك الدولي، فإن البلدان ذات الدخل المنخفض (حيث يقل نصيب الفرد من الدخل عن ألف دولار في السنة) لديها نسب أقل من الناس الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا (3%) عن الدول الغنية ذات الخصوبة المنخفضة (17.4%).

ونتيجة لذلك، يقدر النموذج الوبائي واسع التأثير، الذي أعده فريق الاستجابة لكوفيد-19 في كلية لندن الإمبراطورية، أن الانتشار الكامل لفيروس كورونا المستجد سيقتل 0.39% من سكان بنجلاديش و0.21% من سكان الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وهو ما يقل عن نصف معدل الوفيات البالغ 0.8% الذي يقدر حدوثه في الولايات المتحدة، ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى.

تأثير سياسة التباعد الاجتماعي في المواطنين الفقراء

يفسر هذا النموذج التركيبة السكانية الخاصة بكل بلد، والاختلافات في قدرة الرعاية الصحية، ومعدلات الإصابة، كما أنه يتوقع ارتفاع معدل الوفيات في البلدان الغنية، على الرغم من التردي النسبي للأنظمة الصحية في الدول الفقيرة. غير أن النموذج لا يراعي زيادة انتشار الأمراض المزمنة، وأمراض الجهاز التنفسي، والتلوث، وسوء التغذية في البلدان منخفضة الدخل، وهو الأمر الذي قد يزيد من معدلات الوفيات من جراء تفشي فيروس كورونا. ويمثل هذا قيدًا مهمًّا لهذه التوقعات المقارنة.

يتابع الباحثان: لحساب الفوائد المقارنة لفرض توجيهات التباعد الاجتماعي في البلدان الغنية، مقابل فرضها في البلدان الفقيرة، دمجنا تقديرات تكاليف الوفيات الخاصة بكل بلد مع التنبؤات الوبائية للوفيات من انتشار الفيروس؛ لبلوَرة تقديرات لمجموعة من البلدان. وفي البحث الذي يخضع حاليًا لمراجعة النظراء (تقييم يعده أشخاص ذوو كفاءة في المجال نفسه)، وجدنا اختلافات كبيرة في قيمة التباعد الاجتماعي عبر البلدان.

ومن المتوقع أن تقلل السياسة الفعالة للتباعد الاجتماعي على نحوٍ مساوٍ من الوفيات المرتبطة بفيروس كورونا بمقدار 1.3 مليون شخص في الولايات المتحدة، و426 ألف في ألمانيا. بينما مثل هذه السياسة ستنقذ فقط حياة 182 ألف شخص في باكستان و102 ألف في نيجيريا. والسؤال هو: كم روحًا قد تتعرض للخطر من جراء تطبيق هذه السياسة في تلك البلدان الفقيرة؟

يضيف المقال: لا تترك الفوائد الكبيرة جدًّا للتباعد الاجتماعي في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مجالًا للنقاش حول قيمة الصحة العامة لعمليات الإغلاق الواسعة النطاق، وأوامر البقاء في المنزل في تلك المناطق. هذا هو السبب في أن نداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وآخرين بعدم جعل العلاج أسوأ من المرض، لا معنى له في بلد مثل الولايات المتحدة. غير أن الصورة الكمية تعد أقل وضوحًا في البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل. صحيح أن هؤلاء المواطنين أيضًا يريدون أن يكونوا آمنين من المرض، لكنهم لا يريدون أن يكونوا عاطلين عن العمل، أو فقراء، أو جائعين.

حين يكون الحرمان أكثر قسوة من الفيروس

إن صافي مكاسب الرفاهية الناتجة من إنقاذ الأرواح، من خلال فرض سياسات صارمة لكبح جماح فيروس كورونا، تعد أكبر في البلدان ذات الدخل المرتفع قياسًا إلى البلدان المنخفضة الدخل؛ لأن التباعد الاجتماعي يقلل من مخاطر المرض عن طريق الحد من الفرص الاقتصادية المتاحة للناس.

يتابع المقال: وفقًا لأبحاثنا الأخيرة، فإن الناس الأكثر فقرًا يكونون أقل رغبة بطبيعتهم في تقديم تضحيات اقتصادية كبيرة. في الواقع، إنهم يضيفون قيمة أكبر نسبيًّا على مخاوفهم المعيشية مقارنةً بمخاوفهم من الإصابة بفيروس كورونا.

ربما تفرط تقديراتنا حتى في قيمة التباعد الاجتماعي في البلدان الفقيرة، حيث قد تؤدي هذه السياسات أيضًا إلى خسائر اقتصادية أكثر فداحة، خاصةً بالنسبة لأشد الناس فقرًا وضعفًا. ومن المرجح أن يوظف العمال في هذه البلدان لأداء عمل يدوي لا يمكن أداؤه أثناء التباعد الاجتماعي. ومن المرجح أيضًا أن يكونوا يعملون في القطاع غير الرسمي، ويعتمدون على أجر نقدي يومي، ولا يتاح لهم الوصول إلى شبكة أمان اجتماعي. وعلى المدى القصير، سيمنعهم التباعد الاجتماعي من العمل وكسب الرزق، وعلى المدى الطويل يمكن أن يؤدي ذلك إلى الجوع وسوء التغذية، ومشكلات صحية أخرى غير مرتبطة بفيروس كورونا، وصولًا إلى الوفاة.

يكمل الباحثان عرض وجهة نظرهما: لم تعد هذه مجرد مخاوف افتراضية. بدأنا في جمع بيانات منهجية الأسبوع الماضي من عينات تمثيلية لأفراد في ريف بنجلاديش ونيبال، عن طريق إجراء الآلاف من المقابلات الهاتفية المنظمة، ونحن نعلم أن انعدام الأمن الغذائي والبطالة – وليس الصحة والسلامة – هي الآن أكبر مخاوف الفقراء المعدمين في المناطق الريفية. توصل بحثنا إلى أنه بعد فرض الإغلاق في نيبال، انخفضت ساعات العمل في المناطق الريفية بنسبة 50% دون العدد المحدود لساعات العمل التي يستطيع الناس الحصول عليها خلال موسم الجفاف، أو ما يسمى موسم الجوع، خلال دورة المحاصيل الزراعية.

أسباب أخرى للموت في الدول الفقيرة

يتابع المقال: إن تثبيت المنحنى الوبائي لفيروس كورونا لكسب الوقت حتى يمكن تطوير لقاح، قد يكون له نتائج عكسية على البلدان الأكثر فقرًا، إذا زاد من الأسباب الأخرى للوفيات. واستنادًا إلى بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وجدنا أن ما بين 16% و37% من الأسر في البلدان منخفضة الدخل، يعانون من انعدام الأمن الغذائي؛ وهم أشخاص يواجهون الجوع بالفعل، وعرضة لأن يواجهوا ظروفًا وخيمة على نحو متزايد إذا ما فُرضت تدابير التباعد الاجتماعي.

كذلك فإن البلدان الفقيرة قدرتها محدودة على تطبيق توجيهات التباعد الاجتماعي، وتخفيف المشكلات التي تسببها مثل هذه السياسات. وتظهر تقارير التنقل المجتمعي (ترصد تحركات الملايين حول العالم؛ استنادًا إلى مواقع هواتفهم المحمولة) التي نشرتها جوجل مؤخرًا التزامًا واسعًا بتوجيهات التباعد الاجتماعي في البلدان ذات الدخل المرتفع، ولكن تظهر تغييرات أصغر في اتجاهات التنقل لأماكن العمل، ومحلات البيع بالتجزئة في العديد من البلدان منخفضة الدخل.

هل حكومات الدول الفقيرة مستعدة لتعويض العمال؟

وتعتمد التدخلات التي تتضمن تطبيق التباعد الاجتماعي، وفرض تدابير صارمة لكبح الفيروس، على أنظمة الدعم الحكومية، وكانت مدينة ووهان الصينية رائدة في هذا النوع من التدخلات، وهي مطبقة الآن في جميع أنحاء أوروبا، وأجزاء من الولايات المتحدة. وما يزال العديد من العمال في جميع أنحاء أوروبا يتلقون رواتبهم، وسيتلقى دافعو الضرائب الأمريكيون شيكًا تحفيزيًّا (لاسترداد جزء من الضرائب). على النقيض من ذلك، لا يظهر العمال غير الرسميين في البلدان النامية دائمًا في السجلات الحكومية والبيروقراطية.

لذلك، حتى في الحالة المستبعدة التي تطبق فيها سياسات التأمين الاجتماعي في هذه البلدان، ليس من الواضح على الإطلاق مدى السرعة التي يمكن بها تحديد ما يتراوح بين 50 إلى 80% من العمال غير الرسميين أو العاملين لحسابهم الخاص في البلدان ذات الدخل المنخفض، إذا حدث ذلك أصلًا، لتقديم هذه المساعدات الإغاثية لهم. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لعمليات الإغلاق آثار عكسية؛ إذا أجبرت العاملين في القطاع غير الرسمي والمهاجرين على الهجرة العكسية من المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، ونشر المرض في المناطق الريفية النائية في البلدان الفقيرة.

الحفاظ على حياة العمال ومصدر رزقهم

يقول التقرير: يبدو أن الجهود التي بذلتها الحكومة الهندية لفرض الإغلاق، كان لها بالفعل عواقب سلبية كبيرة على الأفراد الأكثر ضعفًا من سكانها. إذ يحكي عمال القطاع غير الرسمي خلال المقابلات التي أجريت معهم قصة الفقر والإخلاء والجوع، الذي يوشك أن ينشب أظفاره في أجسادهم؛ نتيجة تقليص دخولهم وفرص عملهم.

والعمال المهاجرون في أكبر المدن في الهند، الذين لا يتاح لهم الآن عمل، يعيشون بدون غذاء أو مأوى. والآلاف في طريق العودة إلى مسقط رأسهم سيرًا على أقدامهم، حيث أبلغ عن حالات وفاة على طول الطريق بالفعل. ولا يمكن تجاهل عواقب الوفيات هذه عند وضع استراتيجيات سياسة عامة لاحتواء فيروس كورونا.  

قد تكون سياسات التباعد الاجتماعي المطبقة في الدول الأوروبية والولايات المتحدة قابلة للتطبيق في أجزاء أخرى من العالم. ولكن إذا كان لا بد من تطبيق التباعد الاجتماعي على نطاق واسع، يجب بذل جهود هائلة ومبتكرة لتوفير الغذاء والوقود والنقد للأشخاص الأكثر عرضة لخطر الجوع والحرمان. وهذا يمثل تحديًا خاصًّا في البلدان التي ليس لديها شبكات أمان اجتماعي متطورة. ومن المهم بالنسبة للحكومات، والقطاع الخاص، والجماعات الإنسانية، وشركات تشغيل الهواتف المحمولة، وشركات التكنولوجيا تجربة الحلول المبتكرة، مثل إرسال التحويلات النقدية عبر الهواتف المحمولة.

Embed from Getty Images

ونظرًا إلى وجود أدلة كافية على أن التكاليف الاقتصادية للتباعد الاجتماعي- وخاصة العبء الواقع على الفقراء – أعلى كثيرًا، هناك حاجة عاجلة إلى تقييم جاد لتحديد التدابير الأخرى التي يمكن أن تنقذ الأرواح بفعالية، مع تقليل الخسائر في الرفاهية الإجمالية إلى أدنى حد.

ويحتاج القادة في أفريقيا، وجنوب آسيا، وأمريكا اللاتينية إلى النظر بعناية في سياسات بديلة، بما في ذلك تدابير الحد من الضرر، التي تسمح للناس في البلدان منخفضة الدخل بتقليل مخاطر إصابتهم بكوفيد-19 مع الحفاظ على قدرتهم على كسب قوتهم.

بدائل التباعد الاجتماعي

يقدم الباحثان بعض المقترحات البديلة للتباعد الاجتماعي: 

– مطلب عام بارتداء الكمامة عندما يغادر العمال منازلهم (حيث إن الكمامات وأغطية الوجه محلية الصنع تعد رخيصة نسبيًّا، ومن المحتمل أن تكون هذه السياسة مجدية في تنفيذها بالنسبة لجميع البلدان تقريبًا).

– التباعد الاجتماعي المستهدف للمسنين والفئات الأخرى المعرضة للخطر. 

– السماح للأفراد المنتجين ذوي الأوضاع الأقل خطورة بمواصلة العمل.

– تحسين الوصول إلى المياه النظيفة، وغسل الأيدي، والصرف الصحي، والسياسات الأخرى لتقليل الحمل الفيروسي (كمية الفيروسات الحية في كل ملليمتر من السوائل).

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
مترجم: كيف قد يبدو الاقتصاد العالمي بعد كورونا؟

– التأثير الاجتماعي واسع النطاق، والحملات الإعلامية الرامية لتشجيع السلوكيات التي تبطئ انتشار المرض، ولكنها لا تقوِّض سبل العيش الاقتصادية. ويمكن أن يشمل ذلك فرض قيود على حجم التجمعات الدينية والاجتماعية، أو تنظيم برامج لتشجيع قادة المجتمع ورجال الدين لتبني سلوكيات أكثر أمانًا، وإيصالها بوضوح.

ويختم الكاتبان بالقول: تمثل جائحة فيروس كورونا تهديدًا خطيرًا للعالم بأسره، لكن هذا التهديد يتخذ شكلًا مختلفًا في كل بلد. علاوة على ذلك، تختلف قدرة المجتمعات على الاستجابة، وتحمُّل تعطيل الأعمال وتكاليف التباعد الاجتماعي اختلافًا كبيرًا. ويجب الموازنة بعناية بين فوائد كل سياسة، والتكاليف والمخاطر الاقتصادية المفروضة على مجتمع معين. وفي حين يتعين على واضعي السياسة التفكير بعناية في هذه الاختلافات، يجب عليهم أيضًا التصرف بسرعة؛ لأن المرض والتدابير المفروضة لاحتوائه تسبب بالفعل معاناة في جميع أنحاء العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد