تحتفل باكستان بعيد الجمهورية يوم 23 مارس (آذار) من كل عام بـ«الحماس والإقبال» نفسه. وفي هذا اليوم يظهر الجيش الباكستاني بكامل عُدَّته وعتاده المُعتاد في عرضٍ تُشارك فيه القوات البرية والجوية والبحرية، بحسب تقرير أعدَّه الصُحافي الباكستاني طه صديقي، الذي يعيش في المنفى منذ عام 2018.

يقول في تقريره الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إن المسيرات المُتباهية تشمل عرضًا لمنظومة الصواريخ الباكستانية القادرة على حمل رؤوسٍ نووية، وعرضًا جويًا، وتحية السلاح لكبار الشخصيات المحلية والدولية التي تحضر المناسبة.

ووفقًا للتقرير تُبث تلك الاحتفالات الباذخة على الهواء مباشرةً في قنوات التلفزيون المحلي، وتذاع على أنغام الأغاني الدعائية الجديدة التي يُنتجها الجناح الإعلامي في الجيش خصيصًا لهذه المناسبة. ونادرًا ما يُشكِّك الرأي العام في هذه العروض المسرحية، لكن صديقي يرى أن التشكيك بها أصبح مُلحًا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.

بعدما خذلها عمران خان.. لماذا تقاربت السعودية مع باكستان؟

أزمةٌ اقتصاديةٌ طاحنة

تَمُرُّ باكستان، بحسب التقرير، بعددٍ من الاضطرابات المالية الخطيرة. إذ جال عمران خان، رئيس الوزراء، بين دول العالم خلال الأشهر القليلة الماضية بحثًا عن مساعداتٍ تُمكِّنه من دعم الاقتصاد. لدرجة أنه اعترف بحاجة البلاد الماسة للنقد الأجنبي قبل زيارةٍ أجراها مُؤخرًا.

وفي الوقت ذاته، انشغل أسد عمر، وزير مالية باكستان، بالتفاوض على حزمة إنقاذٍ ماليةٍ من صندوق النقد الدولي، وقضت باكستان 22 عامًا من أصل 30 عامًا مضت تحت رعاية الصندوق. ولا تزال مُعدَّلات التضخُّم في ارتفاعٍ منذ أربعة أعوامٍ لتتخطى 8%، وتُرجِّح إسلام آباد أن هذه النسبة قابلةٌ للزيادة.

ورغم أن المشكلات الاقتصادية الأخيرة تُثير القلق في باكستان، لكن البلاد تعرَّضت لضغوطٍ مُشابهةٍ على مدار سنوات، بحسب تقرير «فورين بوليسي». إذ يعيش ثُلث سكان البلاد تحت خط الفقر، وجاءت باكستان في المرتبة 150 من أصل 189 دولة وفقًا لأحدث مؤشرات التنمية البشرية التي تُعدِّها الأمم المتحدة.

ووصل الدين العام إلى قرابة 100 مليار دولار أمريكي، في حين يُقدَّر احتياطي النقد الأجنبي بـ15 مليار دولار فقط. وانخفضت قيمة الروبية الباكستانية بنسبة 31% منذ عام 2017، وهي واحدةٌ من أسوأ العملات أداءً في آسيا.

لكن صديقي يرى، في تقريره، أن من يشاهد المسيرات التي تنظم في 23 مارس، يعتقد أن الأمور تجري على ما يُرام ولن يُدرِك على الأغلب أن الجيش هو أصل تلك المُشكلات على أرض الواقع. إذ يُشكِّل الجيش ثاني أكبر الأعباء المالية للبلاد بعد سداد الديون.

وتُخَصَّصُ نسبةٌ تتخطى 20% من الميزانية السنوية لصالح الجيش رسميًا، لكن القوات المُسلحة تطالب بالمزيد سنويًا. وحصل الجيش على زيادةٍ تُقدَّر تصل إلى 20% عن مُخصَّصاته السنوية في دورة الميزانية الأخيرة. وتزيد النفقات الحقيقية للجيش عن تلك المُعدَّلات، لكنها تختفي عند تحويل نفقاتها إلى بنود الميزانية الأخرى.

ولا يُناقش البرلمان ميزانية الجيش بجديةٍ أو يُخضع نفقاتها للمراجعة. وعلى النقيض، تُنفق البلاد أقل من 5% من الناتج القومي الإجمالي على الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية، وهي نسبةٌ تقل كثيرًا عن المتوسط الإقليمي.

اقتصاد الجيش ينمو

يحمي الجيش الباكستاني نفسه بإبقاء التهديد الذي تمثله الهند قائمًا باستمرار، وفقًا للتقرير. إذ تعيش الجارتان النوويتان صراعًا منذ تقسيم جنوب آسيا عام 1947. ودخل الجيشان في أربعة حروب، ثلاثةٌ منها بسبب وادي كشمير. وتقول باكستان لشعبها إنها تتصدَّى للعدوان الهندي فقط، رغم أن باكستان هي من بدأ تلك الصراعات.

وخلال السنوات الأخيرة، تجنَّبت باكستان الدخول في حربٍ مُباشرة لأنها خسرت كل الحروب السابقة على الأغلب. لكنها تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الجماعات المُسلَّحة الموجودة داخل البلاد للإبقاء على التوتُّرات، وهي آليات ظهرت جليةً في فبراير (شباط) الماضي. وفي المقابل، يحصل الجيش الباكستاني على المُبرِّر الأمثل لأعبائه المُبالغة التي تُثقل كاهل اقتصاد البلاد، بحسب التقرير.

وليست ميزانية الجيش الفرع الوحيد الذي يستهلك موارد البلاد، إذ حكم الجيش البلاد حُكمًا مُباشرًا على مدار نصف تاريخ باكستان الذي يمتد لـ72 عامًا، بحسب تقرير صديقي.

وأشار التقرير إلى أن  إمبراطورية القوات المُسلَّحة تمتد اليوم لتتخطى دورها التقليدي في الأمن. إذ يُدير الجيش قرابة 50 كيانًا تُجاريًا. وشهدت مؤسسة فاوجي، الذراع التجارية الرئيسة للجيش، نُموًّا هائلًا وتضاعفت أصولها بنسبة 78% بين عامي 2011 و2015 فقط، بحسب وكالة «بلومبرج» الأمريكية، ويزيد دخلها السنوي عن 1.5 مليار دولار أمريكي. وتستحوذ المنظمة المدعومة من قِبَل الجيش على حصصٍ في قطاعات العقارات والأغذية والاتصالات.

ويبدو أن الجناح التجاري للجيش يتوسَّع أكثر تحت مظلة حكومة خان، بحسب التقرير. ويزعم مُنتقدو خان أن الجيش الذي دعم ترشُّحه للانتخابات أصبح يتمتع الآن بالحرية لفعل ما يحلو له.

وهناك الكثير من الأدلة التي تدعم تلك المزاعم من وجهة نظر صديقي. إذ أوردت وكالة «رويترز» مؤخرًا تقريرًا يقول: «إن الجيش الباكستاني يستعد لدخول صناعةٍ مربحةٍ أكثر: التعدين والتنقيب عن البترول». وتُشير التقارير إلى أن حكومة خان تُيسِّر الترتيبات بمنح الجيش مُعاملةً تفضيليةً إبان المفاوضات.

جهودٌ لإلغاء التعديلات الدستورية الأخيرة

في الوقت ذاته، يبدو أن أمور الجيش تسير على ما يُرام في مُحاولاته إلغاء التعدِّيلات الدستورية التي أُقرت عام 2010 وخُصِّصت بموجبها المزيد من النفقات الحكومية لاستخدام الحكومات المحلية؛ مما قلَّص الميزانية المُتاحة للحكومة المركزية وحدَّ بالتالي من الإنفاق العسكري.

ونجحت حكومة آصف علي زرداري في تمرير تلك التعديلات لأن ذكريات الحكم العسكري تحت إدارة الجنرال برويز مشرف كانت لا تزال حيةً في القلوب. إذ أُطيح به قبل 20 شهرًا فقط من تمريرها بحسب تقرير «فورين بوليسي».

وأشار التقرير إلى أن نفوذ الجيش يتسلل للعودة إلى طبيعته تدريجيًا منذ ذلك الحين، ويرغب الجيش في وضع نهايةٍ لذلك التعديل الذي يُعتقد أنه يقف عائقًا في وجه توسُّعاته الميزانية، لدرجة أن الجنرال قمر جاويد باجوا، رئيس أركان الجيش، هاجم تعديل عام 2010 علنًا في مارس من العام الماضي، وتناقلت وسائل الإعلام المحلية ذلك الهجوم على نطاقٍ واسع. وحمَّل الجنرال ذلك التعديل المسؤولية عن مشكلات البلاد الاقتصادية. ويُروِّج أعضاء الحزب الحاكم الآن لمخاوفٍ مُشابهة.

ويحذر صديقي كاتب التقرير إسلام آباد من أن توسُّع ميزانية الجيش يزيد صُعوبة تحديد دور مؤسسة الجيش بالشكل المُلائم، ناصحًا صُنَّاع السياسة في البلاد باستغلال مناسبة يوم 23 مارس بوصفها فرصةً للتفكير في أسباب فقر باكستان رغم تضخُّم ثروة قواتها المُسلَّحة، بدلًا عن الاحتفاء بعروضٍ تُروِّج لمزيدٍ من العسكرة.

ويرى صديقي أن عيد الجمهورية هو أفضل وقتٍ للتأمُّل، معللًا ذلك بأنَّه يُمثِّل ذكرى تمرير مُؤسِّسي باكستان لقرارٍ يُطالب بالاستقلال عن الهند التي تُسيطر عليها بريطانيا. وبعد 72 عامًا تحوَّلت البلاد التي نالت الحرية من أسيادها الاستعماريين إلى رهينةٍ تحت رحمة جيشها الخاص. ويكمُن طريق الاستقلال والتقدُّم الحقيقي في التنمية الاقتصادية السلمية، بحسب صديقي، ولا يحدث ذلك عن طريق اقتصادٍ يعيش في أجواء الحرب بشكلٍ دائم.

نفس الأرض ونفس الحضارة.. لماذا إذًا تقدمت الهند وتخلفت باكستان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد