تواجه أوكرانيا مشكلة بسبب فيروس «كورونا» المستجد: معظم التوقعات تتنبأ بحدوث حالة من الركود، فيما تتوقع أفضل السيناريوهات حدوث انكماش اقتصادي بنسبة خمس إلى 10%، إلى جانب تضخم، وتعطل نصف مليون شخص عن العمل.

هذا ما خلُصَ إليه تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» لميليندا هارينج، نائبة مدير مركز أوراسيا التابع لمجلس المحيط الأطلسي، ودوج كلاين، مساعد برنامج في مركز أوراسيا، استهلاه بالتحذير من أن «فيروس «كورونا» المستجد على وشك أن يضرب أوكرانيا، أفقر دولة في أوروبا، وقد يعرقل نشاط الاقتصاد والحكومة».

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
لن ينجو أحد.. سنوات عِجاف تنتظر الاقتصاد العالمي بعد «كورونا»

أوكرانيا تتجه إلى كارثة كبرى

تسلمت الحكومة الجديدة مقاليد السلطة في 4 مارس (آذار)، بقيادة «رجل الاستعراض السياسي»، فولوديمير زيلينسكي، لكن الأسواق لم تتأثر على الإطلاق بهذه الخطوة؛ فبعد تشكيل الحكومة الجديدة، ارتفع العائد على سندات اليورو الأوكرانية قصيرة الأجل من 3.5% إلى 7.75% في السنة.

والآن، تتراجع العملة الأوكرانية «هريفنا»، وأُغلقت أبواب السوق المالي الدولي بالفعل أمام أوكرانيا. وتحتاج الدولة إلى ما يقرب من 10 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ولكن من غير الواضح ما إذا كان البرلمان الأوكراني سوف يلتزم بمطالب البنك أم لا. تلفت ميليندا وكلاين إلى أن هذه الإرهاصات تقرع أجراس الإنذار محذرة من أن «أوكرانيا تتجه إلى كارثة كبرى».

في جنوب أوكرانيا، يتوفر في المستشفيات 130 جهاز تنفس صناعي فقط لـ4 ملايين شخص. و40 من هذه الأجهزة مستخدمة حاليًا في وحدات العناية المركزة؛ مما يعني أنه لا يتوفر سوى 70 جهازًا  فقط في حال ألقى فيروس «كورونا» المستجد بوطأته الثقيلة على البلاد.

Embed from Getty Images

 محتجين وسط العاصمة الأوكرانية تنديدًا بأوضاع الحجر الصحي في المستشفيات

تنهيدة من فرط الإحباط تصدر عن أندريه ستافنيتسر، المالك المشارك لشركة تدير أكبر ميناء خاص في أوكرانيا، قائلًا: «المستشفيات ليست جاهزة على الإطلاق». وستافنيتسر رجل أعمال شاب وصادق، بكل المقاييس، وهو مكلف بوظيفة لا يُحسد عليها ولم يسع إليها قط؛ إذ كلفه رئيس أوكرانيا بقيادة الجهود المبذولة لتجهيز منطقة أوديسا أوبلاست، المتاخمة لـحدود مولدوفا والبحر الأسود، لمواجهة أزمة فيروس «كورونا» القادمة.

ويضيف كاتبا المقال: حتى الآن هناك 480 حالة إصابة مؤكدة بفيروس «كورونا» المُستجد، و11 حالة وفاة، لكن اختبارات الكشف عن الفيروس لا تزال شحيحة، وبالتالي فإن حجم المشكلة غير معروف حتى الآن.

صورة قاتمة عن الأوضاع الصحية في البلاد

إذا انتقلنا إلى الصورة الأكبر عن البلاد سنجدها قاتمة بالقدر نفسه. فأوكرانيا تمتلك 6 آلاف جهاز تنفس صناعي لسكان يبلغ عددهم 44 مليون نسمة، في حين أن ألمانيا التي يبلغ عدد سكانها 82 مليون نسمة لديها 25 ألف جهاز، وطلبت مؤخرًا  10 آلاف جهاز إضافي. 

يقول المقال: إن نظام الرعاية الصحية الأوكراني متهالك، إذا استدعينا الرأفة في التوصيف. ويزخر الحديث عنه بقصص مرعبة عن الرشوة، وحاجة المرء الماسة إلى شراء حقنة نظيفة لنفسه. وفي هذا الصدد قال ستافنيتسر: عندما وصلت أدوات اختبار فيروس «كورونا» المستجد إلى أوديسا، تقاتلت السلطات الإقليمية عليها. ويضيف: «لا يوجد تنسيق، والقواعد تتغير بسرعة».

ويتوقع الخبراء أن يلقي فيروس «كورونا» المستجد بوطأته الثقيلة على البلاد في غضون ثلاثة أسابيع، لكن خزائن الإمداد في المستشفيات فارغة بالفعل من الآن. وهناك نقص كبير في القفازات، والأقنعة، وأجهزة التنفس الصناعي، وأسطوانات الأكسجين. بالإضافة إلى ذلك فإن السكان الأكبر سنًا هم بالفعل أكثر عرضة للتأثر بالفيروس.

نبوءة مستهجنة: «جميع المتقاعدين سيموتون»

أطلق وزير الصحة  الأوكراني، إيليا يميتس، تحذيرًا مستهجنًا مفاده أن «جميع المتقاعدين سيموتون»، وفي وقت لاحق طرده البرلمان الأوكراني يوم 30 مارس. وعلى النقيض من ذلك، اختلف د. أولانا سوبرون، وزير الصحة بالوكالة السابق والطبيب المدرَّب في الولايات المتحدة، مع هذا التشخيص للأوضاع وحاول تهدئة الجميع.

وقال سوبرون لـصحيفة يوكراينسكا برافدا: «لا يمكن أن يكون معدل وفيات المسنين 100%. ففي الصين، مرض 5% فقط من الناس، وفي إيطاليا 8%، وفي كوريا أقل من 1٪. وبناء على ذلك فإن الوزير كان مخطئًا تمامًا». وبغض النظر عن النزاع الذي نشب بين الأطباء، يؤكد المقال أن الوباء سيضرب أوكرانيا بشدة، ولذلك أغلقت الحكومة بالفعل المطارات وأوقفت وسائل النقل العام. وأصبح العمل من المنزل هو القاعدة بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون ذلك. 

Embed from Getty Images

ولكن هناك حدود حقيقية للفترة التي يمكن أن تستمر خلالها هذه الاحتياطات. إذ أظهر استطلاع للرأي اُجري على الإنترنت مؤخرًا أن 27% فقط من الأوكرانيين لديهم مدخرات كافية للبقاء على قيد الحياة لأكثر من شهر إذا فرضت الحكومة حجرًا صحيًا صارمًا.

يعلق جنيدي تيزيكوف، رئيس غرفة التجارة والصناعة في أوكرانيا، على هذا الوضع قائلًا: هذه مشكلة حقيقية لأوكرانيا. إذ فقد ما بين 500 ألف إلى 700 ألف أوكراني عملهم بالفعل بسبب انتشار فيروس «كورونا» المستجد. وبحسب تقديرات تيزيكوف، يمكن أن يزيد هذا الرقم بمقدار خمسة أضعاف خلال الأسابيع القليلة القادمة.

كما عبر ستافنيتسر عن قلقه من عمليات الاحتيال، بينما تحاول الحكومة والشركات تخزين الإمدادات التي تشتد الحاجة إليها. ففي مدينة خاركيف، ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، طُلبت أدوات اختبار فيروس «كورونا» المستجد من الصين. وعندما وصلت الشحنة، اكتشف المسؤولون أنها مجرد أجهزة للكشف عن الأنفلونزا العادية.

الصورة ليست قاتمة تمامًا

وعلى الرغم من هذه المشكلات الحقيقية، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل، بحسب المقال. يقول آندي هوندر، رئيس غرفة التجارة الأمريكية في أوكرانيا: إن الشركات تزيد جهودها وترغب في العطاء. وقد تكون هناك حلول داخل أوكرانيا أيضًا. فالدولة كانت تصنع أجهزة التنفس الصناعي، لكن الشركة تدهورت. 

وقال أفيراس أبرومافيسيوس، رئيس شركة «أوكروبورونبروم» العسكرية المملوكة للدولة: إنهم وجدوا نماذج غير مكتملة لأجهزة التنفس الصناعي وأعطوها لشركات خاصة (لتتولى استكمالها). وهناك شركات أخرى تكثف جهودها. ويضيف أبرومافيسيوس أن شركة «نافاتور» تقوم بحياكة الأقنعة، وتعهدت بصنع 100 ألف خلال الأسبوع المقبل.

بالإضافة إلى ذلك تتمتع أوكرانيا بالموهبة، ولديها وفرة في المعرفة الهندسية والعلمية. علاوة على ذلك تتميز البلاد بمفهوم «اصنعه بنفسك». فإذا لم تستطع الحكومة توريد أجهزة التنفس الصناعي ومعدات الوقاية الشخصية، فسيبدأ الأوكرانيون العاديون في صنع أجهزتهم الخاصة.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
«واشنطن بوست»: بـ2 تريليون دولار.. كيف أقرت أمريكا أكبر خطة إنقاذ في تاريخها؟

ويضيف كاتبا المقال: في الوقت الحالي، وبينما يبدأ الأوكرانيون في الاستعداد للأسوأ، يشجع سوبرون، الطبيب ووزير الصحة السابق، الناس على التباعد الاجتماعي، والإكثار من غسل اليدين، ولكن دون الوصول إلى درجة الارتياب المرضيّ.

وبالنسبة لأولئك الذين يميلون إلى تقديم يد العون يوصي سوبرون بالتبرع لمنظمة «مرضى أوكرانيا»، وهي منظمة غير حكومية ذات سمعة لا تشوبها شائبة تعمل في جميع أنحاء البلاد لتوفير معدات الوقاية الشخصية للأطباء، وأجهزة الأشعة السينية، وغيرها من المعدات التي تشتد الحاجة إليها.

ويختم المقال بالقول: يشير سوبرون – وهو على حق – إلى أننا «لا نزال في بداية الوباء بأوكرانيا». لذا ترقبوا ما هو قادم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد