كثرت مؤخرًا الأنباء عن تعرض عددٍ من وكالات الإعلام الشهيرة لأزماتٍ مالية، واتجاه بعضها إلى الإغلاق أو الاندماج مع بعضها. وفي هذا الصدد نشرت مجلة «ذي أتلانتيك» مقالًا للكاتب ديريك تومسون، يتحدث فيه عن مستقبل وسائل الإعلام والصحف من وجهة نظره.

منذ عام تحدث تومسون في مقالٍ عن النهاية التي ستواجهها المنصات الرقمية الصاعدة والعلامات التجارية المرموقة في عالم الإعلام. موضحًا أنَّ منصتي «بازفيد» و«فايس» خفضتا توقعاتهما للإيرادات بنسبة كبيرة، فيما أعلنت «نيويورك تايمز» تراجعًا حادًا في الإعلانات.

ومؤخرًا، أشار في مقالٍ آخر إلى عمليات تسريح الموظفين الجارية في شركات «فوكس ميديا»، و«فايس»، و«بازفيد»، وبيع شركة «ميك»، التي قُدِّرَت في الماضي بمائة مليون دولار، مقابل 5 مليون دولار فقط، بعد فصل معظم طاقمها. هذا فيما أعلنت رويترز خطتها لتسريح أكثر من 3 آلاف موظف خلال العامين القادمين.

في رأي تومسون، تتسع الأزمة وتنتشر، مؤثرةً على رؤوس المال الاستثمارية والأسماء التجارية الكبيرة المرموقة، ولا أحد في مأمن منها، والكل تقريبًا مُعرَّض للخسارة.

لكل صناع المحتوى.. ملخص شامل لأهم توقعات عالم النشر والصحافة الرقمية في 2019

يوضح تومسون أنَّه من المغري الاعتقاد بأنَّ هذه هي النهاية المحتومة للعبة الاحتكار التي تمارسها شركتا «جوجل» و«فيسبوك»، إذ تحصل الشركتان بالفعل على أكثر من نصف الأموال التي تُنفَق على الدعاية الرقمية، وقادتا 90% من معدلات النمو في مبيعات الإعلانات الرقمية العام الماضي. لكن ما يحدث في الإعلام الآن أكثر تعقيدًا. فنحن نشهد كما يشير ديريك، التقاء أربعة عوامل مؤثرة رئيسة تغير مستقبل الإعلام:

1. ظهور العديد من اللاعبين

يرى ديريك أنَّ المسألة غير مقتصرة على «فيسبوك» و«جوجل»، فكل شركة تقنية ضخمة تتحدث عن بيع الإعلانات؛ مما يعني أنَّ كل الشركات التقنية الكبيرة قد تصبح منافسًا آخر في الصراع على أرباح الإعلانات.

ويستشهد بتوسع أعمال إعلانات شركة «أمازون» العام الماضي، التي تجاوز نموها كل شركة تقنية أخرى، حتى احتكار «فيسبوك» و«جوجل». ووفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال» تبني آبل تقنيةً قد تسلب إيرادات الإعلانات من التطبيقات الكبيرة مثل «سنابشات» و«بينترست». وستحقق «مايكروسوفت» إيرداتٍ بقيمة 4 مليار دولار من أرباح الإعلانات هذا العام بفضل نمو موقعي «لينكدإن» و«بينج» التابعين لها.

وسائل الإعلام الجديدة

وتشير التقارير بحسب تومسون إلى دخول شركة «أوبر» أيضًا مجال الإعلانات، إذ تتطلع إلى مصادر جديدة للربح لتحسين فرص الطرح العام الأولي لسنداتها، والمنتظر حدوثه قريبًا. وتبني شركة «إيه تي أند تي» شبكة إعلانات لتواكب استثماراتها في محتوى شركة «تايم وارنر»، بينما تعمل شركة «روكو» التي تبيع معدات البث التلفزيوني على تصميم تقنية إعلانات.

ويضيف ديريك، نقلًا عن موقع «أكسيوس»، أنَّ شركات «أوراكل» و«أدوبي» و«سايلزفورس» تستخدم منصاتها للتخزين السحابي في جمع البيانات التي يمكن استخدامها في استهداف المستخدمين بالإعلانات.

لدي شركات التقنية هذه جمهور وبيانات أكبر مما تتمنى أي شركة إعلامية، والنتيجة في رأي ديريك هي جذب المزيد من الإعلانات، ليس فقط تجاه مبيعات الإعلانات «المبرمجة» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لكن أيضًا نحو الشركات التي لا تعمل بشكل أساسي في صناعة الأخبار.

2. قلة عدد «المنقذين»

منذ انتقلت الإعلانات إلى المنصات الرقمية، تحول الإعلام الإخباري في رأي ديريك إلى تأليه البطل المخلص. في البدء تصور وكالات الأنباء أنَّ جهاز «الآيباد» سينقذ الإعلام، ثم تحول البطل إلى رأس المال الاستثماري، ثم كان الوعد الغامض بإنشاء منصة مثل «هولو» (موقع بث الأفلام والبرامج على الإنترنت) للأخبار، ثم انتقل الانتباه إلى منصة الفيديو على «فيسبوك»، ومن بعده منصات التسجيلات الصوتية.

مترجم: رغم خدماته المجانية.. من أين تأتي أرباح «واتساب»؟

ويتابع ديريك أنَّ كل هؤلاء المخلصين أثبتوا عدم فاعليتهم. فالآيباد رائع لأغراض متعددة، لكن كلها لا تتضمن إعادة الحياة لنماذج أعمال تعود لمنتصف القرن العشرين. وأصحاب رؤوس المال توقعوا من شركات الإعلام إنتاج عائدٍ مماثل للشركات التكنولوجية، لذا تراجعوا جميعًا عندما أدركوا ما لم يخبرهم به أحد، وهو أنَّ الأخبار ليست مصدرًا للربح.

حتى الشركات التي أفنت نفسها بالكامل لصالح أخرى مثلما فعلت «ميك» لـ«فيسبوك»، انتهى بها الحال إلى الانهيار بعد أن غيرت الأخيرة أولوياتها.

3. ليست هناك قواعد واضحة

يرى ديريك أنَّ قواعد العمل في مجال الإعلام غير واضحة، ولا تسير وفق خطوات معروفة مسبقًا؛ إذ تجرب المؤسسات الجديدة كل شيء وأي شيء. خلال العامين الماضيين، أعادت الكثير من الصحف والمجلات توجيه أعمالها حول اشتراكات الأعضاء؛ إذ أصبحت تطلب من القراء تعويض الربح الذي فُقِدَ بتراجُع الإعلانات. حتى أنَّ بعض الصحف والمجلات (منها «ذي أتلانتيك») تطلب من المعجبين ليس فقط أن يصبحوا متابعين، بل أعضاءً يدفعون المال ليتعمقوا في أعمال صحافييهم وكتابهم المفضلين.

وبنت شركاتٌ مثل «أكسيوس» و«كروكد ميديا» و«بازفيد» و«فايس» و«فوكس» ستوديوهات إنتاج تلفزيوني، وباعت برامج لشركاتٍ مثل «إتش بي أو» و«نتفلكس». فيما تفتتح شركة «بازفيد» محلًا تجاريًا في نيويورك، وتتجه لبيع سلع المطبخ مع متاجر «وال مارت».

فوكس نتفلكس

تعاونت «فوكس» مع نتفلكس لتقديم برنامج «Explained» على منصتها

في النهاية، ورغم كل شيء، لا يدعم السوق في رأي ديريك بعض أنواع الصحافة. ويعطي مثالًا على ذلك بوصول عدد المراسلين المحليين في الولايات المتحدة الأمريكية الآن إلى أقل عدد منذ السبعينات، رغم أنَّ عدد السكان زاد بنسبة 50%. ويضيف أنَّ البحث أظهر صلةً مباشرة بين تراجع الصحافة المحلية وقلة المشاركة المدنية. وإذا كانت الأخبار المحلية سلعةً عامة، ربما إذًا تستحق الدعم العام حتى لو في شكل إعانةٍ حكومية، لكنَّ تومسون يعتقد أنَّ طلب الدعم العام قد يبدو سلوكًا انهزاميًا.

4. رعاة مختلفون في اهتماماتهم

يوضح تومسون أنَّ الصحف التي كانت على قمة الشركات المطروحة للتداول العام وجدت ملاذًا في أموال الرعاة الأثرياء، وانتهت العديد من الأسماء المرموقة في يد المليونيرات الأثرياء، منها مجلة «تايم» التي أشتراها مارك بينوف، مؤسس «سايلزفورس»، و«واشنطن بوست» التي يمتلكها جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون»، فيما اشترت شركة «إميرسون كوليكتيف» التي أسستها لورين باول أغلبية أسهم «ذي أتلانتيك» في 2017.

وربما يشعر هؤلاء الذين يحنون لأيام الرخاء بالتقزز عند ذكر رعاية الأثرياء للصحف أو المجلات الإعلامية، لكنَّ ديريك يرى التحقيقات الاستقصائية التي تقوم على دعم الأثرياء أفضل بكثيرٍ من لا شيء.

المشكلة التي يراها ديريك بخصوص هذا الأمر هي أنَّ الراعي مجرد شخص، والشخص يمكن أن يغير رأيه، وهذا يحدث عادةً. ويضرب مثالًا بما فعله كريس هيوز، حين تخلى عن مجلة «نيو ريبابليك»؛ لأنَّ خسائرها فاقت مثاليته، وفيليب أنشوتز الذي تراجع عن دعم مجلة «ويكلي ستاندارد»، والضجة التي أثارها مايكل بلومبرج عندما أعلن أنَّه لو ترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية سيتخلى إما عن منصبه السياسي، أو سيصفي إمبراطوريته الإعلامية الضخمة التي توظف آلاف الأشخاص.

مستقبل الإعلام بعد تراجع الإعلانات

ربما يبدو هذا كله مفاجئًا، لكن بالنسبة لديريك، صناعة الأخبار كانت دومًا غير مستقرة. ويبدو الأمر المنطقي بالنسبة له أنَّ وسائل الإعلام ستلجأ إلى تمويله عن طريق الجمع بين الاشتراكات، والرعاة، والإيرادات الإضافية التي تُجنى من الفاعليات والمحتوى المرخص، حتى تستطيع أن تتابع عملها. وأيًا كانت الطريقة التي ستلجأ لها الشركات، ستلعب الإعلانات بلا شك دورًا أقل.

يرى ديريك أنَّه لفهم مستقبل الإعلام بعد الإعلانات، علينا أن نعرف ماضيه. في بدايات القرن التاسع عشر، وفي الحقبة التي عُرفت باسم إعلام الأحزاب، اعتمدت الصحف على الرعاة، وكان هؤلاء الرعاة أحزابًا سياسية قدمت عقودًا لكتابها المفضلين أو دفعت مباشرةً لكتاب وظفتهم لمهاجمة منافسيهم.

وتبعًا لهذه الظروف، يعتقد ديريك أنَّ الصحافة في هذه الحقبة كانت مستغرقة في السياسة ومتحيزة بشدة، لكنَّ بعض المؤرخين اعتبروها أيضًا أكثر جذبًا للقراء؛ إذ نما عدد الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية من عدة عشرات في نهاية عام 1700 إلى أكثر من 1200 في ثلاثينات القرن التاسع عشر.

جرَّبت هذه الصحف عددًا متنوعًا من الأساليب الصحافية ومحاولات جذب الجمهور. ويستشهد ديريك برأي جيرالد بالدستي، الأستاذ في جامعة واشنطن، الذي رأى أنَّ الصحف في هذه الحقبة عاملت القراء كمجموعة من الناس الذين يجب الانخراط معهم وتحفيزهم، ولهذا ارتفعت معدلات التصويت إلى أعلى مستوياتها في منتصف القرن.

في رأي ديريك، أودت الإعلانات بالصحافة الحزبية؛ إذ سمحت للصحف بالاستقلال عن الرعاة وبناء المعايير الحديثة للصحافة «الموضوعية». لكنَّها كذلك أنتجت أسلوبًا متجردًا وقاصرًا في عمل التقارير الصحفية، أسلوب يقدم رؤيةً غير واضحة ويهدف لتجنب الإساءة للمعلنين الكبار. ونمت الصحف المدعمة بالإعلانات لتصبح عملًا مربحًا، لكن يمكن القول إنَّها رسخت استخدام التغطية الصحفية الخانعة بدلًا عن السعي لجذب القراء.

بانتقال الصحف مرةً أخرى من الاعتماد على الإعلانات إلى الاعتماد على الرعاة والقراء، قد تفلت الصحافة من طريقة الرؤية الشاملة المسطحة للموضوعات، وتتحدث مباشرةً عن العالم بطريقة ربما كانت لتبدو وقحة في صحف منتصف القرن التاسع عشر. ستصبح الصحافة سياسيةً أكثر مرةً أخرى، وستصير بالتبعية أكثر انخراطًا.

وهذا وفقًا لديريك هو ما يحدث الآن بالفعل. فعلى سبيل المثال، في العقود الأخيرة الماضية، انتقلت أرباح «نيويورك تايمز» من الاعتماد على الإعلانات بنسبة 60% إلى الاعتماد على مشاركات القراء بنسبة 60%، وبتغير نموذجها التجاري، تغيرت التغطية التي تقوم بها، وأصبحت تفسيريةً أكثر للأحداث.

يوضح ديريك أنَّ صحافة منتصف القرن التاسع عشر كانت واسعة النطاق ولا تثير الاعتراضات؛ لأنَّ الإعلانات كانت مصدر دخلها، أما الإعلام الإخباري المستقبلي يمكن أن يكون متنوعًا وعشوائيًا مثل قرائه؛ لأنَّ التربح منهم هو تحدي القرن الذي تواجهه صناعة الأخبار الآن.

من حينٍ لآخر يتلقى ديريك سؤالًا عما إذا كنا سنعود إلى العصر الذي كانت الدولة فيه متفقة على عددٍ من الحقائق، وهؤلاء السائلين بالنسبة له يشعرون بالحنين إلى منتصف القرن التاسع عشر، حينئذٍ كان بإمكانهم عد قنوات التلفاز على يدٍ واحدة، والاعتماد على احتكار الإعلام المحلي في التحكم في تدفق المعلومات الكبير.

لكنَّ هذا الماضي الذي ينشدونه لن يعود بحسب ديريك؛ ذلك أنَّه يرى أنَّنا تجاوزنا القرن العشرين وعدنا إلى ماضٍ أكثر تشويقًا وإثارة، وربما يكون هو أيضًا مستقبلنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s