بدأ شادي حامد الباحث بمعهد «بروكنجز» ومؤلف كتاب «الاستثناء الإسلامي: كيف يعيد الصراع على الإسلام تشكيل العالم»، مقاله المنشور عن الإسلاموية والدولة الليبرالية وما بعد الليبرالية في الشرق والغرب في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، يأن الثقافة السياسية الغربية تم تعريفها من خلال التزام واسع النطاق بالليبرالية٬ وهي فلسفة سياسية قائمة على الاختيار الفردي والحقوق غير القابلة للتفاوض٬ لا سيما حقوق الأقليات، وحياد الدولة٬ وتقييد دور المعتقد الديني الخاص في المجال العام.

لكن في الآونة الأخيرة، بدأ عدد متزايد من المفكرين والسياسيين الغربيين يجعلون هذا الالتزام بالليبرالية موضع تساؤل. أعادت الحركات الشعبية في أوروبا والولايات المتحدة إحياء المفاهيم الليبرالية للهوية والانتماء العرقي، في حين كتب مؤلفون مثل الروائي الفرنسي ميشال ويلبك والمنظر السياسي الأمريكي باتريك دينين كُتبًا عن المجتمع الليبرالي تضم الأسئلة الأكثر جوهرية لما يعنيه أن يكون الإنسان غير قادر على الحفاظ على نفسه على المدى الطويل، فقد تناوب هؤلاء النقاد على اقتراح بدائل جدية لليبرالية.

يذكر الكاتب في مقاله أن الغرب يجد نفسه متخلفًا عن الشرق الأوسط في كيفية تصور الهوية الوطنية وبدائل الليبرالية، فقد أدى سقوط الأنظمة الاستبدادية خلال الربيع العربي قبل أكثر من سبع سنوات، إلى إثارة نقاش جدلي حول دور الدين في الحياة العامة. كان للإسلاميين وغير الإسلاميين التزامات مختلفة غير قابلة للتفاوض تتمحور حول ما إن ستكون الدولة محايدة أيديولوجيًا أم يمكنها أن تفوض نفسها بمهمة دينية وسياسية؟

الطاعة

لم تحقق الليبرالية نجاحًا كبيرًا في الربيع العربي على الرغم من آمال المراقبين الغربيين،ولم تكن بدائل الليبرالية لا سيما الإسلاموية مجرد اعتبار في دول مثل مصر وتونس من دون وجود إجماع ليبرالي سابق، لقد وعدت الحركات الإسلامية ببديل لليبرالية٬ إذ كانت تعتقد تلك الحركات أن الإسلام والشريعة الإسلامية يلعبان دورًا مركزيًا في الحياة العامة.

بالنسبة إليهم، تعني الحرية الحقيقية أن يكون المرء متدينًا كما يرغب، وفي المجتمعات المحافظة يميل هذا إلى أن يكون دينيًا تمامًا، وكما أوضح عبد المنعم أبو الفتوح، العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين لكاتب المقال: «لن يمنح البرلمان حقوق المثليين لأن ذلك يتعارض مع ثقافة المجتمع السائدة وإذا فعل أعضاء البرلمان ذلك، فإنهم سيفقدون الانتخابات المقبلة. سواء كنت شيوعًا أو اشتراكيًا أو أيًا كان، هناك بالفعل احترام للشريعة».

تميل الخطوط العريضة لمجتمع إسلامي أسطوري إلى أن تبقى غامضة بما يتجاوز التفضيل العام لمزيد من المحافظة الاجتماعية أكثر من ذلك، ستكون التفاصيل صعبة دائمًا لأن الشريعة الإسلامية لم تصمم من أجل الدولة القومية أو النظام الدولي الحديث، الإسلام في شكله الأصلي، يفترض أن الولاء الرئيسي للمجتمع الديني بدلًا من الأمة.

قبل الربيع العربي، بدا احتمال استخدام السلطة فعليًا بعيدًا عن معظم الإسلاميين، لذلك كان من الأسهل تعليق الأسئلة الأكثر صعوبة حول ما قد يبدو عليه المجتمع الإسلامي الفعلي، وكانت صفوف الإخوان المسلمين تخلو من المفكرين أو الباحثين٬ ومليئة بالأطباء والمهندسين والمعلمين. بما أن معظم الناخبين في المجتمعات المحافظة دينيًا كانوا بالفعل غير ليبراليين تراجعت الأحزاب الإسلامية على افتراض سهل٬ وهو أيًا كانت الحكومة المنتخبة فإنها ستعكس عدم ليبرالية الناخبين.

في معظم بلدان الربيع العربي لم يدم صعود الإسلاميين طويلًا، تم عكس المكاسب الديمقراطية بسرعة، وتحديدًا في مصر تم محوها بالكامل. عُلقَ أي نقاش حقيقي يخص الأسئلة التأسيسية، وأصبح التنازع حول كيفية تطبيق الشريعة. في النهاية ستكون الأسئلة الدائمة حول علاقة الدولة الحديثة بالشريعة الإسلامية مهمة بالطبع، لكن في سياق الاستبداد الموهن والاضطهاد السياسي فإن مسائل البقاء لها الأسبقية.

الكنيسة والدولة

تظهر المناقشات حول الأيديولوجية والهوية أثناء وقت مبكر في التحولات الديمقراطية، كما حدث خلال الربيع العربي، لكنها تميل إلى التأرجح على مستوى سطحي. يتطلب التفكير بعمق في مرحلة ما بعد الليبرالية مستوى أدنى من حرية التعبير التي لا توجد حاليًا في معظم الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك، تحول قلب المناقشات من الشرق إلى الغرب حول بدائل الليبرالية.

ويقول الكاتب في مقاله إن انتخاب الرئيس دونالد ترامب٬ وهو أول رئيس ديمقراطي غير ليبرالي في الولايات المتحدة، وصعود الشعبوية اليمينية عبر أوروبا أدى إلى تنشيط مجموعة من المفكرين البارزين في مرحلة ما بعد الليبرالية، الذين يتحدون الآن التقاليد الفكرية الأصلية التي كانت مهيمنة عقودًا في الغرب.

 

أعلن الفيلسوف الأسكتلندي ألاسدير ماكنتاير نفسه واحدًا من أكثر منتقدي الليبرالية تأثيرًا، وجادل بأن المجتمعات الغربية قد تخلت عن أي ادعاء بتوافق أخلاقي حقيقي، وقد كتب في التصور الليبرالي: «نحن لا نولد مع ماض، إلا بحاضر، وبالطبع مستقبل»، ويقول حامد إننا سنجد أصداء ماكنتاير في كل مكان عندما نستقرئ حال الليبرالين اليوم٬ فقد أصبحت الليبرالية التي كانت ذات يوم تقليدًا سياسيًا، مشروعًا أيديولوجيًا طموحًا مع القليل من التسامح مع المنافسين الحقيقيين. يتم تبني الرذائل كفضيلة، وأصبح الدين غريبًا وقريبًا من الحقيقة.

حتى الآن، يبدو أن الإسلاميين لا يدركون إلى حد كبير هذا المزاج الغربي الجديد، فقد شكل الإخوان المسلمون في مصر –على عكس نظرائهم في ليبيا وسوريا واليمن– التي تستهلكها الحرب الأهلية٬ بعض المناقشات الداخلية الأكثر أهمية لأي حركة إسلامية كبرى. بادئ ذي بدء، عانت المجموعة من انقسامات داخلية غير مسبوقة، فشلت مبادرة التحكيم في يناير (كانون الثاني) عام 2016 في الدوحة، بقيادة الواعظ المثير للجدل يوسف القرضاوي، في سد الفجوة بين الفصيلين الرئيسيين.

على الرغم من أن الانقسامات في جماعة الإخوان المسلمين المصرية تدور حول قضايا تنظيمية وتكتيكية، إلا أنها تخفي انقسامًا أيديولوجيًا أعمق حول ما يعنيه أن تكون في يوم من الأيام حركة دينية وحزبًا سياسيًا. فالحركات والأطراف، بعد كل شيء، موجهة أساسًا نحو أهداف مختلفة: التعليم الديني، توفير الخدمات الاجتماعية، وطهارة الأول وفوز الانتخابات للأخير.

ضمن الفصيل الأكثر إصلاحًا، هناك مجموعة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معها الذين يهتمون بتقييد الدولة وحتى إضعافها (وقبل أي شيء آخر ربما تطهيرها). بالنسبة لهم، فإن وجود الدولة القومية –وهوس الإسلاميين منذ فترة طويلة مع السيطرة عليه من خلال الانتخابات– قد أفسد الأسس الدينية لهذه الحركات. يفضلون تركهم وحدهم، متحررين من تدخل الدولة، لإعادة بناء تحركاتهم من الأسفل إلى الأعلى.

ومن غير المحتمل أن يكون هؤلاء الإسلاميون الأصغر سنًا على دراية بالكاتب المسيحي الأمريكي الراحل رود دريهر، الذي جاء بشعبية فكرة المجتمعات الفاضلة الليبرالية كجزء من حجة أوسع مفادها أنه لا السياسة الانتخابية٬ ولا الدولة ستسمح للمسيحيين بأن تعيش قيمهم. وكما قال أحد ناشطي الإخوان السابقين لحامد: «المبدأ السائد هو (المجتمع القوي، الدولة الضعيفة)، لا يمكنك استخدام الدولة لتطبيق رؤيتك الفكرية» وأوضح قائلًا: «خاصة عندما تكون تلك الرؤية مختلفة عن رؤية الأغلبية».

المفارقة هي أن المجتمعات الفاضلة، لم تجد سوى النجاح داخل المجتمعات الليبرالية. وبخلاف المجتمع الليبرالي، قد يكون الطريق الواعد لأولئك الراغبين في إعادة تشكيل المجتمع على اختلاف خطوطه عبارة عن دول شبه فاشلة، إذ تفتقر الحكومة المركزية إلى السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي. من غير المفاجئ إذن أن يبرز لبنان، الذي يمكن القول بأنه أكثر دول العالم نجاحًا في الفشل، نسخته المشوهة من المجتمعات الفاضلة التي يكون فيها ولاء الناس الأساسي طائفيًا وليس وطنيًا، وتعيش المجموعات معًا في سلام بارد. ولكن بالنسبة للنموذج المحلي لعقد أي وعد حقيقي ربما يتطلب حسابًا بالمناهج الحديثة للمجتمع. في التصور الإسلامي، كانت الدولة النبوية في المدينة المنورة مجتمعًا متعمدًا من المؤمنين المتشابهين في التفكير، وأساس الإسلام المتشابك الأصلي للدين والسياسة.

يختتم حامد مقاله بأن كل هذه الإلهامات الحديثة تتشارك في سمة واحدة شائعة٬ وهي دولة ضعيفة لا مركزية وتتمتع بسلطة قضائية محدودة، ولديها اهتمام أقل في إدارة حياة مواطنيها. سواء في الغرب أو العالم الإسلامي، يصعب إيجاد هذه الأنواع من الدول. فالدولة الحديثة توسعية بحكم التعريف، إذا كان عمل التراجع عن ما تم إنجازه بالفعل يبدو مثبطًا فهذا لأنه كذلك. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يمنع أي شخص من المحاولة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد