تمثل الانتخابات البرلمانية أمرًا سيئًا للرئيس الفلسطيني والمسؤولين غير المنتخبين الذين يديرون السلطة الفلسطينية، الذين يقدِّسون الوضع الراهن المزيف للسيطرة على الضفة الغربية.

كتبت عميرة هاس، الصحافية والكاتبة الإسرائيلية التي تسكن في الضفة الغربية، وتُعد من أهم الصحافيين الذين يدافعون عن الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، تحليلًا نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بشأن قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتأجيل الانتخابات الفلسطينية. وترى الكاتبة أن عباس بقراره هذا يثبت أنه يُقدِّم مصالح إسرائيل على مصالح الشعب الفلسطيني الذي يتوق إلى العملية الديمقراطية وسجَّل 93% منه بالفعل للإدلاء بأصواتهم.

وتستهل الكاتبة تحليلها بالقول: إن قرار تأجيل الانتخابات العامة الفلسطينية إلى أجل غير مُسمَّى، والذي أعلنه الرئيس محمود عباس الخميس، يثبت أنه وحفنة من رفاقه المقربين التابعين لحركة فتح – الذين يستمع إلى نصيحتهم – أكثر ولاءً لمصالح إسرائيل من خلال الحفاظ على الوضع الراهن ومَنْع أي صدمات أو تغييرات.

مواقع صديقة

منذ شهرين
ديفيد هيرست: ‎انتخابات فلسطين قفزة إلى المجهول لحركتي فتح وحماس

وتمضي الكاتبة إلى أنه بتأجيل انتخابات 22 مايو (أيار) لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني، يُظهِر عباس ورفاقه أن معارضة إسرائيل لإجراء الانتخابات – وهي الأولى للفلسطينيين منذ عام 2006 – مُقدَّمة لديهم على آراء 93% من الناخبين، الذين سجَّلوا أسماءهم للمشاركة في التصويت وأعربوا بوضوح عن تَوْقِهم إلى العملية الديمقراطية.

ومن المفارقات أن الوضع الراهن ليس كذلك: إنه يتغير باستمرار على حساب الفلسطينيين، شعبًا وأفرادًا، ويتغير لصالح استيلاء إسرائيل على أراضيهم ومنازلهم.

الاستحواذ على المناصب ومغانِم المقربين

وتشير الكاتبة إلى أن هذا الوضع المزيف يسمح لحركة فتح الجامدة بالتمسك بمناصب السلطة الاقتصادية، والإدارية، والسياسية، في الضفة الغربية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. ويسمح هذا الوضع أيضًا للمسؤولين غير المنتخبين – الذين يعتمدون على مجدهم الماضي باعتبارهم مقاتلين ضد الاحتلال في المنفى، أو في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، أو الذين فازوا في انتخابات انتهت صلاحيتها منذ مدة طويلة – بالاستمرار في تطوير طبقة من كبار موظفي الخدمة المدنية ومسؤولي الأمن البارزين والحفاظ على ذلك. كما يسمح لهم بالاستمرار في السيطرة على عدد من المبادرات في القطاع الخاص مع الترويج للشركاء والمقرَّبين وإعطاء الأفضلية لهم. 

Embed from Getty Images

إن الالتزام الصارم من جانب السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح باتفاقات أوسلو، وخاصة التعاون الأمني ​​مع إسرائيل، يؤدي إلى الحفاظ على بعض الاستقرار في المنطقة. ويُترجَم هذا الالتزام بدوره إلى تمويلات وتبرعات من المجتمع الدولي، وهي أمور مهمة لعمل السلطة الفلسطينية حتى وإن كانت قد تقلَّصت في السنوات الأخيرة.

استقرار ولكن على حساب الفلسطينيين

وشددت الكاتبة على أن هذا الاستقرار، المعروف على نحو أكثر دقة بالحفاظ على أمن إسرائيل على حساب أمن الفلسطينيين وحقوقهم، مهم لعديد من الدول المانحة، وعلى رأسها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي استأنفت دعمها المالي للفلسطينيين في عهد الرئيس جو بايدن. وربما أعرب الاتحاد الأوروبي عن دعمه لانتخابات ديمقراطية ووَعَد بأن يسعى جاهدًا لإجراء التصويت، ولكن من الصعب أن نراه يستخدم نفوذه ضد السلطة الفلسطينية – أي يوقف الدعم المالي الذي يقدمه لها – لأنها لم تُجرِ الانتخابات. إنها العصا نفسها التي استخدمها الاتحاد الأوروبي ضد الفلسطينيين من قبل، وكان ذلك بعد صعود حماس إلى السلطة في عام 2006.

وأوضحت الكاتبة أن الانتخابات الفلسطينية تُعد أمرًا سيئًا لإسرائيل وللطبقة الفلسطينية الحاكمة غير المنتخبة للأسباب الآتية: كانت هذه الانتخابات سببًا في إحداث بعض التغييرات، ومن أهم هذه التغييرات الانقسام الفلسطيني الذي نشأ عنه سلطتين سياسيتين وتنفيذيتَيْن في الضفة الغربية (تحت سيطرة حركة فتح) وقطاع غزة (تحت سيطرة حركة حماس). وعلى أي حال، كان هذا الانقسام ركيزة أساسية في السياسة الإسرائيلية منذ عام 1991. والحملة الانتخابية تعني تبادل الآراء، وإبداء الآراء الناقدة، والمناقشات والحجج المستمرة التي تتخطى حدود الرقابة الفلسطينية الداخلية التي ينظمها عباس.

Embed from Getty Images

وتوضح الكاتبة أنه في مثل هذه الحملة الانتخابية التي أُسدِل عليها الستار بتأجيل الانتخابات، ستكون إسرائيل أيضًا خاضعة لتدقيق دولي – لنرى إلى أي مدى ستذهب لتخريب الانتخابات من خلال الاعتقالات وحظر التعبير عن الآراء (الآراء المُعارِضة لموقف فتح الرسمي). وتضمن الانتخابات التي يشارك فيها 36 حزبًا مفاجآت وتغييرات غير مخطط لها وتحالفات جديدة. وهناك 1400 مرشح، 405 منهم من النساء، و39% منهم في سن الأربعين وما دونه، يتنافسون على 132 مقعدًا. وكان من شأن هذا أن يضمن وجود برلمان يضم مُشرِّعين أصغر سنًّا يجب عليهم الاستماع إلى ناخبيهم.

الفساد والمحسوبية

وتورد الكاتبة القضايا التي تزعج الجمهور الفلسطيني، فتشير إلى أن هذه القضايا تتعلق بالفساد والمحسوبية وأوسلو والتنسيق الأمني​​، حيث تقوم إسرائيل باستمرار بتوسيع المستوطنات، وانعدام الشفافية ومساءلة الأشخاص المسؤولين، والعجز أمام عنف المستوطنين، وقضية إقامة الدولة، فضلًا عن الضعف السياسي. وكانت الفرصة متاحة لإثارة كل هذه القضايا في مثل هذا البرلمان.

وليس من المؤكد على الإطلاق أن حماس كانت ستصبح المستفيد الرئيس من هذه الانتخابات. وربما كانت قائمتها ستصبح الأكبر في البرلمان، لكن ليس بأغلبية تسمح لها بتشكيل ائتلاف، بحسب الكاتبة.

عربي

منذ شهرين
«المونيتور»: ما هي فرص فوز ناصر القدوة بالانتخابات الرئاسية الفلسطينية؟

وكان من الممكن أن تحصل قائمتان تابعتان لفتح (قائمة «الحرية» وقائمة «المستقبل»؛ الأولى بقيادة ناصر القدوة بدعم من القيادي الفتحاوي المسجون مروان البرغوثي، والثانية بقيادة التيار الإصلاحي في حركة فتح الذي يقوده القيادي المطرود من الحركة محمد دحلان)، بالإضافة إلى قائمة فتح الرسمية، على أصوات مؤيدي فتح الذين سئموا من حكم عباس، والذين صوتوا في عام 2006 لصالح حماس احتجاجًا على حركة فتح ونِكايةً فيها. وكان من الممكن أن تُكوِّن الأحزاب الثلاثة، إلى جانب الأحزاب الأخرى التي تعارض الإسلام السياسي، قوة مهيمنة في البرلمان الجديد وتشكل ائتلافًا، لكن من دون سيطرة عباس المطلقة، هناك فجوة كبيرة، وهو أمر مناسب أيضًا لإسرائيل.

ماذا خسر الفلسطينيون بتأجيل الانتخابات

كما أن تأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني سيؤخر محاولة إعادة المجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني بأسره، سواء هنا أو في المنفى. وكان من المفترض أن تكون المرحلة الثالثة من الانتخابات، بعد انتخاب الرئيس، هي انتخابات المجلس الوطني، مجلس النواب لمنظمة التحرير الفلسطينية، فيما كان من المفترض أن يضم أعضاء المجلس التشريعي إليه تلقائيًّا.

وفي السنوات الأخيرة تنامت الدعوات لإحياء هذه المؤسسة الفلسطينية الجامعة، باعتبار ذلك إحدى محاولات إعادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى وضعها بوصفها هيئة تحدد السياسة الفلسطينية. وخلال سنوات أوسلو، انعكس الوضع وأصبحت السلطة الفلسطينية – التي هي على الورق تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية – هي المؤسسة السياسية الرئيسة، تاركة منظمة التحرير الفلسطينية كالقذيفة الفارغة.

Embed from Getty Images

وداخل السلطة الفلسطينية، فتح هي الحركة المهيمنة، وعباس ودائرة صغيرة من رفاقه هم صانعو القرار الوحيدون. ومن المريح جدًّا لإسرائيل أن تُدار السياسة الفلسطينية على يد مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين الذين تتحكَّم إسرائيل في امتيازاتهم ومستقبلهم المالي – هم وعائلاتهم – وكأنهم رهائن بين أيديها.

وردَّد شركاء عباس ترنيمة «لا انتخابات من دون القدس» على نحو متزايد في الأسابيع الأخيرة مع اقتراب موعد افتتاح الحملة الانتخابية، الجمعة 30 أبريل، دون إعطاء إسرائيل موافقتها الرسمية على التصويت في القدس. وكان رئيس قائمة فتح ونائب عباس محمود العالول قد قال يوم الأربعاء: إن إجراء انتخابات من دون القدس يُعد خيانة وجريمة.

تجاوز الموافقة الإسرائيلية الرسمية

لفتت الكاتبة إلى أن عباس وآخرين تجاهلوا الخيار الآخر تجاهلًا تامًّا من أجل أن يتمكنوا من إلغاء الانتخابات، وهو الخيار الذي اقترحته الأحزاب الأخرى مرارًا وتكرارًا: البحث عن طرق لإجراء الانتخابات في القدس الشرقية دون موافقة إسرائيلية رسمية. على سبيل المثال، إنشاء مراكز اقتراع في مباني الأمم المتحدة، والكنائس، والمساجد، بما في ذلك المسجد الأقصى، والانتقال بصندوق الاقتراع من منزل إلى منزل، أو إقامة المزيد من أماكن الاقتراع في مناطق محافظة القدس التي لم تضُمَّها إسرائيل.

تحدث كل من العالول وعباس (في خطابه مساء الخميس) بازدراء واضح للأشخاص الذين طرحوا هذه الاقتراحات، كما لو كانت الانتخابات في القدس مجرد مسألة ثانوية من وجهة نظرهم. لقد تجاهلا تمامًا العنصر الهدَّام (للأوهام) في هذه الاقتراحات – زعزعة الوَهْم المتعلق بالحياة الطبيعية في القدس وإطلاق حملة مقاومة شعبية من خلال دفع فلسطيني القدس الشرقية إلى التصويت بأي طريقة ممكنة.

النضال الشعبي والكفاح المسلح

لم يوضِّح عباس والعالول وكثير من الموالين لهم سبب ضرورة انتظار الموافقة الإسرائيلية على التصويت في القدس الشرقية، وبذلك استسلموا لحق النقض الإسرائيلي على الانتخابات. لقد كشف صمتهم هنا عن نفاق واضح: كبار مسؤولي فتح والسلطة الفلسطينية يرفعون دائمًا راية «النضال الشعبي» بوصفه معيارًا لهم ونقيضًا لشعار الكفاح المسلح. ومن خلال عدم استغلال الفرصة يُثبِت ما جرى ما يعرفه الجميع، وهو أن قيادة فتح لا تؤمن بالنضال الشعبي ولا تهتم به، وبالتأكيد لا تهتم بقيادته أو حَمْل لوائه.

وقبل الإعلان عن القرار المتوقَّع بتأجيل الانتخابات، عبَّر معارضو التأجيل عن موقفهم بعدة طرق، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي تجمعات «زووم»، ومقابلات مع وسائل إعلام مستقلة ومظاهرة في غزة لمناصري قائمة محمد دحلان المستقلة، وكذلك وقفة احتجاجية في ساحة المنارة في رام الله.

Embed from Getty Images

وفي مساء الخميس، بعد الإعلان الرسمي عن تأجيل الانتخابات، خرج بضع مئات من الأشخاص للاحتجاج على القرار في رام الله – بما في ذلك مجموعة ملحوظة من أنصار القائمة المستقلة.

وقال المحاضر في القانون في جامعة بيرزيت، محمود دودين، الأسبوع الماضي، قبل الإعلان الرسمي المتوقع عن الإلغاء/التأجيل، إن تأجيل السلطة التنفيذية للانتخابات يخالف الدستور الفلسطيني (قوانين أساسية). وكان يتحدث في تجمع عبر برنامج «زووم» الذي أطلقه مركز مسارات – المركز الفلسطيني لبحوث السياسات والدراسات الإستراتيجية، وهو أحد الهيئات المستقلة الرئيسة التي تحارب الانقسام السياسي الفلسطيني وتشجِّع على النقاش النقدي بشأن كيفية إيجاد مخرج من الوضع الراهن.

تأجيل الانتخابات من اختصاص لجنة الانتخابات المركزية

وقال دودين: إن تأجيل الانتخابات لا يخضع إلا لاختِصاص لجنة الانتخابات المركزية، وإذا قدمت أسبابًا مقنعة فحسب. وقال: إن اللجنة أعلنت أنه من الممكن إجراء انتخابات في القدس حتى من دون إذن إسرائيلي رسمي. لكن اللجنة أعلنت ليلة الخميس أنها أوقفت العملية برمتها.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: لهذه الأسباب لا يستطيع عباس ونتنياهو الاستغناء عن بعضهما البعض!

وألمحت الكاتبة إلى وجود خيارين أمام الجمهور الفلسطيني، بحسب دودين: الأول هو تقديم التماسات إلى المحكمة العليا الفلسطينية ضد قرار تأجيل/إلغاء الانتخابات. لكن فرص نجاح مثل هذه الالتماسات ضئيلة؛ لأن نظام العدالة والقضاة مُعيَّن على يد القيادة السياسية (عباس)، وهم أسراها، كما يقول دودين. والخيار الثاني هو الخيار «الثوري» – العصيان المدني الذي يخلق «شرعية ثورية، تعادل الشرعية الدستورية، وطريقة لإعادة تأهيلها».

وفي ختام مقالها أكدت الكاتبة على صعوبة تخيل 35 حزبًا يتجاهلون الأمر بإلغاء/تأجيل الانتخابات ويواصلون التحضير للتصويت كالمعتاد. لكن مجرد طرح الفكرة على الملأ يعكس المسافة الهائلة بين الجمهور الفلسطيني وكبار المسؤولين غير المنتخبين. وفي ظل هذا القرار والاشمئزاز العام منه، من الصعب رؤية قائمة فتح الرسمية تحاول خوض أي انتخابات عامة في القريب العاجل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد