كتب بيتر لي، أستاذ الأخلاقيات التطبيقية ومدير أبحاث الأمن والمخاطرة بجامعة بورتثموث، مقالًا عن دقة توجيه الأسلحة الحديثة وإصابتها لأهدافها، موضحًا أن ذلك لا يعني بأي حال مزيدًا من الحماية للمدنيين.

ويستهل الكاتب مقاله الذي نشره موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي بالقول: الصواريخ والقنابل الموجهة الحديثة قادرة على تحقيق دقة لا تصدق، وتكاد تشبه الخيال العلمي، وللبحث عن مادة لكتابي «قوة ريبر (Reaper Force)»، حول حياة مشغلي الطائرات المسيَّرة، سُمح لي بمشاهدة الطائرات المسيَّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر (MQ-9 Reaper)» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في الوقت الفعلي في سوريا.

تكنولوجيا

منذ 3 شهور
مترجم: مقاتلات إف-35 يابانية الصنع تتفوق على نظيراتها الأمريكية في هذه الخاصية

يضيف الكاتب: وجلستُ مع طاقم من ثلاثة أشخاص في محطة تحكم أرضية في قاعدة كريش الجوية في نيفادا أثناء ضربهم مقاتلًا من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» بصاروخ هيلفاير دقيق التوجيه. وكانت الطائرة المسيَّرة من طراز ريبر تحلق على ارتفاع 20 ألف قدم فوق هدفها، وكان الهدف يقود دراجة بخارية متحركة عندما أصابه الصاروخ.

ويجري الحكم على دقة الصواريخ من خلال مدى قربها من نقطة التصويب وتشير الدقة إلى حجم الانفجار والقدرة على التنبؤ به وكانت الضربة التي شاهدتها دقيقة ومحكمة، ولم يصب أي مدني.

درجات الدقة

ويمضي الكاتب إلى أن تكنولوجيا الصواريخ التي تُطلق من الجو تستمر في التقدم بسرعة وقد طُوِّر صاروخ هيلفاير الذي يبلغ وزنه 100 رطل لتدمير الدبابات المدرعة، ويُعد الاستهداف بالليزر الذي ينفِّذه هذا الصاروخ أكثر الأنظمة دقة في الاستخدام المنتظم، ويحمل الصاروخ 20 رطلًا من العبوات الناسفة، على الرغم من أن النسخ الحديثة منه تستخدم متفجرات أقل لتقليل مخاطر الأضرار الجانبية والوفيات المدنية.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن من خلال الدقة تحقيق بعض الأهداف فحسب: لا تنشر الحكومات معلومات عن نصف قطر الانفجارات الفتاكة، لكن مقطع فيديو أصدرته وزارة الدفاع البريطانية يُظهر أن نصف قطر انفجار هيلفاير يبلغ عدة أمتار، ويتأثر الانفجار أيضًا بالزاوية التي يصيب الصاروخ بها هدفًا ما، والتضاريس المحلية، وأي هياكل قريبة قد تمتص جزءًا من الانفجار. وأيضًا حتى الغيوم الخفيفة يمكنها تعطيل أشعة الليزر التي تعتمد عليها الصواريخ الموجهة بالليزر، مثل هيلفاير، لضرب أهدافها بدقة.

Embed from Getty Images

ويوضح الكاتب أنه لا يزال هذا الصاروخ أكثر دقة من القنابل التقليدية، على الرغم من أنه يجرى تحسين دقتها أيضًا. ويجرى تحويل القنابل التقليدية غير الموجهة التي يبلغ وزنها 500 رطل، وألف رطل، وألفي رطل إلى «وحدات القنابل الموجهة الذكية (GBU)» من خلال إرفاق مجموعة توجيه «ذخائر الهجوم المباشر المشترك (JDAM)».

وتحتوي ذخائر الهجوم المباشر المشترك على نظام ملاحة يعمل بالقصور الذاتي – وهو جهاز كمبيوتر داخلي وجيروسكوبات لضمان طيرانها على نحو مستقيم – بالإضافة إلى قدرات توجيه بنظام تحديد المواقع العالمي.

ويمكنها إصابة الإحداثيات فقط، ولكن لا يمكنها «رؤية» المدنيين أو تجنبهم، على الرغم من أنها لا تتأثر بغطاء السحب بخلاف صواريخ هيلفاير، ويمكن أن تكون النسخة التي يبلغ وزنها ألفي رطل قاتلة حتى عدة مئات من الأمتار، ولكن مجموعة التوجيه تمكِّنها من الإصابة لمسافة تتراوح بين 10 و30 مترًا من أهدافها.

الخطر على المدنيين

يشير الكاتب إلى أن تطوير صواريخ أكثر دقة وقنابل موجهة لا يعني تلقائيًّا تقليل عدد القتلى المدنيين وذلك لسبب واحد، «الدقة» لا تتعلق بحماية المدنيين بقدر ما تتعلق بجعل هذه الأسلحة «أكثر فتكًا».

وتؤثر مجموعة كاملة من العوامل على المخاطر المدنية أثناء هجوم «دقيق»، ويشمل ذلك حجم الصاروخ، أو القنبلة، وقوتها المتفجرة، والتدريب، والخبرة، التي يتمتع بها الطاقم الجوي المعني وجودة الاستخبارات العسكرية والبيئة العملياتية التي يجرى فيها الهجوم.

كما أن التداعيات السياسية على البلدان المعنية هي أيضًا أحد العوامل، وواجهت الحكومة البريطانية – على سبيل المثال – تدقيقًا علنيًّا بسبب قتلى المدنيين في الضربات الجوية بطريقة لم يواجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثلًا.

ويعتمد كثير أيضًا على قواعد الاشتباك – أو التوجيه القانوني، لأنها ستحدد عدد المدنيين الذين تكون الحكومة مستعدة أو غير مستعدة للسماح لقواتها الجوية بقتلهم سعيًا وراء أهداف حملتها العسكرية.

قانون الحرب

ينوِّه الكاتب إلى أن قانون الحرب – الذي يتضمن اتفاقيات جنيف – يتطلب حماية المدنيين في الحرب وعدم مهاجمتهم. لكن القانون – وهذا ليس مفهومًا بوجه عام – يسمح بقتل المدنيين بصورة قانونية في بعض الظروف: حيث ترى المهاجمة أن عدد الوفيات ليس «مفرطًا فيما يتعلق بالميزة العسكرية الملموسة و(المباشرة) المتوقعة». لذلك إذا جرى الحكم على الهدف بأنه ذو قيمة كافية، وكانت الميزة العسكرية مهمة بما فيه الكفاية، يمكن قتل المدنيين وسوف يُقتلون.

Embed from Getty Images

وفي 29 أغسطس (آب) 2021 قُتل 10 مدنيين أفغان بصاروخ هيلفاير أطلقته طائرة أمريكية من طراز ريبر، ولم تنقذهم دقة الصاروخ، وارتكب الطاقم المسؤول الخطأ من خلال مزيج من الخطأ البشري، وسوء الاتصال، وحقيقة أن السيارة الخاصة بالأسرة من طراز تويوتا كورولا قد جرى تحديدها خطئًا على أنها سيارة هدف مهم تابع لـ«داعش».

ووصف اللفتنانت جنرال سامي سعيد، المفتش العام للقوات الجوية الأمريكية، ذلك بأنه «خطأ غير مقصود»، كما توصل تحقيقه إلى أن الطاقم لم يخالف قانون الحرب.

أحيانًا يكون إيذاء المدنيين هو الهدف

ويوضح الكاتب أنه في بعض الأحيان، تُستخدم القوة الجوية أيضًا لاستهداف السكان المدنيين أو إكراههم مباشرةً، فعلى سبيل المثال، أبلغت منظمة العفو الدولية عام 2016 عن هجمات جوية شنتها القوات الروسية على المستشفيات السورية. وتعرَّضت ستة مستشفيات، أو منشآت طبية للقصف في ثلاثة أشهر في مناطق تسيطر عليها القوات المعارضة للحكومة السورية. وسقط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، وجرى هذا على الرغم من أن المستشفيات محمية صراحةً بموجب القانون الدولي الإنساني.

وتشير الضربات المباشرة لجميع تلك المستشفيات إلى الفعالية التشغيلية للطائرات والأسلحة المستخدمة. وكانت روسيا منفتحة بشأن استخدامها للأسلحة «الدقيقة» من قبل سلاحها الجوي في سوريا في ذلك الوقت، وتحدث بوتين عن تحرك روسيا في سوريا لدعم حكومتها ضمن «قواعد القانون الدولي». وعندما أشار إلى أن الطائرات الروسية الضاربة حققت «نتائج إيجابية»، كان الأمر يتعلق بإبقاء الحكومة السورية في السلطة، وليس حماية المدنيين.

ماذا يحمل المستقبل؟

نظرًا لأن القوة النارية الجوية أصبحت أكثر تعقيدًا، فإن مخاطر مقتل المدنيين تزداد أيضًا لأسباب أخرى على سبيل المثال، أظهر تنظيم الدولة الإسلامية مرارًا وتكرارًا أساليب فعالة للحد من التفوق الجوي لعدوه، مثل اللجوء إلى حرب المدن وإنشاء شبكة من الأنفاق تحت مدن مثل الموصل والفلوجة في العراق.

Embed from Getty Images

وفي حرب المدن، من المستحيل تجنب جميع الوفيات بين المدنيين. ولا تستطيع الكاميرا في السماء معرفة مدى وجود مدنيين بعيدين عن الأنظار خلف الجدران، أو في المباني، أو تحت الأشجار، أو في الأنفاق، وعدم إطلاق النار هو الخيار الوحيد لتوفير الحماية المؤكدة للمدنيين في الظروف غير الواضحة.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: ونظرًا لكل هذه الأسباب لن توقف أي درجة من الدقة الصاروخية مأساة مقتل المدنيين في الحرب والحروب لا تظهر أية إشارة على أنها ستنتهي. وربما حان الوقت لإجراء حوار أكثر صدقًا حول حدود التكنولوجيا والتكاليف البشرية التي تنطوي عليها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد