تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية في يوم الاثنين الثالث من فبراير (شباط) كل سنة بعيد رسميّ يسمى «يوم الرؤساء». بهذه المناسبة نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية مقالًا للكاتبة جيليان بروكيل تحدثت فيه عن الأسباب التي تسببت في الإضرار بإرث الرئيس الأول للولايات المتحدة، جورج واشنطن، وأودت به إلى حافة الانهيار، وهو الرجل الذي لم يكن يرغب على الإطلاق في أن يتبوأ هذا المنصب.

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: «الولايات المنقسمة الأمريكية».. هل تحققت مخاوف الآباء المؤسسين؟

في مستهل المقال تقول جيليان: عندما ترك الجنرال جورج واشنطن فترة التقاعد المريحة في ماونت فيرنون (مسقط رأسه في ولاية فرجينيا) ليصبح أول رئيس للولايات المتحدة، ألقى المهنئون الزهور عند قدميه. وعلى مسافة مئات الأميال، بينما كان جورج واشنطن يشق طريقه صوب العاصمة المؤقتة في ذلك الوقت، مدينة نيويورك، تبعه آلاف الأشخاص سائرين في ركابه بالتبريكات والتهاني والهتافات. وعندما وصل إلى نيويورك، كان في استقباله عرضًا للألعاب النارية.

تتابع جيليان: بعد مرور سبعة أعوام، ومع اقتراب نهاية فترة رئاسته الثانية، لم يكن جورج واشنطن محبوبًا أبدًا، للدرجة التي دفعت مجلس النواب للتصويت ضد تأجيل جلسته لمدة 30 دقيقة من أجل تقديم التهنئة للرئيس بمناسبة عيد ميلاده. 

تداعيات فترة رئاسة جورج واشنطن

في الوقت الحالي أصبحت الولايات المتحدة تحتفل رسميًا بعيد ميلاد جورج واشنطن باعتباره «يوم الرؤساء». لكن عندما كان جورج واشنطن على قيد الحياة، كان إرثه قد وصل تقريبًا إلى حافة الدمار بسبب الفترة التي قضاها في الرئاسة. تصف المؤرخة أليكسيس كوي، في كتابها الجديد عن سيرة حياة جورج واشنطن، كيف ولماذا حدث ذلك.

تقول جيليان: «لا يمكننا المبالغة في وصف إلى أي مدى لم يكن جورج واشنطن يرغب في أن يصبح رئيسًا. فقبل أعوام كان الرجل متحمسًا للغاية ليصبح جنرالًا في بداية حرب الاستقلال (الحرب الثورية)، حين ظهر بالزي العسكري خلال المؤتمر القاري الثاني».

ولم يكن الأمر كذلك إبان فترة رئاسته؛ فعندما وصلته أنباء انتخابه في ربيع العام 1789، أخبر جورج واشنطن الجنرال هنري نوكس، الذي شارك في حرب الاستقلال الأمريكية، وكان أول وزير حرب للولايات المتحدة: «ستكون تحركاتي لرئاسة الحكومة مختلطة بمشاعر لا تختلف عن مشاعر الجاني الذي يسير لحكم إعدامه».

وتنقل جيليان عن أليكسيس كوي تصريحات أدلت بها لصحيفة «واشنطن بوست» قالت فيها: «كان لدى جورج واشنطن ما يكفي من الأسباب للبقاء في منزله، انسجامًا مع تفضيلاته الشخصية، وما كانت تريده زوجته، ومكانته في العالم. وقد خسر كل شيء بتوليه رئاسة الولايات المتحدة».

Embed from Getty Images

اقتتال داخلي

تقول جيليان: إن أولى المشاكل الكبرى التي واجهت جورج واشنطن، هي: وقوعه فريسة للاقتتال الداخلي بين الحزبين الناشئين؛ الحزب الفيدرالي والحزب الجمهوري الديمقراطي. وكان أعضاء حكومته منقسمين بين الحزبين، ولم تبق حالة الاقتتال الداخلي وراء الأبواب المغلقة، بل تجاوزت ذلك.

توضح الكاتبة أن وزير الخارجية في ذلك الوقت توماس جيفرسون (المنتمي للحزب الجمهوري الديمقراطي) موَّل صحيفة كانت تنتقد جميع تحركات جورج واشنطن، بينما كان وزير الخزانة أليسكاندر هاميلتون (المنتمي للحزب الفيدرالي) يقوم بالكتابة تحت اسم مستعار في صحيفة مؤيدة لواشنطن.

وتضيف الكاتبة أنه قبل فترة طويلة من الصراع الحالي بين شبكتي (إم إس إن بي سي) و (فوكس نيوز)، كان هناك صراع بين صحيفتي «ناشيونال جازيت» و«الولايات المتحدة جازيت».

تعلق المؤرخة أليكسيس كو على ذلك الصراع قائلة: إن أيًا من الصحفيتين لم تكلف نفسها عناء التظاهر بالموضوعية. فلم يكن يتم التحقق من صحة المعلومات الواردة في مقالاتهما، وكانت جميع الأمور بما في ذلك الحياة الشخصية معرضة للانتقاد والهجوم.

الولاية الثانية لجورج واشنطن: حينما بدأت الأمور تزداد سوءًا

وبالرغم من أن واشنطن لم يعلن إطلاقًا عن انتمائه الحزبي، لم يبقَ في إدارته خلال الولاية الثانية سوى الفيدراليون. وكانت تلك الفترة الثانية، التي تطلب الأمر جهودًا لإقناعه بالاهتمام بها، هي التي بدأت تسوء الأمور خلالها.

كانت بريطانيا العظمى وفرنسا في حالة حرب، وكانت الإمبراطوريتان تريدان أن تتحالف الولايات المتحدة معهما. وفي الوقت ذاته كانت الخلافات بين الولايات المتحدة وبريطانيا تزداد لأن بريطانيا لم تكن قد انسحبت من الحصون التي وافقت على إخلائها في نهاية حرب الاستقلال، وكانت تستولي على السفن وتستوقف البحارة الأمريكيين المتجهين إلى فرنسا.

في نهاية الأمر تفاوضت إدارة واشنطن للتوصل إلى معاهدة مع البريطانيين، ومررها مجلس الشيوخ بالكاد، لكنها لم تكن تحظى بشعبية كبيرة من جانب الرأي العام الأمريكي، بحسب Office of the Historian (وهو مكتب تأريخي تابع لوزارة الخارجية الأمريكية داخل معهد الخدمة الخارجية).

Embed from Getty Images

تقول أليكسيس كو: «بطبيعة الحال لم يجدِ نفعًا أن يذهب المبعوث الفرنسي الجديد للولايات المتحدة إدمون تشارلز جينيه في رحلة للساحل الشرقي لكسب التأييد لبلاده. في ذلك الوقت تحولت العاصمة إلى فيلادلفيا». 

وكتب نائب الرئيس جون أدامز لاحقًا أن السفير الفرنسي حرّض عشرات الآلاف من الأشخاص في شوارع فيلادلفيا على تهديد جورج واشنطن بجرِّه من منزله، وإحداث ثورة داخل الحكومة.

ثم كان هناك ما عُرِف بتمرد الويسكي، والذي بدأ عندما فرض هاميلتون ضريبة على الويسكي من ولاية كنتاكي وولاية بنسلفانيا الغربية؛ لسداد الديون الخارجية للبلاد. وتسببت هذه الضريبة في قلق لدى مقطري الكحول من أن تتسبب في الحد من المبيعات كما أنهم كانوا يعتقدون أنه من الظلم أن يتحملوا الأعباء نيابة عن الدولة بأكملها.

وقدم مقطرو الكحول التماسًا إلى واشنطن لوقف تحصيل تلك الضريبة، ثم خرجوا في مظاهرات سلمية. وفي نهاية المطاف، اندلعت أعمال عنفٍ تعرض خلالها أحد مفتشي الضرائب للهجوم، وأشعلت النيران في منزل مفتش آخر.

أول رئيس يحمل السلاح ضد مواطني بلاده

تشير أليكسيس كو إلى أن جورج واشنطن تجاوز السلطات التنفيذية على نحوٍ غير اعتيادي، ودعا الميليشيات داخل الولاية للقيام بالخدمة الفيدرالية. وظهر في مدينة بتسبرج بولاية بنسيلفانيا بالزي العسكري على رأس حشد من معارضي الضريبة، ليصبح الرئيس الأول والأوحد الذي يحمل السلاح ضد مواطنيه.

توضح أليكسيس أنه لم تكن هناك مواجهة. وقررت واشنطن أنه من الأفضل ألا يُقدِم عليها، وعاد إلى فيلادلفيا. وعندما أدين متمردان بالخيانة العظمى، أصدر عفوًا عنهما، لكن سمعته كانت قد تضررت فعليًا.

تقول جيليان: إن كتاب أليكسيس كو يضم مخططا لتصريحات الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الآخرين، قبل وبعد فترة رئاسة جورج واشنطن للبلاد، وتصف الاختلاف بين التصريحات بأنه «صادم».

Embed from Getty Images

اختلاف التعليقات على واشنطن قبل وبعد فترة رئاسته

على سبيل المثال قال جون أدامز في عام 1785 «أشعر بالفخر تجاه شخصية جورج واشنطن؛ لأنني أعلم أنها تجسيد للشخصية الأمريكية». وفي العام 1812، وصف أدامز جورج واشنطن بالشخص الأمي، غير المتعلم، وأن أحدًا لم يعد يقرأ عنه بسبب مواقفه وسمعته.

تنوه جيليان عن أن جورج واشنطن كان تعليمه ذاتيًا إلى حد كبير، ولم يكن أميًا أو غير متعلم. وفي خطاب أرسله توماس بين إلى جورج واشنطن في عام 1779 قال فيه إنه لم يشعر على الإطلاق بأدنى قدر من التحقير أو حتى نقص احترام لجورج واشنطن. وفي عام 1796 قال بين: إن العالم سيشعر بحيرة في تحديد ما إذا كان جورج واشنطن ملحدًا أو محتالًا، وما إذا كان قد تخلى عن المبادئ الجيدة، أو أنه لم يكن يملك أيًا منها.

تقول جيليان: إن خطاب وداع جورج واشنطن اكتسب شهرة لتحذيره الأمريكيين من الفصائل السياسية والنفوذ الأجنبي. وتضيف أن المسودات الأولى للخطاب تظهر هجومه الشديد على «الأكاذيب الخبيثة» المنتشرة عنه بهدف تشويه سياساته ومشاعر الحب التي يحظى بها والإضرار بسمعته ومشاعره. توضح أيضًا أن هاميلتون حثه على حذف ذلك الجزء لأنه يحمل مرارة شديدة.

وتختتم الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن جورج واشنطن ألقى خطابه الأخير أمام الكونجرس في ديسمبر (كانون الأول) لعام 1796، قبل ثلاثة أشهر من مغادرته منصبه رسميًا. كان أندرو جاكسون، عضو الكونجرس الجديد في ذلك الوقت، من بين الحضور. ورفض جاكسون، الذي سيكون لاحقًا الرئيس السابع للبلاد، توجيه التحية لجورج واشنطن.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
أحدهم فضل الملكية وآخر كان زير نساء.. غرائب وعجائب الآباء المؤسسين لأمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد