نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا شارك في كتابته كلا من تيم كين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا، وباربرا لي، عضوة مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا، استهلاه بالعودة إلى مساء يوم 19 مارس (آذار) 2003، حين خاطب الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، الشعب الأمريكي عبر بث مباشر من المكتب البيضاوي. استهل بوش الابن خطابه قائلًا: «مواطني بلدي، في هذه الساعة، بدأت القوات الأمريكية وقوات التحالف المراحل الأولى من العمليات العسكرية لنزع سلاح العراق وتحرير شعبه والدفاع عن العالم من خطر جسيم».

كانت هذه الكلمات إيذانًا ببداية حرب العراق؛ إحدى «الحروب اللانهائية» التي خاضتها الولايات المتحدة، واستمرت، بشكل أو بآخر، حتى يومنا هذا. في ذلك الوقت قاد بوش الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن حملة «الصدمة والرعب» ستجعل حرب العراق تؤتي ثمارها بسرعة. ولكن بعد ثماني سنوات من القتال، ومقتل الآلاف من القوات، وارتقاء عدد غير مُحدَّد من الضحايا المدنيين، أصبحت الغالبية العظمى من المواطنين الأمريكيين تعتبر حرب العراق خطأ فادحًا على صعيد السياسة الخارجية. 

3 أسباب تحتم ضرورة كبح جماح الرئيس الأمريكي

على الرغم من انتهاء الحرب رسميًا منذ قرابة عقد من الزمان، فإن قانون الكونجرس الذي أطلق شرارتها الأولى- التصريح باستخدام القوة العسكرية (AUMF) لعام 2002 – لم يزل ساريًا، ويساء استخدامه باستمرار. واليوم في الذكرى الثامنة عشرة لغزو أمريكا للعراق، يدعو النائبان الأمريكيان إلى إلغاء قانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002. 

Embed from Getty Images

وبغض النظر عن رأي أي شخص في ضرورة حرب العراق، يؤكد الكاتبان أنه لا يوجد أي سبب يجعل قانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 يظل ساري المفعول حتى اليوم، وذلك لعدة أسباب:

أولًا: لقد تجاوز الإذن باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 هدفه المعلن، وهو هزيمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. أطاحت القوات الأمريكية نظام صدام بعد فترة وجيزة من غزو عام 2003، وتوفي صدام بعدها في عام 2006. علاوة على ذلك أعلنت إدارة أوباما نهاية حرب العراق رسميًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2011. 

منذ ذلك الحين، أصبح العراق شريكًا وثيقًا للولايات المتحدة، يتعاون معها باستمرار في القضايا الأمنية. ولأن العراق دولة ذات سيادة، لا تستطيع القوات الأمريكية الاستمرار في التواجد هناك إلا بإذن من الحكومة العراقية. ويؤكد النائبان الأمريكيان عدم منطقية الاستمرار في تصنيف مثل هذا الحليف المهم باعتباره تهديدًا للولايات المتحدة أو الأمن الدولي.

ثانيًا: لا يفيد قانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 إطلاقًا في الحفاظ على سلامة الأمريكيين. فما بين ديسمبر (كانون الأول) 2011، وحتى سبتمبر 2014، لم يذكر الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، قانون الإذن باستخدام القوة العسكرية في أي من الرسائل الدورية التي أرسلها إلى الكونجرس لشرح الأنشطة العسكرية الأمريكية الجارية في جميع أنحاء العالم.

بدأ أوباما في الاستشهاد بقانون الإذن باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 في سبتمبر (أيلول) 2014، عندما شنت الولايات المتحدة غارات جوية ضد تنظيم الدولة، وهي الغارات التي استمرت حتى عهد ترامب. ولكن حتى في هذه الحالة، أشارت كل من إدارتي أوباما وترامب إلى قانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 باعتباره مجرد أداة مساعدة. 

وأشار محامو الإدارة الأمريكية إلى وجود أغطية قانونية أخرى تسمح بشن عمليات عسكرية أمريكية ضد تنظيم الدولة. وبالتالي، يؤكد النائبان الأمريكيان مرة أخرى أن إلغاء قانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 لن تؤثر على كفاءة الولايات المتحدة في مكافحة التهديدات المستمرة التي يشكلها الإرهاب. 

إعلام

منذ 10 شهور
«الجارديان»: «حدث ذات مرة في العراق».. وثائقي جديد يكشف فظائع غزو العراق

أخيرًا: يحذر النائبان الأمريكيان من استمرار العمل بقانون التصريح باستخدام القوة العسكرية لعام 2002؛ لأنه يشجع السلطة التنفيذية على شن حملات عسكرية من جانب واحد، أي دون موافقة الكونجرس. ولا نحتاج إلى التنقيب عميقًا في الذاكرة الحديثة لندرك سبب خطورة ذلك؛ فبعدما أمر الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) 2020 – أثناء تواجده في العراق – جادلت الإدارة الأمريكية بأن قانون الإذن باستخدام القوة العسكرية لعام 2002 عزز السلطة الدستورية للرئيس لإصدار الأمر بشن الهجوم.

قال محامو البيت الأبيض: على الرغم من أن القانون الأصلي للتصريح باستخدام القوة العسكرية الصادر في عام 2002 استهدف النظام العراقي القديم الذي رحل منذ فترة طويلة، فإن استخدامات القوة بموجب هذا التصريح «لا تقتصر على معالجة التهديدات التي تمثلها الحكومة العراقية فقط»، بل يمكن أن تمتد إلى «المليشيات والجماعات الإرهابية، أو الجماعات المسلحة الأخرى في العراق». باختصار، زعمت إدارة ترامب أنه بمجرد أن يجد أحد الفاعلين الأشرار موطئ قدم في العراق، فإنه يصبح هدفًا مشروعًا للجيش الأمريكي؛ ببساطة لأن العراق كان يؤوي ذات مرة ديكتاتورًا أُزيح من السلطة قبل 18 عامًا.

يصف النائبان الأمريكيان هذا المنطق الذي دفعت به إدارة ترامب بأنه «سخيف»، ويحذران من أنه «يشكل خطرًا حقيقيًا على علاقتنا مع الشعب العراقي وحكومته»؛ فلم يكن اغتيال سليماني مجرد مجازفة بحدوث مواجهة عسكرية أمريكية مباشرة مع إيران – وهي دولة يحتاج الرئيس إلى موافقة الكونجرس لمهاجمتها – بل أثار أيضًا غضب العراق، الشريك الرئيس في الشرق الأوسط؛ إذ أثار الهجوم احتجاجات حاشدة، وإدانة من الرئيس العراقي، وتصويت من البرلمان العراقي على طرد القوات الأمريكية من العراق، وقد كان بالإمكان تجنب كل ذلك.

في حالة سليماني، يقول النائبان: إن التذرع بهذا التفويض الباهت بشن الحرب لتبرير هجوم أمريكي في بلد أصبح الآن شريكًا أكثر من كونه عدوًا يوضح خطر السماح بمواصلة العمل بتراخيص الحرب بما يتجاوز الغرض المعلن منها. 

ليس حِكرًا على ترامب

لكن الميل إلى توسيع صلاحيات الحرب ليس حكرًا على ترامب؛ فعلى الرغم من أن بايدن لم يستشهد بعد بـتصريح استخدام القوة العسكرية الصادر في عام 2002 لتبرير توجيهاته العسكرية، شهد يوم 25 فبراير، شنت الولايات المتحدة غارات جوية ضد المليشيات المدعومة من إيران في سوريا دون إذن من الكونجرس. 

ويرجح النائبان أن تستمر السلطة التنفيذية في توسيع صلاحياتها الحربية طالما أن الطريق ممهد أمامها للقيام بذلك. لهذا السبب يطالب الكاتبان باستمرار اليقظة كيلا تلتف الرئاسة على الكونجرس بغض النظر عن الرئيس الذي يسكن البيت الأبيض.

Embed from Getty Images

يصف المقال تصريح استخدام القوة العسكرية الصادر في عام 2002 بأنه أصبح مثل الزومبي؛ فهو تفويض تجاوز غرضه لفترة طويلة، ومع ذلك لم يزل يطل برأسه مهددًا من بين بقية القوانين الأمريكية، ليشكل بذلك خطرًا على مصالح الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تصويت مجلس النواب مرتين لإلغاء قانون تصريح استخدام القوة العسكرية الصادر في عام 2002، لكنه لم ينجح في كلتا الحالتين. وقدم كلا النائبين مؤخرًا تشريعًا في مجلسه لإلغاء القانون نهائيًا. وانضم إليهما بالفعل 12 من الداعمين الجمهوريين؛ مما يدل على أن إلغاء هذا القانون يمكن أن يجد دعمًا من الحزبين.

في الواقع لم يكن 80% من أعضاء الكونجرس الحاليين – بمن فيهم السناتور تيم كين – في مناصبهم عند تمرير قانون تصريح استخدام القوة العسكرية في عام 2002، وكان العديد من الأعضاء الذين كانوا في مناصبهم آنذاك – بما في ذلك النائبة باربرا لي – معارضين للتفويض منذ البداية. وبناء عليه فإن الادعاء بأن هذا القانون يحظى بموافقة الكونجرس على شن عملية عسكرية في الوقت الراهن يرقى إلى مستوى المهزلة، على حد وصف المقال. 

أول خطوة لإصلاح السياسة الخارجية الأمريكية

اليوم، بعد مرور 18 عامًا على إعلان بوش غزو العراق، يؤكد النائبان أن الوقت حان لإعادة طرح المسألة على الكونجرس ليبتّ فيها مرة أخرى، ويضيفان: «نحن مدينون للقوات الأمريكية بضمان أن يصب العمل العسكري في المصلحة الوطنية قبل أن يواصل الكونجرس إرسالهم إلى طريق الأذى باستخدام تبرير عفا عليه الزمن».

سياسة

منذ 4 سنوات
«التايمز»: كيف تواطأت المخابرات البريطانية في غزو العراق؟

يتوقع الكاتبان أن يمثل إلغاء تصريح استخدام القوة العسكرية نقطة انطلاق لمزيد من الإصلاحات على صعيد السياسة الخارجية. وبعد إلغاء قانون عام 2002، ينصح الكاتبان بالتفكير في كيفية معالجة القانون الصادر في عام 2001، الذي صودق عليه في الأصل عقب أحداث 11 سبتمبر، ولكنه استخدم منذ ذلك الحين كتفويض مطلق لتبرير «حرب على الإرهاب» واسعة النطاق – والتأكد من غلق الباب أمام سن أي قوانين أخرى مشابهة في المستقبل. 

في ختام المقال يقول النائبان: لا يمكننا انتظار مرور 18 سنة أخرى دون كبح جماح السلطة التنفيذية غير الخاضعة للرقابة، وتقييد تفويضها المطلق باستخدام القوة العسكرية. فمن الدروس المؤلمة العديدة المستخلصة من حرب العراق أننا أدركنا مدى خطورة التهديد الذي تشكله الصياغة الخاطئة لتصاريح استخدام القوة العسكرية، والانتهاكات المستقبلية التي قد تسمح للإدارة بارتكابها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد