تُعاني الحريات في الشرق الأوسط من قمعٍ واضحٍ على يد الحكومات التي تتجاهل مفاهيم الديمقراطية، وليست حرية الصحافة باستثناءٍ لتلك القاعدة.

وبحسب تقريرٍ نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تنوع ذلك القمع بين خطف الصحافيين في العراق وسوريا، وسجن المُراسلين في تركيا وإيران، فضلًا عن الاغتيال الذي استهدف كاتب الأعمدة السعودي جمال خاشقجي. ولهذا لفتت مجموعات حرية الصحافة الانتباه من جديد إلى المخاطر التي واجهها الصحافيون العاملون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدار العام المُنقضي.

رغم أنَّ هذه المخاطر ليست بجديدةٍ على المنطقة، يرى الموقع أنَّ الشهور الـ12 الأخيرة شهدت عددًا من الأحداث الحرجة، وتزايدًا في مُعدَّل العنف، وهو الأمر الذي تقول منظمات حقوق وسائل الإعلام إنَّه أدَّى إلى وعيٍ متزايدٍ بشأن التحديات التي يُواجهها العاملون في هذا المجال بشكلٍ يومي.

169 عالميًا في حرية الصحافة.. أين تقع السعودية في أبرز المؤشرات العالمية 2018؟

أكثر تلك الحوادث إثارةً للجدل بحسب التقرير كان مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي، الذي قُتِلَ داخل قنصلية بلاده في إسطنبول مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول).

ووفقًا لموقع «ميدل إيست آي»، يقول شريف منصور، مُنسِّق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحافيين بنيويورك: إنَّ مقتل خاشقجي «ضرب وترًا حساسًا» لدى المجتمع الدولي.

وصرَّح منصور للموقع: «هنا قرَّر الصحافيون والمدافعون عن حرية الصحافة والمنظمات الدولية أنَّ عليهم وضع حدٍ لتلك الانتهاكات، وضرورة وجود رد فعلٍ دوليٍ على استهداف الصحافيين في كافة أنحاء العالم. ويأمل هؤلاء أن تُمثِّل قضية خاشقجي نقطة تحوُّلٍ تعكس مسار ظاهرة استهداف الصحافيين بترسيخ مبدأ المساءلة… ومحاسبة الأشخاص الذين يقتلون الصحافيين في جميع أنحاء العالم».

مقتل المزيد من الصحافيين

يُشير تقرير «ميدل إيست آي» إلى أنَّ العام المُنقضي شهد أيضًا تزايدًا ملحوظًا في أعداد الصحافيين الذين قُتِلوا في مختلف أنحاء العالم بسبب عملهم؛ إذ تضاعف الرقم عما كان عليه عام 2017، ووصل إلى 34 شخصًا.

وتأتي هذه الزيادة نتيجة القفزة الرهيبة في الهجمات المُتعمَّدة بحق الصحافيين في أفغانستان، حسبما أفادت لجنة حماية الصحافيين في وقتٍ مُبكِّر من الشهر الجاري.

وأضاف منصور وفقًا لتقرير «ميدل إيست آي»: «ليست هنالك الكثير من الأخبار الجيدة، ولم نحصل على أخبارٍ جيدةٍ بهذا الصدد منذ سنوات».

تظاهرات في بداية قضية مقتل خاشقجي قبل إعلان اختفائه في شهر أكتوبر بتركيا.

ويذكر الموقع أنَّ اثنين من أصل أخطر ثلاث دولٍ على حياة الصحافيين هذا العام يقعان في منطقة الشرق الأوسط. ففي حين انفردت أفغانستان بالمركز الأول على القائمة السوداء، استحوذت سوريا على المركز الثاني وفقًا لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، إذ قُتِلَ 11 صحافيًا هناك خلال عام 2018. وحلَّت اليمن في المركز الثالث بمقتل ثمانية صحافيين.

ويوضح التقرير أنَّ الرقم الإجمالي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» يختلف عن الرقم الذي أصدرته لجنة حماية الصحافيين؛ لأنَّ المنظمة تأخذ بعين الاعتبار مقتل المُدوِّنين والصحافيين المواطنين والعاملين في وسائل الإعلام؛ وأفادت المنظمة أنَّ أكثر من 80 صحافيًا قُتِلوا في مختلف أنحاء العالم خلال عام 2018.

وكتبت المنظمة على صفحتها في موقع «تويتر»: «مُلخَّص عام 2018 عن الهجمات والانتهاكات المُميتة في حق الصحافيين: ارتفاع الأرقام في جميع الفئات. قُتِل 80 صحافيًا هذا العام، ويقبع 348 في السجن حاليًا، في حين ما يزال 60 منهم محتجزين كرهائن؛ مما يُظهر مستوًى غير مسبوق من العداء تُجاه العاملين في وسائل الإعلام».

ويُشير التقرير إلى مقتل رائد فارس، ناشط المجتمع المدني السوري ومدير المحطة الإذاعية المُستقلة «راديو فرش»، في إدلب خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني). تأسَّست المحطة الإذاعية المستقلة عام 2013، مثيرةً حُنق حكومة الرئيس بشار الأسد ورجاله المسلحين تجاه الناشط.

وأثار مقتل المُصوِّر الحر أحمد أبو حسين (24 عامًا) دهشة الكثيرين في جميع أرجاء المنطقة إثر وفاته مُتأثرًا بجراحه في 25 أبريل (نيسان)، بعد أسبوعين من إطلاق النار عليه بواسطة القوات الإسرائيلية أثناء تغطية تظاهرات «مسيرات العودة الكُبرى» داخل غزة المُحاصرة.

وتشير «ميدل إيست آي» إلى أنَّ أبو حسين كان واحدًا من بين عددٍ كبير من الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام الذين استُهدِفوا خلال التظاهرات الأسبوعية في غزة، والتي بدأت أواخر شهر مارس (آذار).

ووفقًا للموقع، قال كريستوف ديلوار، الأمين العام لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، في تصريحٍ أدلى به الشهر الجاري: «بلغ العنف ضد الصحافيين مستوياتٍ غير مسبوقةٍ هذا العام، وأصبح الوضع حرِجًا الآن. إذ إنَّ الكراهية الي يُعبِّر عنها الساسة ورجال الدين ورجال الأعمال المُجرَّدين من المبادئ، ويُعلنوها صراحةً في بعض الأحيان، لها تبعاتٌ مأساويةٌ على أرض الواقع، وانعكس ذلك على الزيادة المُثيرة للقلق في نسب العُنف المُوجَّه ضد الصحافيين».

صحافيون مسجونون ومختطفون

فضلًا عن المخاطر التي تتعرَّض لها حياة الصحافيين، واجه العديد منهم مخاطرَ متنوعةً خلال العام المُنقضي. وبحسب منظمة «مراسلون بلا حدود»، فإنَّ 37% من الصحافيين المسجونين في مختلف أنحاء العالم (127 من أصل 348) يتركَّزون في أربع دولٍ فقط بالمنطقة: تركيا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وإيران. هذا إلى جانب وقوع 58 من أصل 59 عملية خطف للصحافيين على يد جهاتٍ غير حكوميةٍ خلال عام 2018 في سوريا، واليمن، والعراق فقط.

والدا الصحافي المختفي أوستن تايس في مؤتمرٍ صحافي للمطالبة بالكشف عن مصيره في سوريا عام 2015.

 ويُشير موقع «ميدل إيست آي» إلى تراجع قدرة الصحافيين على تقديم تقاريرهم بشأن القضايا المُثيرة للجدل داخل العديد من البلدان. وتَحِلُّ سوريا في المراكز الخمسة الأخيرة بين دول العالم في ما يتعلق بحرية نقل الأخبار، وفقًا لمُؤشِّر منظمة «مراسلون بلا حدود»، في حين تأتي السودان في المراكز العشرة الأخيرة.

وإجمالًا حلَّت تسع دولٍ من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي: مصر، والعراق، وليبيا، وإيران، والبحرين، واليمن، والسعودية، والسودان، وسوريا، في المراكز العشرين الأخيرة على قائمة مُؤشِّر حُرية الصحافة العالمي.

وما تزال مصر وتركيا من بين أكثر دول العالم سجنًا للصحافيين، وهي السمعة السيئة التي احتفظتا بها على مدار سنواتٍ، بحسب منصور.

مصر

يذكر التقرير أنَّ جماعات حرية الصحافة تلفت الانتباه إلى الوضع في مصر منذ سنواتٍ طويلة. فالأحداث التي تلت ثورة عام 2011، من الإطاحة بحسني مبارك، إلى انتخاب مُرشَّح الإخوان المسلمين محمد مرسي عام 2012 لرئاسة الجمهورية، ثم الإطاحته به على يد الجيش أيضًا بعد عامٍ واحد، أدت إلى حملةٍ قمعيةٍ على وسائل الإعلام.

وتبنَّت السلطات المصرية واحدةً من الاتهامات المُفضَّلة لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوقيف واعتقال الصحافيين، وهي ذريعة «الأخبار الكاذبة».

وصرَّح منصور لموقع «ميدل إيست آي»: «في عام 2015، كانت مصر وإثيوبيا الدول الوحيدة في العالم التي تعتقل الصحافيين بتهمة نشر أخبارٍ كاذبة».

ومن بين أولئك الصحافيين: محمود أبو زيد، المُصوِّر الصحافي المعروف باسم شوكان، الذي حصل على جائزة حرية الصحافة العالمية من منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في أبريل (نيسان).

المصور الصحافي شوكان خلف القضبان في جلسة الحكم في قضيته بمصر في سبتمبر 2018.

ورغم اعتقاله منذ عام 2013، حُكِم على شوكان في سبتمبر (أيلول) الماضي بالسجن خمس سنواتٍ بتهمة الانضمام لـ«جماعةٍ إرهابية». وأفادت لجنة حماية الصحافيين أنَّه سيُفرج عنه خلال ستة أشهرٍ بفضل الفترة التي قضاها داخل السجن بالفعل.

وذكر موقع «ميدل إيست آي» ضمن تقريرٍ نشره في شهر مارس (آذار) أنَّ الصحافيين العاملين على الأرض قُبيل الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة، التي شهدت فوز عبد الفتاح السيسي بنسبة 98%، تحدثوا عن عملهم في ظل ثقافةٍ من الخوف.

وصرَّح عددٌ من الصحافيين للموقع بأنَّهم اضطروا لاختيار الموضوعات التي يقومون بتغطيتها، في محاولةٍ منهم لحماية أنفسهم ومصادرهم.

وحجبت مصر أكثر من 500 موقع، من بينها العديد من المنصات الإخبارية ومواقع منظمات حقوق الإنسان، منها موقع الأخبار المستقل «مدى مصر» وموقع منظمة «هيومن رايتس ووتش».

وبحسب التقرير، ترى إيمي ساندرز، أستاذة الصحافة المُساعِدة المتخصصة في قانون وسائل الإعلام وشؤون الشرق الأوسط بجامعة تكساس في أوستن، أنَّ المزيد من القادة العالميين ينظرون الآن إلى «الصحافة الرقابية بوصفها تهديدًا لسلطتهم وسيطرتهم على بلادهم. فبدايةً من دونالد ترامب في الولايات المتحدة وأردوغان في تركيا، ووصولًا إلى ملوك الخليج، ينتقد القادة العالميون هذا النوع من الصحافة ويشنون حملات قمعٍ بحق حرية التعبير حين لا تتوافق مع وجهات نظرهم».

تركيا

ينتقل التقرير إلى تركيا، حيث أدَّت محاولة الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016 إلى حملة قمعٍ موسَّعةٍ بحق وسائل الإعلام.

يقبع 169 صحافيًا خلف القضبان في تركيا الآن، اعتُقِلَ معظمهم في ظل حالة الطوارئ التي فُرِضت في أعقاب محاولة الانقلاب، وفقًا لما أدلت به منصة «بي 24» للصحافة المستقلة.

وقالت المنصة: «اعتبارًا من 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، يقبع 169 صحافيًا وعاملًا في وسائل الإعلام داخل السجون التركية بانتظار إنهاء مُحاكمتهم أو قضاء فترة عقوبتهم».

رجل يرفع لافتةً عليها وجوه صحافيين من صحيفة «جمهوريت» المُعارِضة في تركيا يخضعون للمحاكمة في سبتمبر 2017.

ومن بين المعتقلين في تركيا بعض أفراد فريق عمل صحيفة «جمهوريت» المُعارِضة، التي كانت من أشد منتقدي أردوغان وأعدَّت تقاريرَ على صفحاتها الأولى أثارت حفيظة رئيس الدولة التركية.

ويقول منصور: إنَّ تركيا استخدمت تُهَمة مناهضة الدولة لـ«حظر العمل الصحافي الشرعي». لكنَّها ليست الدولة الوحيدة التي فعلت ذلك.

المملكة العربية السعودية

أما في السعودية، فيقول موقع «ميدل إيست آي» إنَّه حين أطلق ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد الأمير محمد بن سلمان حملته المزعومة لمحاربة الفساد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، احتجز اثنين من أباطرة الإعلام البارزين: الوليد بن طلال، مالك شركة «روتانا ميديا سرفيسز» والذي يمتلك حصةً في شركة «نيوز كوربوريشن» أيضًا، ووليد الإبراهيم، مالك شركة «إم بي سي» وقناة «العربية» الإخبارية في دبي.

ورغم الإفراج عن كليهما في يناير (كانون الثاني)، اضطر بن طلال للموافقة على تسويةٍ ماليةٍ غير معلومةٍ مع المملكة قبل أن ينال حريته، في حين وافق الإبراهيم على منح 60% من أسهم شركته للمملكة.

تظاهرة معارضة أمام البيت الأبيض لولي العهد السعودي ابن سلمان عقب اختفاء جمال خاشقجي.

وفي حديثه إلى قناة «الجزيرة» العام الماضي، قال ديفيد هيرست، مدير تحرير موقع «ميدل إيست آي»: إنَّ السعوديين «مهتمون للغاية بوسائل الإعلام، ويعتقدون بطريقة تفكيرهم القديمة أنَّ وسائل الإعلام يُمكن شراؤها. وهذه هي الطريقة التقليدية التي تنظر بها الدول العربية إلى وسائل الإعلام. إذ لا يعتقدون أنَّ العالم العربي مُهيَّأ لحرية التعبير، وأعربوا عن ذلك صراحةً، لذا يرغبون في السيطرة على وسائل الإعلام».

يوضح التقرير أنَّ المعلومات المُضلِّلة أيضًا تُستخدم للتشكيك في الخصوم السياسيين بالمنطقة، كما تبيَّن خلال الأزمة الدبلوماسية بين قطر وعددٍ من دول مجلس التعاون الخليجي مثل السعودية، وفقًا لما أفادت به إيمي، التي شغلت في السابق وظيفة أستاذة الصحافة بجامعة نورثويسترن في قطر.

وأضافت في إشارةٍ إلى بداية الأزمة الدبلوماسية العام الماضي: «نشر قراصنة الإنترنت تصريحاتٍ ناريةٍ وكاذبةٍ منسوبةٍ إلى أمير قطر على موقع وكالة الأنباء الرسمية للبلاد، في سابقةٍ دوليةٍ أثارت جدلًا كبيرًا. ومنذ ذلك الوقت تداولت كُبرى وسائل الإعلام في الشرق الأوسط داخل مصر والسعودية والإمارات أخبارًا كاذبةً بشكلٍ صارخ بشأن الأوضاع والحياة في قطر، كوسيلةٍ لإقناع المواطنين الخليجيين بالحفاظ على ولائهم لطرفٍ واحد من أطراف النزاع».

بعض الأخبار الجيدة

لكن يرى موقع «ميدل إيست آي» أنَّ وضع الإعلام لم يكن كله بتلك السوداوية.

فللمرة الأولى منذ سنوات لم يُبلَغ عن أي حادثة قتلٍ لأفرادٍ من وسائل الإعلام داخل العراق في عام 2018، حسبما أفادت منظمة «مراسلون بلا حدود». ويقول منصور: «إنَّ هذا هو أول عامٍ لا يُقتل خلاله صحافيون داخل العراق منذ عام 2012».

لكنَّه أكَّد بحسب التقرير على «وجود العديد من حالات الصحافيين الذين تعرَّضوا للخطف أو الإخفاء القسري» بواسطة جهاتٍ غير حكوميةٍ مثل «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». وأضاف: «لا نعلم أي شيءٍ عن أولئك الصحافيين حتى اليوم».

والنقطة المُضيئة الأخرى هي الإفراج عن العديد من الصحافيين المسجونين، وتحديدًا في مصر.

وتابع منصور: «أُفرِج عن نصف الصحفيين الذين سُجِنوا داخل مصر في عام 2017، وأُفرِج أيضًا عن 10 صحفيين نعرفهم جيدًا وأُبلغنا باعتقالهم في عام 2018 فقط»، مُشيرًا إلى أنَّ بعض هؤلاء الصحافيين قضوا فترة عقوبتهم، في حين أُفرِج عن البعض الآخر مُبكِّرًا.

وأنهى منصور حديثه إلى موقع «ميدل إيست آي» قائلًا: «لهذا نحتفي بالانتصارات الصغيرة. وحتى لو ظلَّت مصر واحدةً من أكثر الدول سجنًا للصحافيين، فإنَّ الكثير ممن سُجنوا أحرارٌ اليوم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

علامات

حريات
عرض التعليقات
تحميل المزيد