في مقال كتبه جون باتيست جالوبا ونشرته مجلة «أيون» الأمريكية، يحاول الكاتب – الحاصل على دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ييل الأمريكية – استكشاف الإجابة عن سؤال ملح بعد هزيمة موجة الثورات العربية، وهو: هل تكفي التظاهرات وحدها لإسقاط نظام ديكتاتوري؟ ويتعرض خلال ذلك لثورات مختلفة كان للجيوش فيها الكلمة الأهم – حسب رأيه – في تحديد مصيرها.

ما الذي يتطلبه الأمر للإطاحة بديكتاتور؟

في تناوله لهذا السؤال في المنفى كتب المفكر الماركسي والمعارض السوفيتي ليون تروتسكي، في كتابه – الصادر عام 1930 – «تاريخ الثورة الروسية»:

«مما لا شك فيه أن مصير كل ثورة من الثورات، في مرحلة من المراحل، يتقرر بتحول الرأي العام في الجيش.. وهكذا جرت في الشوارع في الميادين وأمام الجسور، وعلى أبواب الثكنات معركة مستمرة، كانت مأساوية أحيانًا وغير ملموسة أحيانًا أخرى، ولكنها كانت معركة مستميتة دومًا لكسب الجندي».

ورغم ما قد تبدو عليه سلطة الزعيم الاستبدادي من انعزال فإن الديكتاتوريين لا يحكمون وحدهم مطلقًا، ومن ثم فإنه عندما يعصي الجنود الأوامر أو يتمردون ينهار النظام، أما إذا بقوا على إخلاصهم فإنه يظل صامدًا، فالاحتجاجات الجماهيرية وحدها لا تكفي أبدًا.

ينتقل المقال بعد ذلك إلى الثورة التونسية؛ ليقول: «إن التمرد الذي أدى في النهاية إلى الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي من السلطة وهروبه في 14 يناير (كانون الثاني) عام 2011، بدأ في وحدة أمنية خاصة كانت قد نُشرت بصورة استثنائية لحماية وزارة الداخلية ضد أكبر مظاهرة كانت قد خرجت في البلاد آنذاك، وعندما اتجه المتظاهرون إلى القصر الرئاسي، امتد العصيان إلى قوات الأمن الأخرى؛ مما دفع بن علي إلى الفرار من البلاد بعد ساعات. أي أنه مرة أخرى عندما انقلب موقف الشرطة سقط النظام».

ويشير المقال إلى أنه على الرغم من أن الأسباب التي تدعو الجيش وقوات الشرطة إلى إيثار اتباع مسار معين على مسار آخر، لا تزال غير مستوعبةٍ إلى حد كبير، فإن التفسيرات السائدة تبرز ما للمصالح الشخصية أو التنظيمية المؤسسية من دور كبير في العصيان العسكري خلال الانتفاضات الثورية.

إذ إنه وفقًا لهذا المنطق تدفع المظالم الضباط المتمردين للتحرك، أملًا في أوضاع أفضل لهم في النظام السياسي الجديد، في الوقت الذي يسعى الموالون للنظام من جانبهم للحفاظ على مصالحهم المادية.

وعلى خطا النظرة الواقعية الهوبزية (نسبة إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز) العنيدة، تستند تلك الحجة في صميمها إلى حساب بسيط ومنطقي: ألا وهو أن الناس يفعلون الأكثر تحقيقًا لمصالحهم. والدعوى جذابة ما دامت عن بعدٍ، ويستفيد متبنوها من ميزة إدراك الأحداث بعد انتهائها.

لكن المقال يلفت إلى أن الصعوبة تكمن في السعي وراء تفسير السبب الذي يجعل رجالًا كرسوا حياتهم المهنية لخدمة النظام والذين صاغوا هوياتهم المهنية على أساس صارم من الانضباط والتبعية له، يتحولون ويعلنون التمرد عليه.

أي أن تلك الحجة في نهاية الأمر لا تقدم أي تفسير للكيفية التي يتأتى من خلالها لأفراد الجيش وقوات الأمن تغيير إدراكهم لمصالحهم عند مواجهة اضطراب جماهيري جماعي.

«معضلة جماعية»

ويرى جالوبا أن أخذ القرار بالتمرد بعيد كل البعد عن الخضوع للمصالح المادية الواضحة والمدركة جيدًا. كما أن تلك الحجة، بحسب المقال، تستسهل التغاضي عن مدى عمق المعضلة الأخلاقية التي يمكن أن يعاني منها جنود ورجال الشرطة المحترفين.

فالمرء إذا تصور أن ثمة بلد في خضم انتفاضة واسعة النطاق، وتمتلأ شوارع عاصمتها بعشرات أو مئات الآلاف من المتظاهرين، ولم يعد بإمكان الحاكم السلطوي الاعتماد على شرطته السرية ووحدات مكافحة الشغب، ومن ثم يضطر إلى تعبئة تحريك قوات الاحتياط، التي تحمل عادة ذخيرة حية، وليس لديها أي تدريب أو خبرة في التعامل مع الحشود، ما يحدث حينها، وفقًا للمقال، أن هؤلاء الرجال يقعون بين خيارين قاسيين، فالدفاع عن النظام ثمنه سفك أنهار من الدماء، وفي الوقت نفسه يجلب عصيان الأوامر، أو التمرد، وخطر التعرض للمحاكمة العسكرية والموت.

هل يمكن أن يسقط الحكم العسكري الوحشي بالتفاوض والسلمية؟

وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم خبرة في القمع، فإن القيام على قتل عشرات أو مئات الأبرياء غالبًا ما يكون أمرًا شديد البغض إليهم.

علاوة على أن المعضلة هي: أولًا، أخلاقية شخصية وفردية: حيث تنطوي على إما خيانة الفرد لحكومته وإما لوطنه، لكنها سرعان ما تصبح معضلة جماعية. إذ عندما يدرك الضابط أنه ليس وحيدًا في معضلته، فإنه يبدأ في التساؤل عما إذا كان زملاؤه سيتبعون الأوامر، ومن هذا الشك يبزغ احتمال عصيانه هو ذاته للأوامر.

يذهب المقال إلى أن التمردات العسكرية والشرطية نادرًا ما تندلع في مواجهة الاحتجاجات الصغيرة، لكن يمكن القول بشكل موثوق إنها تحدث حين تصل الانتفاضات الثورية إلى الكتلة الحرجة من الجماهير التي تجعل من القتل الهمجي واسع النطاق سبيل النجاة الوحيد للنظام.

وليس أدل على ذلك مما حدث في السودان هذا العام، فقد أخذ المتظاهرون في تحدي الأمن في أنحاء متفرقة من البلاد لمدة ثلاثة أشهر، دون إثارة انشقاقات كبيرة، لكن عندما تجمعت المعارضة على إقامة اعتصام في مقابل مقر القيادة العامة للجيش في 6 أبريل (نيسان)، بدأ الجنود في التذبذب، وبعدها حموا المتظاهرين في اليوم الثاني ضد هجوم الميليشيات الموالية للنظام، ثم في 12 أبريل (نيسان) انقلب الجهاز العسكري والأمني على الرئيس عمر البشير.

تغيير الولاءات

يقول جالوبا إنه غالبًا ما تنتشر التمردات التي تشتعل في أثناء الانتفاضات كالنار في الهشيم بين الأجهزة العسكرية والأمنية. فالثورة الروسية، وفق ما رواه المؤرخ السوفيتي إدوارد نيكولايفيتش بورجالوف في عام 1967، بدأت في عام 1917 حينما تمرد «فوج فولينسكي التابع للحرس الإمبراطوري» وأعلن جنوده «رفضهم العمل جلادين بعد الآن»، ثم شاعت أخبار التمرد بسرعة إلى أفواج عسكرية مجاورة تتمركز في بتروجراد (العاصمة الروسية آنذاك)، وكتب بورجالوف أنه بحلول المساء، «لم يكن بإمكان أي جنرال من جيش القيصر أن يسيطر على الأمور، أو أن ينقذ نظام الحكم المطلق القيصري».

يستدرك المقال ليقول إنه سيكون من الخطأ مع ذلك أن نقرأ هذه الديناميكيات في المقام الأول بوصفها مجرد أعراض منتشرة ومتواجدة منذ وقت طويل داخل الجيش وقوات الأمن؛ إذ إنها عوضًا عن ذلك ترجع في أكثرها إلى مساعي الضباط لتغيير الولاءات والاصطفاف وراء قائد آخر.

وبمجرد أن يبدأ التمرد فإن المخاوف من اشتعال قتال الأشقاء بين الموالين والمتمردين تحوز موقع الثقل من حسابات الضباط وخياراتهم. وغالبًا ما ينحاز الضباط الموالون إلى التمرد رغبة في تجنب القتال.

ويضرب المقال المثال بقائد التمرد ضد ابن علي في تونس، الذي تمكن من استدعاء وحدتين إضافيتين من خلال ادعائه بالعمل طبقًا للأوامر، وعندما أدرك زملاؤه أنه كان يكذب، اختاروا البقاء إلى جانبه، بدلًا عن توجيه السلاح ضده. وهو ما دفع قائد الحرس الرئاسي الموالي لابن علي إلى إقناع الرئيس بالمغادرة على متن طائرة متجهة إلى السعودية، قائلًا إنه يخشى وقوع «حمامات دماء».

لكن في حالات أخرى، يرى الكاتب أن المتمردين المحتملين سيحجمون عن الانضمام إلى تمرد يعتقدون في قرارة أنفسهم أنه سيفشل. فقد انحاز الجنود في الصين إلى المتظاهرين في ميدان السلام السماوي في عام 1989، وفي الوقت نفسه أدان الضباط علانية قرار الحكومة بإعلان الأحكام العرفية، إلا أنه على الرغم من هذا التأرجح، لم يقدم أي ضابط على المبادرة وقيادة تمرد مفتوح، ومن ثم تيسر السبيل أمام الحكومة لقمع المبادرة وسحق الانتفاضة بلا هوادة.

ويعرض المقال إلى ناحية أخرى، فيقول إنه إذا استخدمنا لغة تحليلات نظرية اللعبة، فإن عمليات التمرد تلك هي ألعاب تنسيق، حيث ينزع الأفراد إلى اتباع نفس مسار سلوك على حساب تفضيلاتهم؛ لأن التحرك في مسارات متقاطعة أو متناقضة قد ينجم عنه أسوأ نتيجة ممكنة للجميع.

ويرى الكاتب أنه في هذه الحالة يتحتم على الجميع أن يستكشف ما سيفعله الآخرون، وهو السبب الذي يجعل التوقعات – القناعات المشتركة حول ما سيأتي لاحقًا – متحكمة في السلوك. ومن هنا فإن نجاح التمرد في اللحظات الثورية أو إخفاقه يتعلق إلى حد كبير بقدرة المتمردين على خلق انطباع بأنهم ناجحون لا محالة أكثر من تعلقه بمظالم زملائهم التي كانت موجودة سابقًا.

يختتم المقال بالقول: «إن تلك النقطة لها آثار ذات طبيعة معرفية عميقة في إدراكنا للنتائج الثورية. إذ غالبًا ما تبدأ الانتفاضات بطرق متماثلة، لكنها تأخذ بعد ذلك مسارات شديدة الاختلاف، من ثورات سياسية، إلى عودة لنظام سلطوي قديم، أو حروب أهلية، أو ثورات اجتماعية. وتسعى التحليلات العلمية الاجتماعية للثورات بحكم تعريفها إلى تجاوز الاضطرابات البادية ظاهريًا عن الأحداث للكشف عن أنماط العلاقات السببية الكامنة التي تربط فواعل بطيئة الحركة، مثل تشكيل الطبقات الاجتماعية وهيكلة الدولة والظروف الاقتصادية، بنتائج شتى».

لكن يرى الكاتب أنه إذا كانت الجيوش قادرة على صناعة أو هزيمة الثورات، وإذا كانت مواقفها مما يتعلق بتلك الثورات تجري وتتغير على نطاق زمني لا يتجاوز الساعات أو الدقائق أحيانًا، فإن القيمة التفسيرية لهذه التصورات «البنيوية» للثورات تفقد الكثير من نفاذيتها. ومن ثم فإننا لتفسير أسباب افتراق الدول إزاء الثورات، يرى الكاتب أننا بحاجة بدلًا عن ذلك إلى تطوير نظريات أفضل فيما يتعلق بتأثير الأحداث الثورية في أنماطها النموذجية، مثل الاحتجاجات الجماهيرية والانشقاقات والتمردات.

مثل الثورات العربية.. كيف أدار الأمراء الثورة المضادة في أوروبا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد