مع تصُّدر «أنتيفا»، الجماعة المناهضة للفاشية، عناوين الأخبار مرة أخرى، يشرح المؤرخ مارك براي كيف ظهرت، وما هي أهدافها، وكيف يعمل أعضاؤها.

في ظل الاحتجاجات المشتعلة بمختلف أنحاء الولايات المتحدة منذ مقتل المواطن جورج فلويد على يد ضابط شرطة في مدينة مينيابولس بولاية مينيسوتا، تصدرت جماعة «أنتيفا» اليسارية (وهي اختصار لكلمتي (Anti)، أي ضد، و(fascist)، أي الفاشية، أي مناهضة الفاشية) عناوين الأخبار مرة أخرى. وبالرغم من أن دور«أنتيفا» لا يزال غير واضح، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – وعدد من القادة السياسيين – ألقى عليها باللوم في التحريض على العنف الذي شاب المظاهرات.

وفي تقرير نشره موقع «Vox» الأمريكي، يلقي الكاتب شون إيلينج الضوء على هذه الجماعة اليسارية، التي كانت حديث الساعة في الولايات المتحدة عام 2017، عندما اصطدمت بالنازيين الجدد في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا (خلال مسيرة «وحدوا اليمين» العنصرية التي رفض ترامب إدانتها في البداية).

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
مترجم: ماذا تعرف عن علاقة العرب بالسود في أمريكا وموقفهم من الاحتجاجات الحالية؟

ويوضح إيلينج – وهو محاضر سابق في العلوم السياسية والفلسفة وجندي سابق في القوات الجوية الأمريكية – أنه تواصل عقب هذه الحادثة مع الخبير مارك براي، المؤرخ بكلية دارتموث، ومؤلف كتاب «أنتيفا: دليل مناهضة الفاشية»، لمناقشة أصول الجماعة وأهدافها وتكتيكاتها، موضحًا أن هذا الحوار اكتسب أهمية مرة أخرى في ضوء الأحداث الجارية.

وقال الكاتب إنه عندما استخدم دونالد ترامب تعبير «اليسار البديل» لوصف المتظاهرين المناهضين للنازيين الجدد في شارلوتسفيل العام الماضي، لم يكن لدى معظم الناس أدنى فكرة عما يعنيه ذلك. وأضاف أنه حتى ليس متأكدًا مما إذا كان ترامب يعرف ما الذي يعنيه هذا المصطلح، إذ قال خلال مؤتمر صحافي غير متزن: «ماذا عن اليسار البديل الذي جاء ليهاجم – كما تقولون – «اليمين البديل»؟ هل لديهم أي شعور بالذنب؟».

ويرى الكاتب أنه إذا كان اليسار البديل موجود بالفعل، فجماعة« أنتيفا» ستكون أفضل ممثل عنه، موضحًا أنها شبكة فضفاضة من النشطاء اليساريين الذين يقاومون الأشخاص الذين يعتبرونهم فاشيين جسديًا. مشيرًا إلى أنهم غالبًا ما يكونون الأشخاص الذين يرتدون أربطة الرأس والذين يظهرون في مسيرات اليمين البديل أو فعالياتهم التي تتضمن إلقاء خطابات، بهدف منعها قبل انطلاقها، وهم يتبنون العنف علنًا باعتباره وسيلة مبررة لتحقيق هذه الغاية.

Embed from Getty Images

جماعة أنتيفا في مسيرة في تشارلوتسفيل العام الماضي

وذكر الكاتب أن «أنتيفا» ليست منظمة موحدة، ولا يديرها هيكل قيادة هرمي، وإنما هي مظلة تجمع أشخاصًا يتشاركون الاهتمام بعدد من القضايا، أهمها مقاومة الحركات القومية البيضاء. ونقل عن مارك براي قوله إن معظمهم أعضائها من الاشتراكيين والفوضويين (الأناركيين) والشيوعيين الذين «يرفضون اللجوء إلى الشرطة أو الدولة لوقف زحف فكرة تفوق البيض. وبدلًا عن ذلك، يدعون إلى المعارضة الشعبية للفاشية كما شهدنا في شارلوتسفيل».

وأوضح الكاتب أن براي متعاطف مع قضية «أنتيفا» – التي يتزايد تأثيرها في السياسة الأمريكية – ولا يبذل أي جهد لإخفاء ذلك، إذ يصف كتابه بأنه «دعوة تنحاز بلا خجل إلى حمل السلاح، تهدف إلى تزويد جيل جديد من مناهضي الفاشية بالتاريخ والنظرية اللازمين لإلحاق الهزيمة بأقصى اليمين المتطرف الذي انبعث من جديد».

ويشير إيلينج إلى أن هذه المقابلة تدور حول أخلاقيات «المناهضة المتشددة (المليشيوية) للفاشية»، ولماذا لا تكترث جماعات مثل «أنتيفا» إذا أضرت بالحزب الديمقراطي، ولماذا تشكل مقاومة الفاشية في ظل ديمقراطية ليبرالية تحديًا فريدًا للمعايير السياسية التقليدية.

جذور «أنتيفا»

في البداية يوضح براي أن الحركة المناهضة للفاشية نشأت ردًا على الحركات الفاشية الأوروبية الأولى. ومع صعود قمصان موسوليني السوداء (إشارة إلى الزي الأسود الذي ارتدته الميليشيا التطوعية للأمن القومي الإيطالية) وقمصان هتلر البنية (إشارة إلى الزي البني الذي ارتدته كتيبة العاصفة التي ساعدت في صعود هتلر إلى السلطة) في أوروبا، ظهرت أحزاب وجماعات اشتراكية وشيوعية وفوضوية مختلفة للتصدي لها. 

وأضاف أن الحديث عن مناهضة الفاشية – سوءًا في الكتاب أو في الأحداث الجارية – إنما يتعلق في الواقع بتتبع ذلك النوع من الحركات الثورية المناهضة للفاشية والتي جاءت من الأسفل، أي من الشعب وليس من الدولة.

وأضاف أن هذا النوع من المناهضة المتشددة للفاشية، التي تمثلها «أنتيفا»، عاد إلى الظهور بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا وبريطانيا، والتي امتلك فيها الفاشيون حقوقًا واسعة في التنظيم والتظاهر. وبدأت هذه المجموعات تظهر في الأربعينات، والخمسينات، والستينات، والسبعينات من القرن الماضي. 

وأشار إلى ظهور حركات مماثلة في ألمانيا خلال الثمانينيات في الفترة نفسها التي شهدت سقوط جدار برلين، عندما اجتاحت موجة من النازية الجديدة مختلف أنحاء البلاد مستهدفة المهاجرين. نشأت هناك، كما حدث في أماكن أخرى، جماعات يسارية كأدوات للدفاع عن النفس، وكان هدفها الأساسي هو النظر شذرًا إلى هذه الجماعات الفاشية في الشارع وإيقافها بالقوة إذا لزم الأمر.

Embed from Getty Images

وتابع قائلًا: إن هذه الجماعات اعتمدت في الثمانينات اسم «أنتيفا»، وانتشرت لاحقًا في الولايات المتحدة منذ أواخر الثمانينات وحتى التسعينات، وكانت تعرف في الأصل باسم «شبكة العمل المناهض للعنصرية». وبالرغم من أنها تلاشت نوعًا ما في منتصف العقد الأول من القرن الجديد، إلا أن الموجة التي نراها حاليًا في الولايات المتحدة كانت قد تطّورت من رحمها، بعدما اكتسبت المزيد من سمات الحركة الأوروبية اسمًا وأسلوبًا.

وعبر مارك براي عن اعتقاده بأن عودة هذه الحركة إلى الظهور هي رد فعل على تصرفات ترامب، إذ إن المبدأ الأساسي لـ«أنتيفا» هو «منع وجود أي منبر للفاشية». وأضاف «إذا سألتهم سيخبرونك بأنهم يعتقدون أنك يجب أن ترفض وجود كافة منابر الفاشية، بغض النظر عن حجم التهديد الذي تمثله، صغيرًا كان أم كبيرًا.

بدأت الجماعات الفاشية الأصلية – التي استولت لاحقًا على السلطة في أوروبا – كجماعات صغيرة للغاية. لذا فإنهم يدفعون بضرورة عدم التعامل مع هذه الجماعات باستخفاف، بل ينبغي التعامل معها بأقصى قدر من الجدية، والطريقة المثلى لمنعهم من النمو تتلخص في منعهم حتى من اتخاذ الخطوة الأولى نحو تطبيع وجودهم في المجتمع».

العنف منهجًا

وحول سؤال ما الذي يدفع هذه الجماعة للاعتقاد بأن العنف المادي – على عكس المقاومة السلمية – فعّال وله ما يبرره، أجاب مارك براي بأن الكثير مما يفعلونه لا ينطوي حقيقة على مواجهة جسدية، كما أنهم يركزون على التأثير في الرأي العام، وفضح المتعصبين البيض، وجعل التكلفة الاجتماعية والمهنية لاشتراكهم في هذه المجموعات باهظة الثمن. 

تريد هذه الجماعة أن يُفصل هؤلاء القوم من وظائفهم، وأن تدينهم عائلاتهم، ويُنبذوا من مجتمعاتهم نتيجة أفعالهم. ونعم، ربما يلجأون للمواجهة الجسدية كوسيلة للدفاع عن النفس وقت الحاجة؛ لحماية مجتمعاتهم ضد المتعصبين البيض. وربما يرون المواجهة الجسدية في أحيان أخرى فعلًا وقائيًا، فكأنهم ينظرون إلى تاريخ الفاشية في أوروبا ويقولون: علينا أن نقضي على هذه المشكلة قبل أن تتغلغل وقبل فوات الأوان. 

قد يترتب على هذا الأمر مواجهة جسدية في بعض الأحيان، أو منع مسيرات من يجابهونهم أو أيًا كان. ويؤكد مارك أننا يجب أن نتذكر أنهم يصفون أنفسهم بالثوار، فهم شيوعيون فوضويون، وبعيدون عن الطيف الليبرالي التقليدي المحافظ. ولهذا السبب فهم لا يهتمون بالأعراف التقليدية، ولا يشعرون أنهم ملزمون بها.

Embed from Getty Images

على ضوء الإجابة السابقة، سأل سين ما إذا كان هذا الكلام يعني أن أحد مبادئ «أنتيفا» هو أن لا تمكن الفاشية من الحصول على منبر للتأثير؟ فما هو تعريف الفاشية إذن في قاموس هؤلاء وما الحد الفاصل؟ يوضح مارك أن هذه الجماعات المناهضة للفاشية لا تعمل ضد الفاشية التقليدية فقط، فهناك أولًا وقبل كل شيء جدل حول ما الذي يحدد وصف الفاشية.

وهذا سؤال مشروع أن تسأل: أين يجب أن ترسم الحدود؟ وكيف يرى المرء هذا النوع من التنظيم؟ بالتأكيد، ليست هناك قيادة مركزية لمجموعة مثل «أنتيفا» لتعلم الناس ما هو الخط الفاصل؛ وبالتالي ستقيم مجموعات مختلفة من الناس التهديدات المختلفة في كل مرة لتقييمها في ضوء  ما يرونه مناسبًا. 

يستدرك مارك: لكني أفترض أن سؤالك يتعلق بمغالطة المنحدر الزلق؛ إذا بدأت باتهام الجميع بالفاشية ومنعتهم من أن يكون لهم منبر يعبرون به عن أنفسهم فإلى أين سينتهي بك الحال؟ 

إحدى الحجج التي أطرحها في هذا الكتاب، وإن كانت هذه المسألة تستحق أن تخضع لنقاش تحليلي، إلا أنني لا أجد أي أمثلة تجريبية لحركات مناهضة للفاشية نجحت في إيقاف نازيين جددًا، ثم انتقلت لمجموعات أخرى غير عنصرية لمجرد أنها يمينية. ما يحدث عادة هو أن هذه الجماعات تتفكك بمجرد أن تنجح في إزالة التهديد اليميني المتطرف محليًا أو تهميشه، ثم يعودون لما يفعلونه عادة من تنظيم النقابات، وممارسة النشاط البيئي، وما إلى ذلك. 

هل تنجح إستراتيجية «أنتيفا» على أرض الواقع؟

يستفسر سين عن مدى إمكانية نجاح الإستراتيجية التي تتبعها هذه الجماعات، ويسأل مارك: أنت مؤرخ ولديك اطلاع على الكثير من المعلومات، هل هناك دليل على نجاح التكتيكات التي تتبناها الجماعة؟ هل هناك وقائع تاريخية تشير إلى أن مجموعات شبيهة بالأنتيفا نجحت في وقف الحركات الفاشية؟

ويجيب مارك أننا عندما ننظر إلى مسألة السببية في التاريخ، لا يمكننا أن نعزل متغيرًا واحدًا ونقدم استنتاجات عامة وقطعية. لذا لا أريد المبالغة في المزاعم السببية التي قُدمت هنا، ولكن النرويج تعطي مثالًا مثيرًا للاهتمام. ففي تسعينات القرن الماضي كان لدى البلاد حراك عنيف جدًا يقوده النازيون الجدد ويبدو أن الجماعات المناهضة للفاشية على مستوى الشارع هناك أدت دورًا مفصليًا في تهميش ذلك التهديد. توقف هذا الحراك العنيف إلى حد كبير مع نهاية التسعينات، ولم تشهد النرويج تحركات فاشية جادة من هذا النوع فيما بعد. 

مثال آخر يمكننا الاستشهاد به هو الاستجابات الشعبية في أواخر سبعينات القرن الماضي ضد الجبهة الوطنية؛ وهي حزب سياسي يميني متطرف تشكل في بريطانيا عام 1967. كانت الجبهة الوطنية ضخمة جدًا، ومع ذلك تمكنت الرابطة المناهضة للنازية من امتصاص تضخم الجبهة الوطنية بنجاح؛ من خلال مزيج من الأساليب المليشوية المناهضة للفاشية وبعض التنظيم والإستراتيجيات الانتخابية الأكثر شعبية. 

واحدة من أكثر اللحظات شهرة في تلك الحقبة هي معركة لويسهام عام 1977. حين منع أعضاء هذا المجتمع المكون في معظمه من المهاجرين مسيرة كبيرة للجبهة الوطنية وبالتالي، استطاعوا إيقاف استهدافهم العدواني لذلك المجتمع بشكل ما. 

«لا يبالون بالديمقراطية الليبرالية»

يطرح سين سؤاله حول ما إذا كان أعضاء «أنتيفا» يرون أن الفاشية في مضمونها هي نبذ للمعايير الديمقراطية الليبرالية؛ وبالتالي لا يمكن هزيمتها بما يمكن أن نعتبره أساليب الديمقراطية الليبرالية التقليدية؟ يقول مارك مجيبًا: هذا صحيح، تدفع هذه الجماعات ببضعة أفكار؛ فهم يرون أولًا أن الديمقراطية البرلمانية في أوروبا لم تستطع دائمًا أن توقف تقدم الفاشية والنازية.

Embed from Getty Images

ويضيف أنه في كل من ألمانيا وإيطاليا جرى تعيين هتلر وموسوليني، واكتسب الزعيمان سلطتهما إلى حد كبير من خلال الوسائل الديمقراطية. إذ حظي هتلر بسيطرته النهائية من خلال قانون التمكين 1933 الذي وافق عليه البرلمان. ويرون أيضًا أن الخطاب العقلاني لا يجدي نفعًا بمفرده؛ إذ جرت العديد من النقاشات والجدالات الجيدة آنذاك، ولكنها لم تكن كافية. وبالتالي فإن وجهة النظر التي تقول إن الأفكار الجيدة تنتصر على الأفكار السيئة ليست مقنعة حقًَا. 

النقطة الأساسية الأخرى التي يطرحونها والتي ربما لم تُقدم بشكل جيد أن هؤلاء الأشخاص يساريون ثوريون، ولا يبالون بحقيقة أن الفاشية تستهدف الليبرالية. هؤلاء ثوار بحقيقتهم، ولا ولاء لديهم للديمقراطية الليبرالية التي يعتقدون أنها خذلت المجتمعات المهمشة التي يدافعون عنها. هؤلاء شيوعيون فوضويون بعيدون كل البعد عن الطيف الليبرالي التقليدي المحافظ. 

هنا يسأل سين عن قول علماء اللاعنف بأن الإلغاء العالمي للرق والعبودية تحقق بالكامل تقريبًا بالوسائل اللاعنفية (كانت الحرب الأهلية استثناءً واضحًا، بحسب الكاتب)، وأن خطوات كبيرة في مجال حقوق المرأة قد اتُّخِذت، وأن الثورات اللاعنفية، في أوروبا الشرقية، وجنوب أفريقيا، وشيلي، ومصر، والفلبين، وفي أماكن أخرى، قد أُنجِزت كلها دون اللجوء إلى استخدام القوة. فما الفارق الذي يميز مهمة «أنتيفا»؟ ولماذا يعتقدون أن العنف أكثر فعالية في هذا السياق؟

يكرر مارك ما أشار إليه سابقًا حول عدم وجود عامل واحد في التاريخ يمكن أن يقدم تفسيرًا لنتيجةٍ تحققت. ودائمًا ما تكون الأمور أكثر تعقيدًا من ذلك. وما قِيل صحيح بالتأكيد من حيث إلغاء الرق والعبودية. وفي أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، أُلغي الرق على نطاق واسع من خلال قوانين العتق التدريجي، وسُنَّ كثير من هذه القوانين كاستجابة واضحة للثورة الهايتية (ضد الحكم الاستعماري الفرنسي في سان دومينغو) وخوفًا من أنهم إذا لم يبدأوا في ضبط الأمور فإنهم سيواجهون انتفاضة عارمة.

وينطبق هذا أيضًا على حركة الحقوق المدنية، إذ أدَّى التهديد الناجم عن أعمال الشغب العرقية وحزب الفهود السود وما إلى ذلك إلى تعاطف أكبر، مقارنة بما حدث في السابق، من جانب أمريكا البيضاء مع أنواع الأمور التي كان مارتن لوثر كينغ وحلفاؤه يقولونها.

ويضيف: من الواضح أن الحالة النازية واحدة من تلك المشاكل التاريخية المستعصية على دعاة السلامية (مناهضة الحرب والعنف). وحتى مدرسة اللاعنف الإستراتيجي، التي تنحِّي الأسئلة الأخلاقية جانبًا لصالح الأسئلة الإستراتيجية، لا تزال فاشلة، من وجهة نظري، في إثبات كيف أن اللاعنف ربما أتى ثماره في هذه الحالة.

ولكن، سيعترف المناهضون للفاشية بأن اللاعنف في معظم الأحيان هو بالتأكيد الطريق المناسب الذي يجب المضي فيه قدمًا. ويعتقد معظم أعضاء «أنتيفا» أن استخدام الأساليب اللاعنفية أسهل بكثير من الظهور واستخدام أساليب العمل المباشر. ولكنهم يجادلون بأن التاريخ يثبت أنه من الخطر إخراج العنف والدفاع عن النفس من الحسابات.

لماذا تكميم الأفواه؟

وهنا يطرح سين تساؤلًا حول السبب وراء تكميم الأفواه؟ وتلك هي المشكلة. وهو يعتقد أن الأشخاص الذين تظاهروا في مدينة شارلوتسفيل لمواجهة مَن أطلقوا على أنفسهم وصف النازيين الجدد قدَّموا خدمة للعالم، وهو يحييهم على ذلك. ولكن عندما يرى «أنتيفا» تظهر في أماكن مثل جامعة كاليفورنيا بمدينة بركلي ويضرمون النار في السيارات ويلقون بالحجارة عبر النوافذ لمنع شخص، مثل ميلو يانوبولوس، من التحدث، يعتقد أنهم تمادوا للغاية في أفعالهم. ويشير إلى أن ميلو ليس نازيًّا ولا يمثل تهديدًا حقيقيًّا؛ بل هو «بهلوان متجوِّل يتطلع إلى الإساءة إلى محاربي العدالة الاجتماعية».

Embed from Getty Images

يقول مارك: أعتقد أن العقلاء يمكن أن يختلفوا حول هذا الأمر. ولا يمكن التحدث باسم الأفراد الذين ارتكبوا هذه الأعمال السياسية، ولكن الدفاع العام هو أن الأساس المنطقي لإسكات شخص مثل ميلو يتعلق بحقيقة أن التعليقات الاستفزازية التي يقولها من النوع الذي يشجع الفاشيين الفعليين. 

وأصدر المسؤولون في جامعة بيركلي بيانًا أعربوا فيه عن خشيتهم المسبقة من أن حضور ميلو إلى الجامعة سيؤدي إلى خروج الطلاب غير المسجلين إلى الحرم الجامعي، وكان ميلو قد تهكَّم علنًا على طالبة متحولة جنسيًّا في جامعة ميلووكي ويسكونسن (وعرض صورتها واسمها على الشاشة). وتعتقد «أنتيفا» أن هذا تحريضًا على العنف، لذلك يشعرون بأن لديهم مسوغات لإسكاته.

ويستدرك قائلًا: مرةً أخرى، وعلى الرغم من ذلك، يسهل فهم ما جرى عندما تتذكر أن «أنتيفا» لا تهتم بحرية التعبير، أو القيم الديمقراطية الليبرالية الأخرى.

إذًا ماذا تريد «أنتيفا» فعلًا؟

تعرِّف «أنتيفا» نفسها بعبارات سلبية بحتة، فيما يخص ما تعارضه. ولكن ماذا يريدون؟ هل لديهم أهداف سياسية ملموسة؟ يرى مارك أن هذا سؤال رائع، وغالبًا ما يُقابل بالتجاهل. ففي الغالب هذه مجموعات يسارية عامة تتكون من يساريين من شرائح مختلفة. ويبدو أن لديهم جميعًا وجهات نظر مختلفة حول ما يعتقدون أنه الشكل المثالي للنظام الاجتماعي. وبعضهم ماركسيون، وبعضهم لينينيون، وبعضهم ديمقراطيون، اشتراكيون، أو فوضويون (أناركيون). لكنهم يلتفون حول الرد على ما يعتقدونه تهديدًا مشتركًا.

إذًا هل صحيح أن الناس محقون في قلقهم من أن هذا النوع من معاداة الليبرالية سيتسبب في المزيد من معاداة الليبرالية استجابةً لذلك، وأن النتيجة ستكون الدخول في دوامة من التنافس لمعاداة الليبرالية؟ يجيب مارك: كما ذكرنا آنفًا، ليس لدى مناهضي الفاشية أي ولاء لليبرالية، ولذلك ليس هذا هو السؤال الذي يركزون عليه. والسؤال أيضًا هو مقدار التهديد الذي نعتقد أن أصحاب نظرية تفوق العرق الأبيض، أو النازيين الجدد يشكلونه، سواء بالمعنى الحرفي أو المباشر، ومقدار قدرتهم كذلك على التأثير على الخطابات الأوسع نطاقًا أو حتى على إدارة ترامب.

ويعتقد مارك أنه بالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بأسوأ التداعيات الخاصة بذلك، فإنهم يعانون بالفعل من نوع ما من معاداة الليبرالية فيما يخص عدم قدرتهم على التحصُّل على أنواع الحريات التي تعززها الليبرالية وتطمح إلى تحقيقها؛ ولذلك فإن التركيز منصب على هذا الأمر على نحو أكبر، في محاولة للتخفيف من هذه الأنواع من المشاكل، منه على مخاوف الناس الذين كانوا يعتقدون، قبل وصول ترامب إلى السلطة، أن كل شيء على ما يرام في الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

وهنا سؤال يطرحه سين: هل يمكن أن تصبح «أنتيفا» أكبر حجمًا وأكثر نشاطًا؟ وإذا حدث ذلك، فماذا يعني ذلك للسياسة الأمريكية الماضية في طريقها قدمًا؟ يجيب مارك: إن أول شيء يجب الإشارة إليه هو أن الانضمام إلى إحدى هذه المجموعات يعني الالتزام بإنفاق وقت كبير عليها، وعملية التدقيق التي تتبعها هذه المجموعات لضم أشخاص جدد إليها أمر شاق للغاية. ويجب أن تلتزم تمام الالتزام؛ إنها في الأساس وظيفة ثانية. وهذا يقلل من عدد الأشخاص الذين سيكون لديهم الاستعداد لقضاء وقتهم في هذه الوظيفة. ولا أعتقد أن أعداد المنضمين إلى حركة «أنتيفا» سوف يزداد زيادة ضخمة كما حدث مع بعض الحركات الأخرى.

لكن أعتقد أن «أنتيفا» يمكن أن تؤثر على توجهات السياسات اليسارية في أمريكا. إنهم عدوانيون وصاخبون ومتعصبون بشراسة. ولديهم تأثير أوسع على اليسار الراديكالي في هذه البلاد، خاصة في الحرم الجامعي ومع مجموعات أخرى مثل Black Lives Matter (حياة السود مهمة). لكن يجب ألا نبالغ في دور«أنتيفا» في هذه التحولات.

لكن هل يؤدي تأثير «أنتيفا» على اليسار الأمريكي في النهاية إلى التأثير سلبًا على الحزب الديمقراطي – وهل سينسحب ذلك على الجمهوريين؟ يرى مارك عدم إمكانية تكرار الأمر هنا، لكنهم لا يهتمون بالحزب الديمقراطي. ولكنه يراه لا يزال سؤالًا مثيرًا للاهتمام. وبالنظر إلى الكارثة التي تمثلت في وصول ترامب إلى الرئاسة، يعتقد أنه سيكون فشلًا ذريعًا للحزب الديمقراطي إذا لم يفز في الانتخابات الرئاسية المقبلة ويكسب الأغلبية في الكونجرس. وإذا لم يتمكنوا من تحقيق ذلك في ظل هذا الجنون، ينصحهم مارك بإعادة التفكير في ما يفعلونه.

إذًا هل سيرى كثير من الناس أن «أنتيفا» وأساليبها انعكاسًا ضعيفًا لليسار؟ يستبعد مارك ذلك تمامًا. لكنه يعتقد أيضًا أن مثل هؤلاء الأشخاص لن يصوتوا للديمقراطيين على أية حال. وإذا طالعت الأخبار، أو أمعنت النظر فيما يحدث، فستعلم أن نانسي بيلوسي لا علاقة لها بـ«أنتيفا». وهذه المجموعة تكره الحزب الديمقراطي ولا تخفي ذلك، على حد قوله. 

ويختم مارك الحوار قائلًا: لذا فإن أي شخص يلوم الديمقراطيين على ظهور «أنتيفا» من المحتمل أن يكون بالفعل مستعدًا للتصويت للجمهوريين على أية حال.

تاريخ

منذ 4 شهور
«نيويورك تايمز»: ثمن الزعامة الأمريكية.. هكذا بُني «النظام العالمي الليبرالي» على سفك الدماء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد