من بغداد، يعالج قاسم عبد الزهرة وجوزيف كروس، مراسلا وكالة «أسوشيتد برس»، الاحتجاجات في العراق ولبنان، وتأثيرها على مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة أن الاحتجاجات في البلدين تميل إلى استهداف أحزاب وأطراف محلية متحالفة مع إيران.

يستهل التحليل الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بالإشارة إلى توجه الجنرال الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد في وقت متأخر من الليل، بعد يوم من اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العراق، واستقلاله مروحية إلى المنطقة الخضراء شديدة التحصين، حيث فاجأ مجموعة من كبار المسؤولين الأمنيين برئاسة اجتماع بدلًا عن رئيس الوزراء.

ويرى المراسلان أن وصول سليماني، قائد قوة القدس الإيرانية ومهندس جهاز الأمن الإقليمي التابع لها، يشير إلى قلق طهران بشأن الاحتجاجات، التي اندلعت في جميع أنحاء العاصمة وفي قلب العراق الشيعي، وشهدت دعوات موجهة لإيران بوقف التدخل في شؤون البلاد.

هل تؤدي الاحتجاجات إلى رد فعل إيراني عنيف؟

توضح الوكالة أن الاحتجاجات تغذي في العراق ولبنان مظالم محلية وهي موجهة أساسًا إلى النخب السياسية، لكنها تشكل تحديًا أيضًا لإيران، التي تدعم عن قرب كلتا الحكومتين، وكذلك الجماعات المسلحة القوية في كلا البلدين. فيما أثارت حملة القمع العنيفة المتزايدة في العراق وهجوم أنصار «حزب الله» على مخيم الاحتجاج الرئيس في بيروت مخاوف من رد فعل عكسي من جانب إيران وحلفائها.

Embed from Getty Images

وقال سليماني للمسؤولين العراقيين، وفقًا لما ذكره مسؤولان كبيران على اطلاع بما دار في الاجتماع تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما حول الاجتماع السري: «نحن في إيران نعرف كيف نتعامل مع الاحتجاجات. لقد حدث هذا في إيران وسيطرنا عليه».

لكن بعد مرور شهر تقريبًا، استؤنفت الاحتجاجات في العراق، كما تستمر المظاهرات في لبنان، وهي حركة شعبية موجهة ضد الحكومات والفصائل المتحالفة مع طهران. وتهدد الاحتجاجات نفوذ إيران الإقليمي، في الوقت الذي تكافح فيه تحت وطأة العقوبات الأمريكية التي تعوق حركتها، بحسب التقرير.

قناصون مجهولون يطلقون النار على المحتجين

في اليوم التالي لزيارة سليماني، أصبحت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في العراق أكثر عنفا بكثير، حيث تجاوز عدد القتلى المائة بعد أن أطلق قناصون مجهولون النار على المتظاهرين في الرأس والصدر. قُتل حوالي 150 محتجًا في أقل من أسبوع.

وخلال تجدد الاحتجاجات هذا الأسبوع، وقف رجال يرتدون ملابس مدنية سوداء وأقنعة أمام الجنود العراقيين، في مواجهة المتظاهرين، وراحوا يطلقون الغاز المسيل للدموع. قال السكان إنهم لا يعرفون من هم، ويتوقع البعض أن يكونوا إيرانيين، كما نقل المراسلان.

إيران تخشى ضياع مكاسبها في العراق

وقال هشام الهاشمي وهو محلل أمني عراقي: «تخشى إيران هذه المظاهرات؛ لأن طهران حققت أكبر المكاسب في الحكومة والبرلمان من خلال الأحزاب المقربة منها» منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003. وأضاف «إيران لا تريد أن تخسر هذه المكاسب. ولذا حاولت العمل من خلال أحزابها لاحتواء الاحتجاجات بنفس الطريقة الإيرانية». ولكنها لم تنجح، وفقًا لما نقلته وكالة «الأسوشيتدبرس». 

استؤنفت الاحتجاجات في العراق يوم الجمعة بعد توقف قصير، حيث تجمع المتظاهرون في ميدان التحرير ببغداد واشتبكوا مع قوات الأمن أثناء محاولتهم اختراق الحواجز على جسر يؤدي إلى المنطقة الخضراء، مقر الحكومة وموطن العديد من السفارات. وفي جنوب العراق، هاجم المتظاهرون مكاتب الأحزاب السياسية والميليشيات التي تدعمها الحكومة والمتحالفة مع إيران وأضرموا فيها النار.

 ويلفت قاسم وجوزيف إلى أن البلد الذي يعتبر ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الأوبك، يشكو سكانه الفقراء من أن الميليشيات الشيعية القوية المرتبطة بإيران قامت ببناء إمبراطوريات اقتصادية، والسيطرة على مشاريع إعادة الإعمار الحكومية والتحول إلى أنشطة تجارية غير مشروعة.

Embed from Getty Images

إيران تسعى إلى تصدير نظام الملالي إلى العراق

ينقل مراسلا الوكالة الأمريكية عن علي العراقي، وهو محتج يبلغ من العمر 35 عامًا من مدينة الناصرية في الجنوب التي شهدت اشتباكات عنيفة على نحو خاص بين المتظاهرين وقوات الأمن، قوله: «جميع الأحزاب والفصائل فاسدة، وهذا مرتبط بإيران، لأنها تستخدمهم في محاولة تصدير نظام حكمها الديني إلى العراق».  

وأضاف «الشعب يعارض هذا، وهذا هو السبب في أنك ترى انتفاضة ضد إيران».

وفي ليل الثلاثاء فتح رجال ملثمون، بدا أنهم على صلة بقوات الأمن العراقية، النار على المتظاهرين في كربلاء المقدسة. وقُتل ما لا يقل عن 18 محتجًا وجُرح المئات في عملية إراقة دماء يمكن أن تمثل نقطة تحول مشؤومة في المظاهرات. وفي بغداد أحرق المحتجون العلم الإيراني، وقبل أيام تجمع المحتجون خارج القنصلية الإيرانية في كربلاء، وهم يهتفون «فلتخرج إيران.. فلتخرج!»

«كلن يعني كلن».. لا تعفي أي حزب أو طرف لبناني من اللوم

في لبنان، خرج مئات الآلاف من الناس إلى الشوارع ليطالبوا باستقالة حكومة تهيمن عليها الفصائل الموالية لإيران. وكما في العراق تركزت الاحتجاجات على مظالم محلية.

وقال أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا، وهي شركة متخصصة في إجراء البحوث والاستشارات حول المخاطر السياسية: «الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان تتعلق بالأساس بالسياسة المحلية وطبقة سياسية فاسدة فشلت في القيام بدورها».

وأضاف كامل أن الاحتجاجات «تُظهِر فشل نموذج الوكيل حيث تستطيع إيران توسيع نفوذها لكن حلفاءها غير قادرين على الحكم بفعالية».

وتشير الوكالة في تقريرها إلى أنه نادرًا ما هتف المتظاهرون اللبنانيون ضد إيران وحليفها المحلي الرئيس «حزب الله»، لكنهم ركزوا كثيرًا من غضبهم على الرئيس ووزير الخارجية اللبناني، اللذين ينتميان إلى حزب مسيحي متحالف بشكل وثيق مع حزب الله. إن الهتاف الشائع «كلن يعني كلن»، يعني عدم استثناء أي من فصائل لبنان، بما في ذلك «حزب الله» وحلفاؤه، من توجيه اللوم. 

واندلعت اشتباكات الأيدي الأسبوع الماضي في تجمع حاشد عندما هتف المتظاهرون ضد زعيم حزب الله حسن نصر الله، الذي أعلن في نفس الوقت تقريبًا أنه يسحب أنصاره من الاحتجاجات. وقال إن قوى أجنبية غير محددة تستغل الاحتجاجات لتقويض جماعته، محذرًا من أن مثل هذه الأعمال قد تغرق البلد في الحرب الأهلية مرة أخرى.

أنصار حزب الله يهاجمون مخيم الاحتجاج الرئيس

ووفقًا لما يورده مراسلا الوكالة قاسم عبد الزهرة وجوزيف كروس فقد هاجم أنصار حزب الله المخيم الرئيس للاحتجاج في وسط بيروت يوم الثلاثاء. بعد ذلك بوقت قصير، استقال رئيس الوزراء سعد الحريري، وهو زعيم مدعوم من الغرب كان قد شارك على مضض مع الفصائل الموالية لإيران في حكومة وحدة وطنية. وعاد المتظاهرون إلى الميدان بحلول غروب الشمس، وهتفوا بأول انتصار لهم منذ بدء المظاهرات في 17 أكتوبر (تشرين الأول).

وحزب الله هو أقوى قوة مسلحة في لبنان، وكان وحده يرفض نزع السلاح بعد الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990. ويبرر الحزب ترسانته بقوله إنها ضرورية للدفاع عن البلاد ضد إسرائيل التي احتلت جنوب لبنان من 1982 إلى 2000.

لكن حزب الله أرسل آلاف المقاتلين إلى سوريا المجاورة للمساعدة في هزيمة الانتفاضة ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وهو حليف رئيس آخر لإيران. أما الميليشيات العراقية القوية المدعومة من إيران، والتي احتشدت في البداية لمحاربة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، فقد قاتلت أيضًا إلى جانب قوات الأسد. وقمعت إيران بعنف احتجاجاتها المؤيدة للديمقراطية، والمعروفة باسم «الحركة الخضراء»، بعد الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009.

إيران.. من الصمت حيال المظاهرات إلى التنديد بالغرب

لزمت إيران الصمت إلى حد كبير بشأن الاحتجاجات حتى يوم الأربعاء عندما اتهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين بإثارة الاضطرابات في العراق ولبنان، وفقًا لما ورد على موقعه بالإنترنت.

ونقل عن خامنئي، الذي كان يتحدث في أكاديمية الدفاع الجوي الإيراني، قوله: إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية «تثير الفوضى» في المنطقة. وحث العراق ولبنان على إعطاء الأولوية للأمن القومي واحترام القانون، بينما قال أيضًا: إن مطالب المحتجين «صحيحة».

وكان عباس موسوي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قد أعرب للعراق في وقت سابق عن «أسف طهران العميق» بشأن عشرات المحتجين الذين قتلوا في العراق. وقال «نحن واثقون من أن الحكومة العراقية والشعب ورجال الدين يمكنهم التغلب على هذه المشاكل».

الطريق إلى المنطقة الخضراء في بغداد.. التفاصيل الدامية لعبور خط الصد الأول

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد