«أولت إيران دعم الجماعات المسلحة الأجنبية أهميةً كبرى في أعقاب الربيع العربي، ما الأهمية المركزية لهذا الدعم في سياسات إيران الخارجية؟».

تمهيد: في السنوات الأخيرة وتحديدًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، انتعش التمويل الإيراني للإرهاب في المنطقة. نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا كتبه كريم البر، يتناول الملف الإيراني، ويجيب عن تساؤلات برزت بعد الاتفاق النووي.

أثناء العرض العسكري لإحياء الذكرى السنوية رقم 36 للحرب العراقية الإيرانية، تحدث القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية بوضوح يشوبه الحدة، عن سيطرة طهران على خمس دول عربية.

حدد اللواء «محمد باقري» تلك الدول، وهي لبنان واليمن وفلسطين وسوريا والعراق.

وقد أشار «محمد جواد ظريف» وزير الخارجية الإيراني من خلال مقالته المثيرة للجدل في صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي، أن الفكر الوهابي المتشدد للإسلام السني هو عدوهم الأساسي، والذي تعمل المملكة العربية السعودية على انتشاره.

لدى إيران تاريخ طويل حافل مع تلك الدول كلبنان، أما في دول أخرى كاليمن، لم تتدخل إيران في شؤونها إلا مؤخرًا. أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يمثل العداء لإسرائيل حجر الزاوية لإضفاء الشرعية المحلية للنظام الثيوقراطي القائم.

في السنوات الأخيرة، احتلت كل من سوريا والعراق العناوين الرئيسية للصحف العالمية، وحازت على اهتمام السياسة الخارجية الإيرانية، وبالرغم من أن العاصمتين دمشق وبغداد كانتا العاصمتين التاريخيتين للخلافة الإسلامية السنية، صارتا الآن تحت سيطرة إيران بمنهجها الشيعي بشكل كبير.

 

لا يمكن تجاهل البعد الطائفي كأحد دوافع تدخل إيران في الحرب الأهلية السورية، إذ زار زعيم حركة النجباء الشيعية العراقية حلب أواخر الشهر الماضي، وقد بُث مقطع فيديو دعائيًّا عقب الزيارة، يتضمن أغنيةً في خلفية الفيديو تقول: «حلب شيعية».

أثناء نشر تلك المقالة، احتشد ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل شيعي خارج المناطق التي يسيطر عليها المتمردون شرقي حلب، والتي دمرتها الغارات الجوية السورية الروسية في وقتٍ سابق.

ثمة بعض الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الشأن.

ما الذي يوحد السياسة الخارجية الإيرانية في هذه الدول منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979؟ وما السبب وراء دعم إيران المستمر للمجموعات الأجنبية المسلحة، والجهات الفاعلة غير الحكومية في منطقة الشرق الأوسط؟

المسيحية أم القومية؟

المجموعات المسلحة

ذكر تقرير سري لوكالة الاستخبارات المركزية كتب عام 1986، أنه بجانب دعم طهران للجهات الفاعلة غير الحكومية في الخارج لتعزيز مصالحها الوطنية، هناك أيضًا جانب عقائديّ، إذ «يقع على عاتق طهران واجب دينيّ بتصدير الثورة الإسلامية ونشر أفكارها بكافة السبل المتاحة، والنضال المستمر ضد الدول المعادية».

تُشَبّه طبيعة الأيديولوجية الإيرانية في كثير من الأحيان بالطبيعة المسيحية في إطار تفسير دعمها للجماعات الأجنبية، مع الإشارة لتلك الجملة الافتتاحية الإلزامية الشهيرة في الدستور الإيراني «إقامة الحكومة العالمية المقدسة وإخضاع الآخرين».

دار الكثير من النقاش حول دعم إيران للجماعات الأجنبية، وما إن كان السبب هو المصلحة الوطنية، أم يرجع لأسباب أيديولوجية.

صرحت د.«سانام وكيل» (زميلة مشاركة في معهد تشاتام هاوس- المعهد الملكي للشؤون الدولية) لموقع MEE أنها «تعتقد أنه من السهل تأكيد البعد الأيديولوجي لتفسير أو تبرير تصدير إيران للثورة».

وأضافت «سانام» أنه «فيما يتعلق بالعنصر البراجماتي، فيقصد من ورائه المصلحة الوطنية».

وقد توافق ذلك مع تصريح «إيلي جرانماي» (زميلة سياسية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية)، إذ قالت إن «إيران لا تفعل ذلك بمنأًى عن الإطار الأيديولوجي».

وأضافت «جرانماي» أن السياسة الإيرانية في المنطقة تتخطى تدابير الأمن القومي، إذ قالت إن «إيران تطمح طموحًا كبيرًا في تصدير الفكر الثوري إلى كافة أرجاء المنطقة».

كما أشارت «جرانماي» إلى حقيقة أن المواطنين الإيرانيين ذوي الأغلبية العظمى الشيعية، هناك الكثير منهم لا ينتمي عقائديًّا إلى طائفة الأسد العلوية.

التدخل الإقليمي

 

لم تتردد إيران في الدخول إلى أتون الحرب الأهلية السورية؛ كي تحافظ على مناطق نفوذها، بل جندت الشيعة الفقراء من بلدان أخرى بعيدة مثل كوت ديفوار، واليمن، وأفغانستان، وباكستان للقتال نيابةً عنها في سوريا، بالإضافة إلى دور قوات الحرس الثوري الإيراني بشقيه النخبة، وقوات القدس.

تحفَّظ حزب الله في البداية عن إقحام نفسه في هذه الحرب، وما يزال تدخلهم نقطة خلاف داخل الحركة حتى الآن، إذ انتقد «صبحي الطفيلي» الأمين العام السابق لحزب الله العدوان على سوريا، واصفًا أي شخص يقاتل جنبًا إلى جنب مع الروس والأمريكيين بأنه عدو لله.

تقول «سانام وكيل» إن «إيران قد احتضنت حزب الله، بل قد يكون حزب الله بمثابة الابن بالنسبة لإيران، إلا أن الأبناء لا ينصاعون لآبائهم طوال حياتهم».

يقال إن الأمين العام لحزب الله «حسن نصر الله»، وافق على الدخول في هذه الحرب بعد تلقيه طلبًا شخصيًّا من «خامنئي».

صرحت «جنيف عبده» (زميلة سياسية بارزة في مجلس الأطلسي) لموقع MEE أنه «ليس بالضرورة أن يكون حزب الله دميةً في يد إيران كما هو سائد في وسائل الإعلام، فبالرغم من أن جزءًا كبيرًا من تمويل حزب الله يأتي من إيران، فإن حزب الله لديه الكثير من الأهداف والاعتبارات المحلية في الداخل اللبناني، البالغة الأهمية لنجاح الحزب».

تضيف «جنيف عبده» قائلةً إن «وضع حزب الله في لبنان يختلف تمامًا عن وضع الجماعات الشيعية المسلحة في العراق»، إذ إن بعض هذه المجموعات المسلحة، أكثر ولاءً لـ«علي السيستاني» رجل الدين العراقي الشيعي واسع النفوذ، منه لـ«علي خامنئي» المرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

تقول «جنيف عبده» إن «العلاقات بين كافة هذه الأطراف متشابكة جدًّا، إذ إنه في ظل ما سبق، تتمتع إيران أو الحرس الثوري الإيراني بتأثير قوي في تلك المجموعات المسلحة، وهذا لا يعني بالضرورة أنها تسيطر عليها بنسبة 100%».

عبرت «سانام وكيل» عن نفس المستوى من القلق، إذ تقول إن «افتراض مسؤولية إيران عن كل شيء، هو سوء تقدير على كثير من المستويات، فبالرغم من امتلاك إيران للنفوذ والتمويل، إلا أنها لا تمتلك السيطرة الكاملة على كافة الأصعدة، فمن المهم عدم المبالغة في تقدير قدرة إيران على إدارة كل شيء، وأعتقد أن هناك بالفعل الكثير من المبالغة، فعندما يفترض الجميع أن إيران تتمتع بقوة أكبر مما هي عليه، تكون النتيجة المباشرة لذلك، قوة أكبر وتأثير أكبر مما هي عليه بالفعل».

تضيف «وكيل» قائلةً إن «هذه المبالغة في النهاية تصب في مصلحة الحرس الثوري الإيراني و(قاسم سليماني) (قائد فيلق القدس، أحد فرق الحرس الثوري الإيراني)، كما تخلق نوعًا من الانطباع الأسطوري في كافة أنحاء المنطقة عما يحدث».

تدهورت العلاقات بين حماس وإيران تدهورًا حادًا بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، تركت قيادة حماس دمشق في العام التالي، بعد تمركزها لمدة تزيد على عشرة أعوام هناك، كما قُلص حجم التمويل الممنوح لها بشكل كبير بعد ذلك بوقت قصير.

صرح مسؤول بارز في حماس عام 2013 قائلًا: «لقد تأثرت علاقتنا بإيران بسبب موقفنا تجاه سوريا، وعلى الرغم من خفض التمويل بشكل كبير، فإن دعمها لنا لم يتوقف أبدًا».

فما كان من إيران إلا أن ظهر رد فعلها على هذه التحولات في الأحداث، فرفعت من حجم تمويلها للتنظيمات الفلسطينية الأخرى، وأبرزها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

في معرض حديثها عن تزايد التدخل الإيراني في الشرق الأوسط، قالت «جنيف عبده» إن «هذا التدخل بدأ في العراق مع بداية الغزو الأمريكي، من خلال الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في تشكيل حكومة يقودها الشيعة في العراق».

وأضافت «جنيف» أن «تمهيد الولايات المتحدة الطريق للتدخلات الإيرانية في العراق التي بدأت في عام 2003 لم تقف عند هذا الحد، بل نرى هذه التدخلات الآن في دول عربية أخرى».

على سبيل المثال، تواردت الأنباء حول تسليح فيلق القدس للحوثيين منذ عام 2012، إذ اعترض خفر السواحل اليمنية عام 2013 سفينة محملة بالأسلحة والمتفجرات والصواريخ المضادة للطائرات، يشتبه أنها آتية من إيران.

كما اعترضت السلطات البحرينية في يناير/ كانون الثاني عام 2014 قاربًا مغادرًا من العراق، محملًا بأكثر من 220 رطلًا من المتفجرات، وأسلحة أخرى مثل متفجرات C-4، وألغام وقنابل يدوية.

إرث حرب العراق

أي تحليل للدور الإيراني في العراق، أو في الشرق الأوسط يجب أن يتضمن الإشارة إلى الحرب الدموية الطويلة التي استمرت ثمانية سنوات بين إيران، والعراق في عهد «صدام حسين».

أكدت «إيلي جرانماي» استقلالية الجهات الفاعلة المحلية نفسها، وأوضحت أنه نظرًا لسقوط بغداد الوشيك في عام 2014، عرضت إيران مساعدة بغداد، وقد قبلتها الحكومة المركزية في بغداد «شرعيًّا».

ترى «جرانماي» أن تجربة إيران في الحرب الإيرانية العراقية تجربة حاسمة في نهج إيران تجاه المليشيات الأجنبية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتحديدًا العراق. فقد استنزفت الحرب العراقية الإيرانية على مدى 8 سنوات الجيش الإيراني وأنهكته، لذلك بدأت تظهر قوات «الباسيج» (قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين)، وهي قوات شبه عسكرية منظمة محليًّا، تتكون من متطوعين من المدنيين الذكور والإناث. فضلًا عن أن العديد من الناس في الجيش الإيراني قد خاضوا بأنفسهم تجربة الحرب الإيرانية العراقية، ولديهم خبرة عن كيفية تعبئة وحشد العمليات المحلية في الهيكل الأمني في أوقات الحاجة، وأوقات الفراغ الأمني، لذا بالتأكيد نقلوا درايتهم بكل تلك الأمور إلى العراق.

أضافت أيضًا أنه توجد في سوريا دينامية مشابهة، وكذلك في قوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة، إذ ترى إيران أن تواجدها في سوريا مع قوات الدفاع الوطني شرعي، إذ يعترف بوجودها قانونيًّا نظام الأسد -الذي تعترف بشرعيته الأمم المتحدة- هو الذي بارك تعاونها في المجال السوري. يرى الجانب الإيراني أن دوره في سوريا استشاري على الأرض للمجموعات المحلية المقاتلة، وبالأساس في «أوقات الفراغ الأمني».

واستكملت أن قوات الحرس الثوري الإيراني لطالما لعبت دورًا حيويًّا في السياسة الخارجية الإيرانية، فعلى مر التاريخ ومع كل الأعداد التي شاركت من قبل في الحرب الإيرانية العراقية، فهم على دراية جيدة بالبلدان المجاورة، حيث قضوا الكثير من الوقت فيها.

تقول «د.سانام وكيل» إن قوات الحرس الإيراني هم الأكثر شهرة في دفاعهم عن إيران أثناء الحرب مع العراق، وترجمت تلك القدرة الدفاعية إلى دعم الجهات الفاعلة غير التابعة للحكومات على مستوى العالم، وكذلك الشرق الأوسط نفسه، فهم من أوجدوا ورعوا حزب الله. وهو نفس المفهوم الموجود في سوريا الآن، «الحرس الثوري الإيراني مسؤول عن الملف السوري، وكذلك مسؤول عن أي ملف يخص دول المنطقة».

في غضون السنوات الأخيرة، زادت شعبية الحرس الثوري الإيراني محليًّا في إيران؛ نظرًا لصعود تنظيم داعش والدولة الإسلامية المعادي بشدة للدولة الإسلامية الشيعية. وتدعي «إيلي جرانماي» أن الحرس الثوري الإيراني يعد جهاز الأمن الحالي الذي يحمي إيران من الإصابة بعدوى مقاتلي داعش، فعلى سبيل المثال في سوريا، تنحصر خياراتهم في: إما الأسد وإما داعش.

وأكدت «جنيف» «أن الحرس الثوري الإيراني هم قوة اقتصادية، وكذلك قوة سياسية، فضلًا عن أنهم قوة أيديولوجية».

وأضافت: «يتحتم علينا أن نكون محددين، قوات الحرس الثوري هم من يمولون ويحمون الميليشيات».

تتبع الأموال

المجموعات المسلحةتعد إيران واحدة من ثلاث دول فقط صنفتها الولايات المتحدة الأمريكية على أنها دول راعية رسميًّا للإرهاب، إذ أضيفت لقائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب في 19 يناير/ كانُون الثّانِي 1984، جدير بالذكر أن الدولتين الأخيرتين هما سوريا والسودان.

ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الإرهاب في عام 2013، أن إيران تدعم الجهات الفاعلة غير الحكومية في لبنان، وفلسطين، وسوريا، واليمن، والبحرين، والعراق.

وتضيف «جنيف» أنها تعتقد أن إيران وجدت الفرصة سانحة أمامها في العالم العربي، خلال عقود عدة لم تتح مثل تلك الفرصة أمام إيران في العالم العربي. وتوضح أن تلك الفرصة كانت نتيجة فترة ثورات الربيع العربي.

نشرت «نامة شام»، وهي حملة مستقلة تركز على الدور الإيراني في سوريا، تقريرًا في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، يشمل تقديرًا لحجم مستوى الدعم الذي تقدمه إيران للجهات الفاعلة غير الحكومية في المنطقة كلها. وتصفها «سانام وكيل» بأنها «على أقل تقدير مهمة صعبة».

وتعتقد أن الأساسي في الأمر أنهم ليس لديهم أية أرقام محددة، إنما فقط تقديرات وتخمينات معتمدة على مصادر ووسائل مختلفة. وتوضح أن الانعكاس الدقيق للاستثمار الإيراني في سوريا يشوبه الغموض، وهو أكبر الأسئلة المطروحة بشأن التدخل الإيراني في سوريا. وأضافت: «نعلم أنه كبير، لكن ليس لدينا فكرة عن حجمه». فاستثمارهم بهذا الحجم الكبير يشير بوضوح إلى أن تلك الإستراتيجية مهمة لهم، فضلًا عن أن لديهم ما يشبه الخطة طويلة الأجل. إلا أن هناك الكثير من التعتيم على طبيعة الخطة، وحجم الاستثمارات».

ومع أخذ كل ذلك في الاعتبار،استخدمت «نامة شام» -المؤلفة من صحفيين ونشطاء لبنانيين وسوريين وإيرانيين- البيانات المتاحة للجمهور في الوصول للتقديرات التالية:

  • لبنان: من بداية الثمانينيات حتى بداية الربيع العربي، تلقى حزب الله ما بين 100 مليون دولار، و200 مليون دولار أمريكي سنويًّا من إيران. وقد أدى تدهور الاقتصاد المحلي والتدخل المتزايد في سوريا إلى تخفيض المبلغ إلى ما بين 50 مليون دولار و100 مليون دولار تقريبًا سنويًّا، وذلك منذ عام 2010.
  • العراق: منذ الغزو في عام 2013 حتى نهاية فترة رئاسة بوش الابن، مولت إيران عددًا من المليشيات الشيعية العراقية بمبالغ تتراوح بين 10 ملايين دولار و35 مليون دولار سنويًّا، والذي وصل ذروته بعد عام 2009، ليصل إلى ما بين 100 و200 مليون دولار سنويًّا.
  • فلسطين: منذ توطيد سلطتها من عام 2007 إلى بداية الربيع العربي في سوريا وكذلك أماكن أخرى في العالم العربي، حصلت حركة حماس على مبالغ تتراوح بين 100 مليون دولار و200 مليون دولار سنويًّا من إيران. وقد أدى رفض حماس لدعم الأسد في سوريا إلى انخفاض كبير في حجم التمويل.
  • اليمن: تلقى الحوثيون مبالغ تتراوح بين 10 ملايين دولار و25 مليون دولار سنويًّا من عام 2010.
  • سوريا: تلقت قوات الأسد العسكرية الحكومية وحلفاؤها من الميليشيات مبالغ تتراوح بين 15 مليار دولار و25 مليار دولار خلال السنوات الخمس الأولى، منذ بداية الصراع في سوريا، ليصل إلى ما بين 3 مليارات دولار و5 مليارات دولار للعام الواحد.
  • بإيجاز: قدرت «نامة شام» أنه خلال الفترة المذكورة أعلى، أنفقت إيران في تمويلها للميليشيات الأجنبية والجهات غير التابعة للحكومات ما بين أقل تقدير 20 مليار دولار إلى أعلى تقدير 80 مليار دولار.

تأتي تلك الأموال جزئيًّا من الميزانية العامة، لكن الجزء الأضخم منها يأتي مباشرةً من المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني. وتأتي عن طريق شبكات الأعمال التجارية السرية الضخمة، والتي تضخ مليارات الدولارات من عائداتها، ولا يمكن تعقبها لأنها ليست مسؤولة أمام العامة بشكل واضح، وذلك وفقًا لما صرحت به «نامة شام».

التاريخ والاتساق

المجموعات المسلحة

دبّر «حسين دهقان»، وزير الدفاع الإيراني وقائد ميليشيا سابقًا، تفجير ثكنة مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، وقد أسفر الهجوم عن مقتل 241 جنديًّا أمريكيًّا. كان الهجوم أعنف هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة قبل تفجيرات 11 سبتمبر /أيلول. إضافة إلى أن نفس التفجير أسفر عن مقتل 58 جنديًّا فرنسيًّا في أحد الثكنات العسكرية الفرنسية.

وشهد العام التالي اختطاف حزب الله «ويليام باكلي فرنسيس» رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية، والذي تعرض للتعذيب، ثم الإعدام.

في عام 1992، حدث تفجير في السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين، مما أسفر عن مقتل 29 شخصًا، وعقب الحادث بعامين حدث تفجير آخر في المركز الثقافي اليهودي في بوينس آيرس، مما أسفر عن مقتل 85 شخصًا.

أثبت تورط إيران ووكلائها اللبنانيين في الهجومين. مما أستدعى الأرجنتين لإصدار أمر باعتقال «عماد مغنية» قائد حزب الله سيئ السمعة لمشاركته في هجوم عام 1992، كما أمرت بإلقاء القبض على «علي أكبر ولايتي» مستشار بارز لخامنئي على خلفية اتهامه في تدبير الهجوم الأخير.

في عام 1996، قتل حوالي 19 جنديًّا أمريكيًّا أيضًا على يد أحد الجماعات المدعومة من إيران، لكن تلك المرة كان الحادث في المملكة العربية السعودية في تفجيرات مبنى برج الخبر. اعتقل «أحمد المغسل» -العقل المدبر للتفجير- في العام الماضي في بيروت، بعد أن عاش في كنف حزب الله وتحت حمايته طوال الفترة منذ تنفيذ التفجير.

إلا أن يد إيران لم تقتصر فقط على الوصول للدول العربية، فقد استشعرت أذربيجان المجاورة ذات الأغلبية الشيعية لكنها علمانية، امتداد أذرع طهران للتدخل فيها.

في 2006، اعتقل «باكو» 15 من المواطنين كانوا على صلة بإيران وحزب الله، كانوا يخططون لموجة من الهجمات ضد الزوار الإسرائيليين والغربيين في البلد.

عقب ذلك بعامين، أحبطت أذربيجان خطة مشتركة بين إيران وحزب الله لتفجير السفارة الإسرائيلية في البلاد؛ انتقامًا لاغتيال «مغنية» عام 2008.

وفي عام 2010، شن «باكو» موجة اعتقالات أخرى لمنع مخطط حملة تفجيرات أخرى، ومرة أخرى وجد صلة بين المعتقلين وإيران وحزب الله.

وشهد نفس العام مقتل 5 إسرائيليين في هجوم في بلغاريا، وقد وجدت صلة واضحة بحزب الله.

قال الدكتور «ماثيو ليفيت» من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في كتابه عام 2014، إنه في شهادته أمام مجلس النواب الأمريكي للشؤون الخارجية أن سبب زيادة نشاطات قوات القدس يرجع إلى فشل حزب الله المتكرر في الانتقام لاغتيال «مغنية» في أذربيجان وأماكن أخرى؛ مما أدى إلى تزايد الإحباطات داخل قوات الحرس الإيراني الثوري.

وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني لم يعد يعتمد فقط على حزب الله لتنفيذ الهجمات الإرهابية في الخارج، وأضاف أنهم سينشرون عناصر قوات القدس الآن للقيام بذلك من تلقاء أنفسهم، وليس كدعم لوجستي فحسب لرجال حزب الله الذين يقومون بالعمليات.

ولهذه الأسباب، ذكرت وزارة الخارجية في عام 2012 أن هناك «انتعاش ملحوظ في في رعاية دولة إيران للإرهاب، وذلك من خلال حرس الثورة الإسلامية قوات فيلق القدس، ووزارة الاستخبارات والأمن وحليف طهران حزب الله. فقد زادت وتيرة النشاط الإرهابي الإيراني بصورة ملحوظة لم نشهدها من قبل منذ التسعينات».

وفي العام الماضي، حاولت إيران اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة الأمريكية «عادل الجبير» في واشنطن العاصمة.

نشرت شبكة سي إن إن أن « منصور أربابصير» مواطن أمريكي إيراني الأصل اعترف بجرمه بمشاركته في مؤامرة يونيو/ حزيران عام 2013، واعترف «بالتآمر مع أفراد الجيش الإيراني في وضع خطة المؤامرة».

ومن ناحيتها نفت إيران بشدة تورطها، لكن العملية أحبطت عندما تبين أن وسيط «أربابصير» في عصابة المخدرات المكسيسكة، والذي كان يحاول تجنيده لتنفيذ الاغتيال في الحقيقة هو عميل سري في المخابرات الأمريكية متخفٍ.

العلاقة مع تنظيم القاعدة

المجموعات المسلحة

تصاعد التوتر بين إيران، والولايات المتحدة الأمريكية بشدة عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول عام 2011.

فبينما تصارعت السلطتان التشريعية والتنفيذية في أمريكا بشأن السماح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر/ أيلول بملاحقة المملكة العربية السعودية قضائيًّا، كان الدور الإيراني أيضًا محل خلاف.

إذ أدانت إيران على الفور الهجمات الإرهابية، لكن تقرير اللجنة عن الهجمات، والذي نشر بعد مرور 3 أعوام على التفجيرات كشف عن وجود ثمانية إيرانيين من بين العشرة منفذي الهجمات، سافروا عبر إيران في الفترة بين أواخر عام 2000 وأوائل عام 2001.

وذكر التقرير أنهم كانوا مستفيدين من اتفاق القاعدة مع الحكومة الإيرانية بالسماح لعناصر القاعدة بالدخول لأراضيها دون الحاجة لختم جوازات سفرهم.

وفي سياق مماثل، أوت إيران «أبا مصعب الزرقاوي» القيادي البارز في تنظيم القاعدة بالعراق في الفترة بين عامي 2001 و2002 ، مع تكرار رفض طهران تسليمه إلى الأردن. يقال إن الاتصالات بين الطرفين استمرت. في عام 2012 وجهت وزارة المالية الأمريكية ضربة لمنظمة الاستخبارات الرئيسية الإيرانية، وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، بسبب «دعمها الجماعات الإرهابية كتنظيم القاعدة، وتنظيم القاعدة في العراق؛ مما فضح مجددًا مدى تورط إيران في رعاية الإرهاب باعتباره سياسة الدولة الإيرانية».

في يوليو/ تموز، فرضت وزارة المالية الأمريكية عقوبات على ثلاثة أعضاء كبار في تنظيم القاعدة، جميعهم موجودون في إيران، هم: «فيصل الخالدي» القائد السابق لتنظيم القاعدة، ويلعب دورًا قياديًّا في اقتناء الأسلحة، و«يسرا بيومي» العضو المخضرم الذي عمل كوسيط مع السلطات الإيرانية في أوائل عام 2015، وعمل على تسهيل نقل الأموال للتنظيم، و«أبوبكر غماين» الذي أمسك بزمام التمويل في عام 2015، وكذلك تولى مهمة تنظيم عناصر القاعدة في إيران.

وفيما يتعلق بإيواء إيران لعناصر تنظيم القاعدة، قالت «جنيف» إن إيران ربما تستخدمهم «كورقة مساومة».

وأضافت أن علاقة الود بين إيران، والقاعدة هي علاقة محدودة جدًّا، إذ لا يوجد بينهما أي تماثل أيديولوجي، وإن كان يبدو ظاهرًا أنهم يتعاونون، فهو جهد براجماتي للانتفاع من التنظيم بشيء أو بآخر، والنظام الإيراني مشهور بذلك.

روحاني والنظام

كثيرًا ما يصور «حسن روحاني» على أنه معتدل، أو على الأقل بالمقارنة مع سالفه «أحمدي نجاد» الصارم، أو بالأحرى الجامد. يقال إن تركيز «روحاني» ينصب بالأساس على إعادة بناء الاقتصاد الإيراني المحطم، وكذلك تطبيع العلاقات مع الغرب.

ومع ذلك يتفق بعض الخبراء على أن تأثيره في السياسة الخارجية كان ضعيفًا.

تقول «إيلي جرانماي» عن روحاني وسياسته إنه من الصعب جدًّا على شخص واحد أن يحدث تغييرًا جذريًّا في إعادة توجيه وترتيب السياسات الإقليمية وحده، دون تشكيل توافق في أعلى مستويات القيادة.

تتفق معها «وكيل»، مضيفة أن روحاني في حقيقة الأمر ليس لديه الكثير من السيطرة أو النفوذ على حافظة السياسة الخارجية الإيرانية.

وأضافت: «قد نفترض أن الرئيس هو المسؤول عن تلك الأمور، لكن حقيقة لا»؛ إذ إن زمام كل ما يتعلق بالسياسات الخارجية هو في المقام الأول في يد المرشد الأعلى.

بينما تعتقد «وكيل» أن تأثير روحاني كان ضئيلًا. وفي رأيها عن روحاني والسياسة الخارجية الإيرانية تقول: «أعتقد أنه استخدم كأداة مثله مثل محمد خاتمي، الذي استخدم كأداة هو الآخر لتحقيق أهداف معينة للنظام، في حالة روحاني الهدف كان الاتفاق الإيراني، أما في حالة خاتمي كان الهدف محاولة تحسين العلاقات مع الغرب».

وبالتالي فإن الاتفاق النووي ليس بالضرورة انتصارًا لروحاني، ولكنه انتصار للقائد الأعلى الذي أذن بالأمر كله.

الاتفاق النووي

 

في تصريح لها عام 2006، قالت«كونداليزا رايس» وزيرة الخارجية الأمريكية إن إيران كانت بمثابة البنك المركزي الممول للإرهاب في المنطقة.

وبعد عقد من الزمان، يتضح أن بموجب الاتفاق النووي الإيراني الذي عقد مع حكومة الرئيس الأمريكي، تتلقى إيران 100 مليار دولار مع تخفيف العقوبات، وكذلك يعاد إدماج إيران في النظام المصرفي الدولي «سويفت» المحوري. بالإضافة إلى تمكن روحاني من زيارة بعض دول الغرب لتعزيز العلاقات الاقتصادية.

يعد رفع العقوبات المالية عن إيران مسألة خلافية، على سبيل المثال عندما أرسلت الحكومة الأمريكية مبلغ 400 مليون دولار نقدًا لإيران الشهر الماضي، أبقى أوباما الجيش بعيدًا عن العملية.
وتقول «إيلي جرانماي» عن المعارضين للاتفاق النووي الإيراني: «كانت هناك معارضة شديدة لرفع العقوبات عن إيران، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية، استنادًا إلى حجة أن تلك الأموال سوف تضخ لتمويل سياسات إيران الإقليمية، والتي تتعارض بالأساس مع المصالح الغربية».

بالتأكيد كان هذا ما أوضحته «نامة شام»، فقد كتبت في ختام تقريرها: «كانت هناك مخاوف من أن جزءًا من تلك المساعدات سيستغل لسد احتياجات الاستثمار الداخلي المحلي، وجزءًا منها سينتهي به الحال موجهًا لتأجيج الصراعات في الشرق الأوسط أكثر من ذي قبل، نظرًا لزيادة حجم الإنفاق العسكري والدعم المالي للمليشيات أو الحكومات مثل نظام الأسد في سوريا».

ولعل الزيادة في ميزانية الدفاع الحالية لعام 2015/ 2016 تكون العلامة الأولى على ذلك. وأضاف التقرير أنه في الشهور الأخيرة، أوضح كل من «آية الله خامنئي»، و«حسين دهقان» وزير الدفاع الإيراني، أنه على الرغم من عقد الاتفاق النووي الإيراني، ليس لديهما أي نية في وقف الدعم لحزب الله وحماس وميليشيات الحوثيين في اليمن، وكذلك الحكومة السورية والحكومة العراقية والميليشيات التابعة لها.

إلا أن «إيلي جرانماي» تتبنى وجهة نظر مغايرة، فهي تعتقد أن غالبية الأموال ستؤول إلى تمويل احتياجات المشروعات الاستثمارية، وتخفيض معدلات البطالة، وتعزيز نمو فرص العمل، ومعالجة القضايا المتعلقة بالتضخم.

تتفق معها «سانام وكيل» إذ قالت إن «إيران في حاجة لهذه الأموال داخليًّا، فإذا أرادت إيران أن تحقق معدلات نمو أعلى مما هي عليه خلال العشر سنوات المقبلة، فلا بد من توافر العديد من الاستثمارات في الاقتصاد الإيراني، فقد كان الدافع الأساسي في توقيع النظام الإيراني على الاتفاق النووي هو الاقتصاد، إذ تحاول إيران تحريك اقتصادها وتوليد استثمارات أجنبية ومحلية في شتى قطاعات الاقتصاد الإيراني، لتحقيق استقرارًا طويل المدى للجمهورية الإسلامية».

إجماع في الظاهر تغيب عنه فكرة الإجماع

تعتقد «جنيف عبده» أن إيران ستستمر في دفع الأموال للجهات الفاعلة غير الحكومية الخارجية، إذ تقول: «أعتقد وللأسف الشديد أن إستراتيجية النظام هي المحافظة بشكل أساسي على الحد الأدنى من الالتزام الاقتصادي اللازم لمنع الانشقاق والتمرد، وطالما استطاع النظام المحافظة على ذلك المستوى المتدني للشعب الإيراني، والذي يحمل في طياته توقف الدعم الحكومي، وانخفاض قيمة العملة الوطنية وما إلى ذلك من عواقب، سوف يستمرون في توجيه مواردهم للخارج بغرض فرض الهيمنة الإقليمية».

وأضافت «عبده» أن لدى زيارة أي شخص لإيران «سيتضح له بسهولة تدني مستوى الأجور، ومدى سوء الحالة الاقتصادية، إذا ما قورنت بالأموال الهائلة التي تنفق في سبيل تحقيق طموحاتهم الإقليمية».

الطائفية والنجاة

المجموعات المسلحة

تقول «جنيف» إن دعم إيران للجهات الفاعلة غير الحكومية في الشرق الأوسط يرجع إلى أن «إيران تريد أن يكون لها موطأ قدم على الصعيد السياسي في العالم العربي».

وأضافت في تصريح لها أنها تعتقد أن «البعد الديني لا يغيب عن المشهد»، ولكن هناك الكثيرون الذين يختلفون معها في هذا الرأي، وتناقش «جنيف» هذا الموضوع بمزيدٍ من التفصيل في كتابها «الطائفية الجديدة» الذي سينشر في 1 ديسمبر/ كانون الأول 2016.

تضيف «جنيف عبده» قائلة: «لو عدنا إلى الوراء وراجعنا خطابات خامنئي أثناء السنوات الأولى للثورات العربية، سنجد أنه تحدث كثيرًا عن الصحوة الإسلامية بفصاحة، إلا أن حقيقة ما حدث، هو دعم إيران للجماعات الشيعية في العالم العربي».

قالت «جنيف»: «أصبح واضحًا جدًّا خلال العامين الماضيين أن حزب الله يقوم بدور الميليشيا الشيعية، فكل من إيران وحزب الله لم يلعبوا بالورقة الشيعية إطلاقًا، كما أنهم لم يذكروا قط أنهم يمثلون القوة العسكرية الشيعية في المنطقة، إلا أنهم قد تخلوا عن هذا الحذر قبل سنتين تقريبًا، وأصبح من الواضح أن حزب الله وإيران يمثلون القوة العسكرية الداعمة للشيعة في المنطقة».

وأضافت قائلةً: «أعتقد أن من أهم الأشياء التي حدثت منذ قيام الثورة، هو ذلك التغير في الخطاب التاريخي».

تشير «جنيف عبده» إلى البعد العرقي، فضلًا عن البعد الديني، ضمن الأبعاد المعقدة في دعم إيران للمجموعات المسلحة الأجنبية، فهذه المجموعات تتكون بشكل أساسي من الشيعة العرب، وليس الفرس.

وأشارت إلى أن «الإيرانيين يقدمون على مثل هذه التدخلات بسبب أن الشيعة في العديد من تلك الدول لا يحصلون على أدنى دعم من حكوماتهم، والعراق هو خير مثال على ذلك».

تقول «جنيف عبده»: «لا شك أن السعوديين قد ساهموا في دفع عجلة هذا الصراع، لكن أعتقد أن الأيديولوجية هي الفرق الجوهري بينهم، إذ لا يحتاج السعوديون إلى هذا الصراع من أجل البقاء، في حين تعتمد إيران على الصراع الأيديولوجي مع الغرب، بالإضافة لصراعاتها مع جيرانها، للحفاظ على بقائها وشرعيتها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد