تصل إلى منزلك بعد يوم عمل طويل في المكتب، وقد قضيت معظم اليوم أمام جهاز الكمبيوتر، ثم تخلع حذاءك، تُعد لنفسك شيئًا تشربه، ثم من باب المفارقة، تجلس أمام حاسوبك مجددًا. من المذهل كم منّا يختار التواصل مع الآخرين من خلال قنوات التواصل الاجتماعي مثل Facebook – twitter، بدلًا من التّحدث المباشر مع الناس الذين نعيش معهم في نفس المنزل.

بل في الحقيقة، عندما نفتح حواسبنا ونبدأ بالدردشة مع الأصدقاء نشعر بالاسترخاء ونُحس بأننا قد وجدنا مهربًا في العالم الرقمي من طاحونة حياتنا اليومية.

لماذا يحدث ذلك؟ لماذا نعتبر التواصل اجتماعيًّا عبر الحاسب أسهل بكثير من التواصل وجهًا لوجه؟

التفاعل الاجتماعي، نظرية العقل ونشاطه العاطفي

“Ultimatum Game” أو “لعبة الإنذار” هي واحدة من الطرق الشائعة لدراسة الآثار النفسية للتفاعل الاجتماعي. في النموذج الأساسي لهذه اللعبة، يشارك في التجربة شخصان “المُوزع” و”المُستقبل”، الشخص الأول (المُوزع) يكون هو المسؤول عن تقسيم مورد معين بينه وبين الشخص الآخر (المُستقبل). عادة يكون هذا المورد عبارة عن مبلغ مالي معين، قوانين اللعبة هي: “المُوزع” لديه الحرية بتقسيم المال بالطريقة التي يريدها. و”المُستقبل” لديه أيضًا الحرية في قبول العرض من “المُوزع” وأخذ المبلغ المالي المحدد من قِبله، أو رفض العرض، وفي حالة رفض العرض، لا يحصل كلا الطرفين على أي مال.

في واحدة من أكثر المقالات استخدامًا في مجال الاقتصاد السلوكي، البحث (Sanfey et al – 2003)، في هذا البحث تم تحليل النشاط التي يحدث داخل دماغ “المُستقبل” عند حصوله على عرض تقسيم غير عادل (يصنف العرض على أنه غير عادل إذا كان 30% أو أقل من المبلغ الكلي)، وتم الوصول إلى أن معدل رفض العروض غير العادلة عندما يكون “المُوزع” بشري أعلى من معدل الرفض عندما يتم تقديم نفس العرض من الكمبيوتر، واقترحت نتيجة البحث أن المشاركين في التجربة يكون لديهم رد فعل عاطفي أقوى عند حصولهم على عرض غير عادل من البشريين ويكون أقل عند حصولهم على نفس العرض من الكمبيوتر، وتم دعم النتائج بصور للنشاط العصبي لأدمغة المشاركين، النشاط في مناطق الدماغ التي تُعرف بأنها تعمل في حالة المشاعر السلبية مثل الألم أو الكدر كان أعلى وبشكل واضح عند تلقي عروض غير عادلة من البشريين مقارنة بنشاطها في حالة العروض غير العادلة من الكمبيوتر.

مقارنة بتفاعلاتنا مع الحواسب، التفاعل الإنساني يُنشط مناطق معينة في العقل، وهذه المناطق هي المسؤولة عن تكوين الاستنتاجات المتعلقة بالبشر المحيطين بنا، ومن أحد أهم المميزات التي تميز الإدراك الاجتماعي عند البشر هي الميول المستمر لبناء قوالب فكرية عن العقول المحيطة بنا؛ مما يساعدنا في تخمين الحالة النفسية للآخرين من حولنا. عندما نتفاعل مع الآخرين نُكّون استنتاجات معينة عنهم بدون أن نشعر، ولا نستطيع التوقف عن تخمين بماذا يفكرون، تحليل تعابير وجوههم، أو نواياهم الخفية، ولهذا السبب يعتبر التواصل الاجتماعي الحقيقي ضروريًّا.

وتم الاقتراح في نهاية الدراسة الذي شارك فيه كل من (Rilling, Sanfey, Aronson, Nystrom, & Cohen, 2004) أن التفاعل الاجتماعي مع البشر يتطلب مشاركة عاطفية أكثر، مما يعني جهدًا إدراكيًّا أكبر من الجهد المبذول في حالة التفاعل مع الكمبيوتر. وأظهرت الدراسة أيضًا الفرق في حجم النشاط في مناطق المخ عندما نتفاعل مع البشر أو الكمبيوتر، والفرق الواضح في هذا النشاط يرجع إلى أنه عندما نتفاعل مع بشر آخرين فإننا لا نستطيع التحكم في حجم المشاعر المستهلكة في عملية التواصل.

على الرغم أننا قد لا ندرك لماذا يكون التواصل أسهل من خلال الكمبيوتر حتى عندما نكون مُرهقين، فإن الاستنتاج الواضح مما سبق أن هذا التواصل لا يتطلب نفس المجهود الذهني أو العاطفي الذي يحدث عندما نتفاعل مع بشر مثلنا.

لماذا التفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي أسهل بكثير من التفاعل المباشر؟

توصلت العديد من الدراسات إلى أن معظم تعاملاتنا اليومية تعتمد وبشكل كبير على التواصل غير الشفهي، بمعنى أننا عندما نتعامل مع الآخرين نقوم بتحليل الإشارات غير الشفهية بشكل مستمر مثل تعبيرات الوجه، نبرة الصوت، الإيماءات، لغة الجسد. وهذه الإشارات غير الشفهية هي الروح المحركة لأي تفاعل إنساني. وبدون ترجمتنا لهذه الإشارات غير الشفهية سيصبح من المستحيل فهم المعنى الحقيقي لأي تفاعل بشري (كما هو في حالة التوحد)، تحليل كل تلك الإشارات يساعدنا في معرفة نوايا الآخرين، أو مدى اهتمامهم بموضوع المحادثة، مدى انجذابهم لنا والكثير من الأمثلة الأخرى، حتى عندما لا نتدخل في المحادثات التي تحصل من حولنا فإن المشاهدة المجردة وتحليل تلك الإشارات يعطي عمقًا لفهمنا لما يحيط بنا بالرغم من أننا نبذل مجهودًا أكبر في محاولة الفهم.

وهذا المجهود الإضافي المبذول في التفاعل المباشر يتم اختزاله في شبكات التواصل الاجتماعي التي تعتمد في أسسها على أقل قدر من تلك الإشارات، معظم المشاعر يمكن تلخيصها في أيقونات تعبيرية أو علامات الترقيم وبالتالي يمكن إخفاء الكثير مما نشعر به حقًّا خلف بريد إلكتروني مرسل أو منشور على الـFacebook، أكثرية هذه المواقع ساعدت البشر على عرض أنفسهم بالطرق التي يريدون، يستطيع أي شخص أن يصبح أي شيء يريده في شبكات التواصل الاجتماعي، ولا يمكنك أن تثق في حكمة جمهور لا يستطيع في هذه الحالة أن يتلقى أية إشارات للحكم على مدى مصداقية شخص من عدمها.

التواصل المباشر يعتبر أحد أنواع “الاتصال المتزامن”. بمعنى أن هناك شخصًا يتحدث بينما الآخر صامت أو شخصًا يومئ برأسه بينما يشرح الآخر، يمكنك التعرف على وجه شخص صامت وما زال لديه الكثير ليقوله. ولكن من المستحيل تطبيق نفس المبدأ في حالة التواصل الرقمي لأننا ببساطة لا نستطيع رؤية الشخص الآخر بصورة مباشرة. إذا سأل شخص ما صديقه “هل أنت موجود؟” في أحد برامج المحادثة ولم يتلق إجابة بعدها، فلا يوجد طريقة حقيقية لمعرفة إذا كان الشخص الآخر غير موجود فعلًا، أو أنه لا يشعر برغبة في التحدث في تلك اللحظة، أو أنه غاضب من ذلك الشخص.

“التواصل غير المتزامن” لا يحتاج منّا تنسيق طريقة تفاعلنا مع الآخرين لأن سلوكنا لا يُدار بناء على رد فعل الشخص الآخر، يشعر الناس بالراحة في هذا النوع من التفاعل فلا داعٍ بأن يكونوا منتبهين لكل إشارة مُرسلة من الشخص الآخر، مما يجعل عملية التواصل أسهل ويسمح بعمل أشياء متعددة في نفس الوقت، مثل تصفح الإنترنت أثناء التحادث مع الآخرين بدون أن يشعر أحد بالإهانة.

من نتائج الأبحاث الموّثقة أنه عندما نراقب الآخرين وهم في حالة نفسية معينة يجعلنا تلقائيًّا نشعر بنفس المشاعر التي يمرون بها، نتيجة بحث (Dimberg & Thunberg, 1998)، بمعنى أننا إذا رأينا شخصًا حزينًا سنختبر شعور هذا الشخص. هذه الظاهرة يُعتقد أنها هي التي تساعدنا في فهم بعضنا البعض أثناء التفاعل الاجتماعي، مشاركة الآخرين مشاعرهم تساعدنا في فهم نواياهم وأفعالهم، لأن الأحاسيس تجعلنا كأفراد نشعر، نتصرف، ونرى العالم بطريقة متشابهة، نتيجة بحث (Hatfield, Cacioppo, Rapson, 1994).

وفي المقابل التفاعل الرقمي ما هو إلا وسيلة مجردة من الأحاسيس. ومن القصص المأساوية ما حدث مع أم تدعى “شارون سيلين”، حيث كانت عادة تراسل ابنتها التي تدرس في الجامعة بعيدًا عنها، وفي يوم ما، كانت تطمئن عليها وتسأل عن حالها وكانت الابنة ترد بإيجابية مُذّيلة رسائلها بوجوه مبتسمة، في تلك الليلة انتحرت ابنة “شارون سيلين”، عوارض الاكتئاب كانت موجودة لدى ابنتها، ولكن الطريقة الوحيدة لكي ترى الأم تلك العوارض كانت عن طريق التحادث المباشر مع ابنتها وجهًا لوجه.

شبكات التواصل الاجتماعي تسهل وجود عالم افتراضي، ومصطلح افتراضي يستخدم لوصف الأشياء غير الحقيقية، ولكنها في نفس الوقت تأخذ صفات من العالم الحقيقي، عندما نلعب أي لعبة حربية على الكمبيوتر فإننا نختبر مشاعر التحمس والإحباط والتوتر ولكن بدون أي إصابات أو جروح حقيقية، لأن الخطر المحيط بالعالم الحقيقي تم إزالته من اللعبة، وبنفس الطريقة، التفاعل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي يجعل زائريه يشعرون بأنهم يمكنهم التواصل مع الآخرين بدون أي مصاعب أو تعقيدات والتي قد تحدث في حالة التفاعل المباشر وجهًا لوجه، مقارنة بالتفاعل عن طريق الحاسب، التفاعل المباشر مع البشر يتطلب تدّخلًا للمشاعر أكبر، ومحاولة للإدراك وتنشيط عدة مناطق في العقل. وعندما لا نكون في المزاج العام لاستخدام تلك الموارد، غالبًا ما نختار الأسهل، العالم الافتراضي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد