هل يمكن أن تساعد علوم الدماغ في فهم واحدة من أكثر مشاكل المجتمع تعقيدًا؟

كتب الدكتور سيباستيان أوكلينبرج، المحاضر في مجال علم النفس الحيوي بمعهد علم الأعصاب الإدراكي بجامعة رور في بوخوم بألمانيا، مقالًا في مجلة «سايكولوجي توداي» حول العنصرية من منظور علم الأعصاب، في محاولة لفهم هذه الظاهرة.

ويستهل الباحث المقال بقوله: تمثل العنصرية مشكلة مجتمعية كبيرة في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الاخرى في أنحاء العالم. وفي هذه الأثناء انتشرت مظاهر الغضب بسبب وفاة جورج فلويد ـ الذي توفي بعد أن ثبته ضابط شرطة سابق على الأرض واضعًا ركبته فوق رقبته – في كل أنحاء البلاد.

وربما يسأل بعض الناس أنفسهم لماذا يرتكب البعض جرائم ضد أشخاص آخرين لمجرد أنهم ينتمون إلى جماعة عرقية أخرى. هل يمكن أن تساعد علوم الدماغ في توفير إجابة؟ ويقدم الباحث فيما يلي بعض الرؤى والأفكار من مقالة نقدية عالجت هذه المسألة بالتحديد.

مجتمع

منذ 5 شهور
كيف يفسر علم النفس ممارسات بعض مصابي كورونا بنقل العدوى للآخرين؟

كيف نصنف الآخرين؟

يقول أوكلينبرج: من منظور نظري، تعد العنصرية جانبا من ظاهرة سيكولوجية أكبر تسمى «التحيز داخل الجماعة». إذ تطورت أدمغتنا لتتكيف مع مواقف اجتماعية معقدة. وتمييز ما إذا كان شخص ما ينتمي إلى الجماعة نفسها أو جماعة مختلفة يمكن أن يكون عاملًا حيويًا في التصرف على الوجه الصحيح في بعض المواقف، على سبيل المثال أثناء المعركة.

غير أن الآلية السيكولوجية نفسها يمكن أن تؤدي إلى سلوكيات إشكالية الى حد كبير. فكل شخص ينتمي إلى جماعات عديدة مختلفة في حياته: ويمكن ملاحظة «التحيز داخل الجماعة» بين مشجعي الفرق الرياضية المختلفة، وأنصار الأحزاب السياسية المختلفة، أو الطلبة من جامعات مختلفة متنافسة.

Embed from Getty Images

ويعتمد التحيز داخل الجماعة إلى حد كبير على السياق. إذ يمكن لشخص ما أن يظهر تحيزًا ضد شخص ما في موقف ما (مثال: أثناء مباراة كرة القدم عندما يشجع الشخصان فرقًا متنافسة)، ولكنهما يصنفان باعتبارهما ينتميان إلى الجماعة نفسها في سياق آخر (مثال: عندما ينخرطان في نقاش سياسي ويدركان أن وجهات نظرهما متشابهة). وهذا يُظهِر كيف أن هذه التصنيفات تعد تعسفية، ولا معنى لها في غالب الأحيان.

وأظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن القشرة المخية الأمامية المتوسطة ترتبط على نحو خاص بالتصنيف الاجتماعي. كذلك ثبت أن هذه المنطقة من المخ تنشط في الدراسات التي طلب من المشاركين فيها أن يفكروا في سماتهم الذاتية الشخصية. وهذا يشير إلى أن هناك رابطًا وثيقًا نسبيًا بين التفكير في أنفسنا والتفكير في الجماعة أو الجماعات الاجتماعية التي ننتمي إليها (مثال: أنا من مؤيدي فريق كرة القدم الأمريكية «بالتيمور ريفنز»).

كيف نتصوَّر أفعال الآخرين؟

إحدى الأفكار الثاقبة الهامة التي يستنبطها أوكلينبرج من أبحاث علم النفس تقول: إن الناس يمكنهم تصور الفعل نفسه بصورة مختلفة كثيرًا إذا ما قام به شخص من الجماعة نفسها، أو شخص من جماعة مختلفة. في إحدى الدراسات التجريبية التي أجراها مؤلف المقالة النقدية، جرى تقسيم المشاركين بصورة تعسفية إلى فريقين، وشاهدوا فيديوهات لأفراد من فريقهم والفريق المنافس وهم يؤدون أعمالًا يدوية. وتعين على المشاركين أن يحكموا على سرعة هذه الحركات اليدوية، وفي المتوسط قيموا فرقهم بأنها الأسرع، على الرغم من أن حركات اليد في الفيديوهات كانت تؤدى بنفس السرعة تمامًا.

في دراسة إضافية للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للمهمة نفسها، وجد العلماء أن المشاركين الذين أشاروا إلى وجود اختلاف قوي بين الجماعتين أظهروا زيادة في نشاط الفصيص الجداري السفلي inferior parietal lobule – وهي منطقة من المخ تنسق الإدراك والعمل – عند مشاهدة الفيديوهات، ولكن ليس في صناعة قرار لاحق عند تقييم اللقطات. وتشير هذه النتائج إلى أن التحيز للجماعة يحدث في مرحلة مبكرة من الشعور، ليس فحسب عند اتخاذ قرار واع حول كيفية التصرف.

كيف نشعر بالتعاطف تجاه شخص آخر؟

يتابع أوكلينبرج: إحدى النتائج الرئيسية التي توصل إليها علم الأعصاب حول العنصرية هو أن الناس في المتوسط يعبرون عن تعاطف أقل نحو الأشخاص الآخرين الذين لا ينتمون إلى جماعتهم. ويصف التعاطف القدرة على فهم ما قد يفكر فيه أو يشعر به شخص آخر، والتصرف بالطريقة المناسبة.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال وجدت دراسة أن عضوية جماعة عرقية يمكن أن تعدل الاستجابة العصبية المرتبطة بالتعاطف. وهنا استخدم المؤلفون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتسجيل نشاط المخ في المشاركين البيض والصينيين، بينما كانوا يشاهدون لقطات فيديو عن وجوه بيضاء وصينية، إما يجرى لمسها بعود تنظيف الأذن (غير مؤلم) أو وخزها بمحقن (مؤلم).

وأظهر العلماء أن كلًا من المشاركين البيض والصينيين أظهروا نشاطًا متزايدًا في القشرة الحزامية الأمامية والقشرة الجبهية السفلية أثناء مشاهدتهم للقطات فيديو يعاني فيها شخص من جماعتهم العرقية ألمًا. وهذه المناطق في المخ ثبت سابقًا أنها تنشط عندما يكون شخص ما يعاني من الألم هو نفسه. وهكذا فإن مناطق المخ التي تنقل تجربة الشخص الأول الأليمة هي أيضًا التي تشعر بالتعاطف تجاه شخص آخر يعاني من الألم.

ومن الأمور الهامة التي توصل إليها العلماء أن استجابة المخ التعاطفية كانت تقل إلى حد كبير عندما يشاهد المشاركون أفرادًا من غير جماعتهم العرقية يعانون من الألم. وهكذا فإن التحيز للجماعة يؤثر على مدى شعور شخص ما بألم شخص آخر، وهو ما يساهم في تفسير لماذا لا يكون لدى الأفراد العنصريين مشكلة في إلحاق الأذى بشخص ما ينتمي إلى جماعة عرقية مختلفة عن جماعتهم العرقية.

كيف نتصوَّر الوجوه؟

تشير دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي حول تصوُّر وجوه الأشخاص من خلفيات عرقية مختلفة، إلى أن «كلًا من العمليات اللاواعية والواعية تسهم في عملية تصوُّر وجوه الأشخاص ذوي الخلفيات العرقية المختلفة بطريقة مختلفة عن تصوٌّرها لوجوه الأشخاص من الخلفيات العرقية نفسها».

يستشهد أوكلينبرج بدراسة عرضت صورا لوجوه أمريكيين من أصول أفريقية وآخرين بيض إلى مشاركين بيض، فيما كان يجرى تسجيل نشاط أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. عندما عُرِضَت الوجوه لفترة وجيزة بحيث يصعب معالجتها بصورة واعية، أظهر المشاركون نشاطًا أكبر في «لوزة المخ» amygdala عند مشاهدة وجوه الأمريكيين من أصل أفريقي مقارنة بوجوه البيض. ولوزة المخ هي منطقة في المخ تسهم بدور رئيس في معالجة العواطف، بما فيها الخوف والقلق والعدوانية.

غير أنه عندما عُرِضَت الوجوه لوقت أطول حتى يتسنى للمشاركين بالفعل أن يتصوروها بشكل واعٍ، اختفت هذه الفروق. وبدلًا عن ذلك أظهرت عدة مناطق في القشرة الجبهية المعنية بالسيطرة الإدراكية، وتنظيم العواطف نشاطًا أكبر عندما شاهد المشاركون البيض وجوه الأمريكيين الأفارقة. وتشير هذه النتائج إلى أنه يوجد على الأقل مسارين عصبيين عندما يتعلق الأمر بمعالجة وجوه الأفراد من جماعة عرقية مختلفة. من ناحية هناك عمليات سريعة ولا واعية تستغرق مناطق المخ المعنية بمعالجة العواطف. وهذا المسار المبكر يعدل بواسطة مسار واعٍ لاحق يمثل تنظيم المشاعر من أعلى إلى أسفل استنادًا إلى ما هو مقبول في المجتمع، وما تعلمه الفرد في وقت سابق.

Embed from Getty Images

هذه النتائج في المقالة النقدية توضح شيئًا محددًا: العنصرية هي مشكلة معقدة إلى حد كبير، ليس فحسب على المستوى المجتمعي، ولكن أيضًا في الدماغ. فلا توجد منطقة واحدة في الدماغ معنية بالعنصرية. وبدلًا عن ذلك هناك شبكة معقدة من مناطق الدماغ مرتبطة بالتصنيف الاجتماعي، والإدراك الذاتي، والتعاطف، والألم. والشعور بالوجوه مرتبط بالعنصرية والأشكال الأخرى من التحيز للجماعة والتمييز ضد من هم خارج الجماعة.

ويحتمل أن يكون وجود الشبكة وتنشيطها من حين لآخر بصورة أوتوماتيكية ولا واعية أمرًا متجذرًا في ماضيك الغابر عندما يكون تحديد هوية الأعضاء الذين ينتمون للجماعة والذين لا ينتمون إليها مسألة حياة أو موت (مثال: في الصراعات بين الجماعات المختلفة لبشر ما قبل التاريخ). غير أنه مثل العديد من الظواهر فى علم النفس التطوري، يمكن أن تؤدي هذه العمليات إلى مشاكل في مجتمع اليوم لأن الظروف اليوم مختلفة للغاية عن ظروف ما قبل التاريخ التي شكلت بنية أدمغتنا.

ويختم أوكلينبرج بالقول: إحدى الرسائل الهامة المستخلصة من الدراسة التي كتبها كننجهام وآخرون في عام 2004، هي أن العمليات السريعة واللاواعية التي تؤدي إلى ردود أفعال عاطفية سلبية محتملة عند مشاهدة وجوه الناس الذين ينتمون إلى جماعة عرقية مختلفة يمكن تنظيمها عن طريق عمليات سيطرة لا واعية لاحقة. وهذا يعني أنه من الأهمية بمكان تعليم الأفراد أن العنصرية غير مقبولة، من أجل تقوية السيطرة الإدراكية على الأفكار العنصرية المحتملة ومنع السلوك العنصري.

فنون

منذ سنة واحدة
كيف يمكننا تتبع تاريخ العنصرية من خلال اللوحات الفنية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد