قفزة كبيرة تحدثها فترة البلوغ على كثير من الفتيات صغيرات السن والمراهقات، إذ تنتقل إحداهن من قوة الثقة بالنفس وعدم الاكتراث بآراء الآخرين السلبية إلى إظهار علامات أزمة انخفاض بالثقة خطيرة. تناقش الكاتبات كلير شيبمان وكاتي كاي وجيل إلين رايلي في مقالهن المنشور على مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية أبعاد هذا التحول الكبير وأسبابه المحتملة مع مقترحات وتوصيات للتعامل مع هذا العمر الحرج.

فجوة ثقة

تأتي لحظة التغير وتبدأ معالم جديدة في إرباك الأهل، ففتياتهم الصغيرات كن ملكات الكون.. قويات وتتوهجن بالعنفوان والجرأة، لكن ومع بدء مرحلة البلوغ يمكن أن تتضاءل ثقتهن بأنفسهن ليحل مكانها نسخ خجولة مترددة تتجنب المجازفة وتكاد لا تشابه شخصياتهن المعهودة في شيء.

في هذا المجال، تحدثت الكاتبات أثناء إنتاج كتابهن الأخير «شفرة الثقة للفتيات» مع مئات من المراهقات والفتيات صغيرات السن اللواتي ذكرن بالتفصيل عددًا مذهلًا من الأشياء اللواتي لا يشعرن بالثقة تجاهها، بما في ذلك: «تكوين الصداقات الجديدة» «أسلوبي في الثياب» «التحدث في مجموعة» وغير ذلك.

عمدت الكاتبات أيضًا إلى العمل مع شركة أبحاث «Ypulse» (المتخصصة في استطلاعاتها بالفئة العمرية للمراهقين والفتية الصغار) لإجراء دراسة استقصائية شملت أكثر من 1300 فتاة تتراوح أعمارهن بين 8 إلى 18 عامًا بالإضافة إلى أولياء أمورهن (تنوه الكاتبات هنا إلى شمول العينة وتمثيلها لنطاق واسع من فئة المراهقات في أمريكا فيما يخص العرق والتوزيع الجغرافي).

أنتجت الدراسة بيانات مهولة أعلى من توقعات الكاتبات. طلب من الفتيات المشمولات بالاستقصاء تقييم ثقتهن على مقياس من 0 إلى 10، وقد انخفض متوسط مستوى استجابات الفتيات (ما بين أعمار 8 إلى 14) من قرابة 8.5 إلى 6، أي أن المتوسط انخفض بمستوى 30%.

لم يكن هناك فارق يذكر في الثقة بين الأولاد والبنات حتى عمر الثانية عشرة، لكن الانخفاض الذي يصيب ثقة الفتيات أثناء فترة البلوغ جعل متوسط الثقة لدى الفتاة بعمر الرابعة عشرة أقل بكثير من نظيره لدى الأولاد. أشار الاستطلاع إلى تعرض العديد من الصبيان إلى أزمات فقدان ثقة أيضًا عند دخولهم سن المراهقة، لكن لا شيء يوازي أو يماثل ما تختبره الفتيات. (لم يعط استطلاع «Ypulse» تفصيلًا دقيقًا للنتائج التي رصدها بمستوى يسمح باكتشاف أي ارتباط محتمل ما بين عرق الأطفال وثقتهم بأنفسهم أو مستويات دخل عوائلهم ومستويات ثقتهم).

تنخفض ثقة الفتيات بحدة عند وصولهن للبلوغ عن نظرائهن من المراهقين الفتيان، وتنتقل الفتيات من «أحب كتابة الشعر ولا يهمني ما يظنه الآخرون عني» إلى «أشعر أن الجميع في غاية الجمال والذكاء وأنا فقط الفتاة القبيحة التي لا أصدقاء لها».

يرصد الاستطلاع إذن وجود تراجع ملموس في ثقة الفتيات عند بلوغهن سن المراهقة وسن المراهقة المبكرة، وهي نتائج صادمةً بشكل خاص عند مقارنتها بالمقاييس المتعددة التي تدل على تفوق الفتيات الأكاديمي على الأولاد بشكل عام في المدارس المتوسطة والثانوية، وهو نجاح قد يظنه بعض الناس دالًا على الثقة. لكن الأمر ليس كذلك على أرض الواقع، وقد أظهرت الفتيات اللواتي تحدثن إليهن الكاتبات أو شملتهن الدراسة تحولًا باعثًا على القلق.

إذ تذكر الكاتبات كيف تحكي الفتيات في سن 12 وما دون أشياء من قبيل «أكون الصداقات بسهولة حقًا، أستطيع الذهاب لأي شخص وابتداء حديث معه» و«أحب كتابة الشعر ولا يهمني ما يفكره أي شخص آخر عنه إن ظنه جيدًا أم سيئًا». لكن بمرور عام أو أكثر في مرحلة مراهقتهن وتبدأ بالظهور عبارات من قبيل «أشعر أن الجميع في غاية الذكاء والجمال وأنا فقط الفتاة القبيحة دون أصدقاء» و«أشعر أني إذا تصرفت على حقيقتي فلن يحبني أحد».

Embed from Getty Images

الثقة عنصر أساسي لتحويل الأفكار إلى أفعال، والرغبات إلى حقيقة واقعة. علاوةً على ذلك، يمكن للثقة عند إنفاذها أن ترسخ وتتكاثر بنفسها. عندما يعمد الصبيان والبنات (والرجال والنساء) إلى تحمل المخاطر ويرون فوائد ذلك، فإنهم يكتسبون الشجاعة لتحمل المزيد من المخاطر في المستقبل. وعلى العكس من ذلك، يمكن أن يحول غياب الثقة دون توفر أنواع من السلوكيات الأساسية –مثل المخاطرة والفشل والمواظبة- التي قد تعيد بناءها.

وبالتالي يشكل انهيار الثقة لدى الفتيات عاملًا مقلقًا بشكل خاص بسبب آثاره الطويلة الأمد. قد يعني تجنب الفتيات للمجازفة مرارًا وتكرارًا حرمانهن من تكديس الثقة للمستقبل، وكما تؤكد الكاتبات أن فجوة الثقة بين الجنسين التي تبدأ في سن المراهقة ومع مرحلة البلوغ تستمر بالفعل حتى الكبر.

مثالية قسرية

ما الذي يجعل بناء الثقة أصعب بالنسبة للعديد من الفتيات والمراهقات؟ تذكر الكاتبات عوامل عدة على رأسها ما يصطلح عليه علماء النفس باسم «الاجترار»، ويعني الإسهاب والاستطالة بالتفكير في المشاعر السلبية وإضرامها وهي عادة أكثر شيوعًا بين النساء من الرجال وغالبًا ما تبدأ عند البلوغ. قد تدفع هذه العادة الفتيات لأن يكن حذرات أكثر وأقل ميلًا نحو المجازفة.

علاوةً على ذلك، كثيرًا ما يشجع الآباء والمعلمون الفتيات على انتهاج سلوك ساع للمثالية وموجه لإرضاء الآخرين دون فهم العواقب الوخيمة لذاك السلوك. يكون الدافع في هذا النوع من التربية عمومًا لأنه سلوك يسهل من حياة أولياء الأمور والمدرسين، ففي البيت المزدحم أو العائلة المشغولة أو الصف الصاخب يكافأ الأولياء الأطفال الذين يتبعون القوانين ويطيعون دون اعتراض ويتسمون بالهدوء والانضباط. لكن السعي للكمال يحول دون المجازفة، ويمنع صاحبه بالطبع من الجرأة على الفشل وبالتالي النمو النفسي الصحي والقيم.

الثقة عنصر أساسي لتحويل الأفكار إلى أفعال، والرغبات إلى حقيقة واقعة. علاوةً على ذلك، يمكن للثقة عند إنفاذها أن ترسخ وتتكاثر بنفسها. عندما يعمد الصبيان والبنات (والرجال والنساء) إلى تحمل المخاطر ويرون فوائد ذلك، فإنهم يكتسبون الشجاعة لتحمل المزيد من المخاطر في المستقبل. والعكس صحيح.

في هذا السياق، ترجع الكاتبات إلى عالمة النفس بجامعة ستانفورد كارول دوك –وهي مؤلفة كتاب «عقلية النمو: السيكولوجية الجديدة للنجاح»- والتي تعقب في مقابلة معهن لكتابهن الأول: «لو كانت الحياة صفًا مدرسيًا طويلًا لأصبحت النساء أسياد العالم بلا منازع. لكن الحياة ليست كذلك». تتغير متطلبات الحياة عمليًا على نحو هائل في المراحل اللاحقة من العمر، وكما توضح دويك أن الحياة: «تكافئ الأشخاص الذين يجازفون وينهضون من عثراتهم». وهو ما تظهره نتائج الاستطلاع السابق، إذ تزداد احتمالية وصف الصبيان بين عمر 8 و14 لأنفسهم باعتبارهم واثقين وقويين ومغامرين لا يعرفون الخوف، أكثر بكثير من الفتيات في نفس المرحلة العمرية.

في المقابل تركز المراهقات والفتيات صغيرات السن بدلًا من ذلك على وضع معايير ذاتية مرتفعة إلى مستويات مستحيلة التحقق وفقًا لبيانات الدراسة، إذ تظهر نتائج الاستطلاع أن نسبة الفتيات اللائي قلن أنهن ممنوعات من الفشل ترتفع من 18% حتى 45% من الأعمار 12 إلى 13. أثناء انخراطهن في بذل جهودهن لإرضاء الجميع وتحقيق المزيد واتباع القواعد، تجد العديد من الفتيات أنفسهن تغذين الصفات التي ستؤسس لصراع طويل الأمد في حيواتهن. فضلًا عن ذلك، تتسم الكثير من الفتيات في سن الثانية عشرة بالحكمة اللازمة لفهم أو رؤية كيف أن العالم ما يزال يعامل الرجال والنساء بصورة مختلفة، وهو ما يؤذي ثقتهن أكثر.

تحديات معاصرة

قد تزيد وسائل التواصل الاجتماعي الطين بلة، وتترك آثارها أعمق وأسوأ على الفتيات مقارنةً بالأولاد. إذ يضاعف الإنترنت الضغوط الاجتماعية على المراهقين مضاعفةً خطيرة. كان باستطاعة الفتيات في الماضي أن يقضين يومًا عارمًا وكثير الأحداث في المدرسة، تتقاتلن مع صديقاتهن أو تحصلن على درجات سيئة لكن فور عودتهن إلى المنزل يحصلن على نوع من المسافة أو الانفصال عن تلك الأحداث والتفاصيل المؤسفة. أما الآن لم يعد هناك مسافة بين خارج المنزل وداخله، بل بدلًا من ذلك تجزى الفتاة بالإشادة أو الإدانة المستمرة والفورية والمنشورة على الملأ.

Embed from Getty Images

تؤكد الكاتبات وجود دليل على إمكانية إحداث أثر إيجابي كبير على الفتيات عبر صقل وتغيير الوضع الراهن، ودفعهن للتأقلم أكثر في هذا العمر الحرج مع المجازفة وتقبل حالات الفشل. تربط بعض البيانات الأقوى من نوعها ما بين المشاركة في الرياضات والنجاح المهني. تستدل الكاتبات بدراسة من شركة المحاسبة الشهيرة إرنست ويونغ وموقع espnW لرياضة النساء.

وجدت هذه الدراسة أن 94% من النساء اللواتي يشغلن مناصب مسؤولات إداريات في أعلى هرم الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية قد لعبن في رياضات تنافسية. ليست الرياضات الوسيلة الوحيدة للفتيات لاكتساب الثقة، لكنها ببساطة فرصة منظمة ومتاحة بسهولة لتجربة الخسارة والفشل والمرونة. يمكن اكتساب هذه المهارات نفسها عبر المشاركة في فريق مناظرات أو تعلم الطهي أو مناصرة قضية ما والتحدث عنها جهرًا مثل قضية الرفق بالحيوان على سبيل الذكر، طالما تقدم الفتاة على اتخاذ خطوة خارج منطقة راحتها، وتخوض عملية النضال والاحتراف، ستأتي الثقة نتيجةً أكيدة.

ضروري سد الفجوة بين الجنسين وضروري أن يكون ذلك عاجلًا وفي مراحل عمرية مبكرة، لأن النتائج طويلة الأمد لهذه الأمور لن تؤذي الفتيات فقط، بل النساء اللواتي سيصرن. ستدخل الكثيرات من هذه النساء إلى القوى العاملة خلال سنوات قليلة ليختبرن انخفاض ثقة محتمل آخر وتزعزعًا في الطموحات. كان كل من النظام التعليمي والاجتماعي الممنهجين يكافئن الفتيات على أساليب اتباع القواعد ومحاولات إرضاء الآخرين عبر التمثل بصورة الفتاة الجيدة.

يشكل الوصول لعالم البالغين صدمة مع اكتشاف ملعب جديد مختلف كليًا، حيث يكون الفشل المتكرر أمرًا جيدًا، والمجازفة بالمخاطر تستحق عناءها. لا عجب ما تعانيه الفتيات والكفاح الذي يضطررن له: إذ أن حيواتهن كلها حتى الآن كانت على عكس ذلك تمامًا كما استوعبنها، وعليهن الآن اتباع طريق مجتمعي جديد وانتهاج تغيير كلي لا بد من الإقرار به. وفي النهاية، تذكر الكاتبات: الفتيات بارعات بالتعلم وهن بحاجة فقط إلى دليل دراسة صحيح.

«أنت لا تفهميني».. لماذا تتدهور العلاقات أحيانًا بين الأم وابنتها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد