يتجه سكان المنطقة للقطاع الخاص من أجل الحصول على الحد الأدنى من الضروريات

مر اللبنانيون بصيف نتن حيث تجمعت أكوام القمامة طوال الشهر الماضي. و بعد عدة أيام منذ بدء الأزمة الناجمة عن غلق أحد مكبات القمامة بعد امتلائه بالنفايات، بدأ المواطنون يتعاملون مع الأزمة بأنفسهم؛ فقد قام البعض بحرق نفاياتهم، وقام البعض الآخر بإلقاء القمامة أمام مبني البرلمان. فبعد مرور  25 عامًا منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان، تعلم اللبنانيون أن عليهم توفير الخدمات العامة بأنفسهم، كتركيب مولدات الديزل، وتشغيل صهاريج المياه عند جفاف المياه في الصنابير. إلا أن ذلك الوضع لم يعد حالة شاذة عن الوضع في سائر البلدان العربية، إذ اتجه العرب في جميع البلدان العربية للقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية للحصول على الخدمات الأساسية التي لم تعد توفرها حكومات الدول المتعثرة.

هناك حالات متطرفة في ذلك، مثل الوضع في سوريا، حيث دمرت الحرب جميع الخدمات التي تعتبر خدمات ضرورية في جميع أنحاء العالم، حتى وإن كانت خدمات تفتقر للجودة العالمية مثلها مثل الخدمات في باقي الدول العربية. وتؤكد الأمم المتحدة اليوم أن ما لا يقل عن ربع المدارس في سوريا قد تدمرت بالفعل، وأن 43% فقط من المستشفيات تعمل بكامل طاقتها. واليمن هي الأخرى، والتي تعتبر أفقر دول المنطقة، تعتمد منذ فترة طويلة على المساعدات الخارجية، إلا أن اندلاع الحرب مؤخرًا أجهز على ما تبقى من البنية التحتية العامة الفقيرة.

ويلام على ذلك أيضًا عقود من الإهمال، ولعل مصر في ذلك تمثل حالة صارخة. على سبيل المثال، التعليم. على الرغم من أن الإنفاق العام على التعليم ارتفع من حيث قيمته الأساسية، فوفقا للأرقام الحكومية الرسمية تراجع إجمالي الناتج المحلي من 5.1٪ في عام 2003 إلى 3.6٪ في عام 2013. ويصنف المنتدى الاقتصادي العالمي المدارس الابتدائية في مصر كثالث أسوأ مدارس في العالم، حيث تتكدس أعداد كبيرة من التلاميذ داخل الفصول الدراسية القذرة. ويقول الآباء أن المعلمين في كثير من الأحيان لا يتورعون عن طلب الرشاوى من الآباء مقابل إعطاء أبنائهم درجات النجاح، حتى لو كانوا ناجحين بالفعل.

ولا عجب إذًا من انتشار الدروس الخصوصية، وبنفس نسبة الحضور الموجودة بالمدارس: فوفقًا لبعض التقديرات، تنتشر الدروس الخصوصية بين طلاب المدارس الثانوية بنسبة تصل إلى 70٪. تقول تسنيم – وهي ربة منزل – إنها وزوجها الذي يعمل أمين صندوق في بنك، ينفقون ما يقرب من 20٪ من دخلهم السنوي البالغ 200،000 جنيه مصري (25،500 $) فقط لإدخال ابنيهما مدرسة ابتدائية خاصة. إضافة إلى زيادة عدد الآباء الذين يختارون التعليم المنزلي لأبنائهم، وهي فكرة جديدة في المنطقة العربية.

في الآونة الأخيرة، أوضح عدد من الأطباء المصريين سبب عزوف العرب عن المستشفيات الحكومية لفترة طويلة. فبدأوا بنشر صور من داخل المستشفيات لتظهر وجود قطط في العنابر، وبراز على أرضيات الحمامات في أجنحة المستشفيات. وربما الأوضاع في بلدان أخرى ليست على هذا القدر غير الصحي المتغلغل من القذارة، لكن حتى في البلدان الأكثر ثراءً نسبيًّا، مثل تونس والمملكة العربية السعودية، يلجأ السكان المحليون أيضًا للمستشفيات والعيادات الخاصة عند مرضهم.

بينما في العراق يتظاهر السكان المحليون بسبب انقطاع الكهرباء والماء خلال فصل الصيف، والذي ترتفع فيه درجة الحرارة لتبلغ  50ºC. تنتشر المولدات الآن في كل مكان بالعراق، كما هو الحال في بيروت، على الرغم من الثروة النفطية التي تتمتع بها العراق. وبالتوازي في المملكة العربية السعودية ذات الثروة النفطية أيضا، في بداية العام الحالي صرح مسؤول سعودي أن توفير الطاقة على مدار 24 ساعة يوميا سيتأثر سلبا إذا استمر حجم الاستهلاك في الارتفاع بنفس المعدلات الحالية. وبالتأكيد، الحصول على مثل تلك الخدمات أسوأ خارج المدن الكبرى، أو في المناطق العشوائية التي تكدست حولها. ففي عام 2012، في المغرب، والتي تعتبر من التجارب الناجحة نسبيا، اشتكى ما يقرب من نصف سكان الريف من عدم توافر أي إمكانية لديهم للحصول على مصدر للمياه الجارية. وتلوح بالأفق مشكلة أكبر ألا وهي نقص المياه، إذ يضم العالم العربي 14 دولة من إجمالي 20 دولة من أكثر الدول معاناة من حيث نقص المياه؛ ولعل الأردن هي الأسوأ حالا، حيث تكافح تحت وطأة أعداد اللاجئين السوريين.

لم يكن الوضع دائما على هذا النحو، فبعد الاستقلال، غطت الكثير من حكومات الدول العربية خدمات جميع مواطنيها؛ فقد كان هذا من أولويات الاشتراكيين مثل جمال عبدالناصر في مصر، وحافظ الأسد في سوريا. لكن كانت الأنظمة فاسدة وتفتقر للكفاءة في كثير من الأحيان، إذ لم تنتج اقتصادياتها الراكدة ما يكفي من النقود. وبينما استمر عدد سكان المنطقة في الزيادة المفرطة والسريعة في نفس الوقت، استطاع عدد قليل جدا من الحكومات مجاراة ذلك النمو اقتصاديا.

إساءة استخدام السلطة

تتمثل إحدى أهم المشكلات في أن العديد من الدول لا تفرض ضريبة دخل، وبدلاً من ذلك تميل الحكومات الاستبدادية للتعامل مع الخدمات العامة على أنها وسيلة تملق. فمثلا، العائلات المالكة في دول الخليج تمنح علاوات سخية على الأجور وعطايا للمواطنين، على أساس أنهم  بتلك الطريقة لن يتوقوا للتصويت في مجالس الشعب. وقد أفشلت الحروب والاضطرابات الأوضاع أكثر، وتسببت في تراجع كبير فيها أيضًا. فاليوم أي شخص عربي عادي يرى البيروقراطية على أنها مشكلة تعوق تنقله بدلا من كونها مصدرًا للمساعدة.

ولعل أحد المصائب الأخرى هي زيادة عدم المساواة، إذ تُترك الخدمات الرديئة للفقراء، في حين يدفع الأغنياء للقطاع الخاص. وأكدت الأمم المتحدة أن ندرة الخدمات العامة في العراق، تغذي الفساد، فمثلاً يدفع العراقيون الرشاوى لتجاوز صفوف الانتظار. لكن على الجانب الآخر، كفاءة خدمات القطاع الخاص ليست جيدة حتى بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون تحمل تكلفتها. وغالبًا ينعدم وجود أي حافز لتحسين الأوضاع. على سبيل المثال، في لبنان اتحدت شركات المولدات الكهربية الخاصة ضد أي اجراء لتوفير الحكومة الكهرباء بشكل أفضل، ففي العديد من الأماكن، من يدير القطاعات الخاصة التي تقدم الخدمات هم أشخاص على علاقات وثيقة بالمسؤولين في الحكومات أو هم أنفسهم من يشغلون المناصب الحكومية.

ومع استمرار تدهور الوضع الأمني، يزداد اعتماد الناس على شركات الأمن الخاصة، والذي بدورة يقوض الدولة. فمثلا، يدفع صاحب أحد مصانع الطعام السورية للمتمردين لحراسة مصانعه. واعتماد مصر المتزايد على أدوات تحقيق العدالة غير الرسمية بدلاً من المحاكم المثقلة بالأعباء بما يفوق طاقتها، يرسخ  للتمييز والتفرقة في المجتمع. ونتيجة لذلك، تفقد الأقليات مثل الأقباط الحماية القانونية التي يوفرها القانون. حتى إذا ما أصدرت المحكمة قرارًا ما، يجب أن يدفع الناس للشرطة الأموال كي ينفذوا أوامر المحكمة. علاوة على ذلك، تزدهر الجماعات الدينية في مثل تلك الأوضاع. على سبيل المثال، يوفر حزب الله في لبنان الخدمات لفقراء الطوائف الشيعية في معقلها في الجنوب. وعلى نفس المنوال، فعلت جماعة الإخوان المسلمين نفس الشيء في مصر، وفي بلدان أخرى.

منذ ثورات الربيع العربي، والحكام يولون اهتمامًا أكبر بسعادة المواطنين، إلا أنهم يفعلون ذلك خشية على مناصبهم. فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شكّل منصبًا وزاريًّا جديدًا تحت اسم وزارة التجديد الحضاري، ووعد بتوسيع الخدمات لتصل للمناطق العشوائية. وعلى الجنب الآخر، التنظيم الجهادي المسمى بالدولة الإسلامية يسعى لذلك أيضا، ويحاول جاهدًا، أكثر من أي فصيل آخر، توفير المياه والطاقة والاتصالات بصفة مستمرة، ويقول السوريون الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية وحكمها الوحشي، أنه على الأقل الدولة الإسلامية توفر الخدمات الأساسية في مناطق “الخلافة”، خلافًا للمناطق التي تخضع لسيطرة المليشيات الأخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد