في الأيام الأخيرة، صعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل كبير من التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية. ولم يكن دعم موسكو لنظام الأسد بالأمر الجديد، فقد كان الداعم الرئيسي للأسد جنبًا إلى جنب مع حكومات إيران والعراق، فضلا عن حزب الله اللبناني. ولكنه دخل الآن الحرب مباشرة، ونشر آلاف الجنود والمستشارين الذين يشاركون في الحرب الأهلية إلى جانب النظام نفسه.

هناك العديد من المستويات لهذا التدخل. على مستوى واحد، هو تدخل مدفوع من قبل ديناميات الحرب نفسها. عانت القوات المسلحة للنظام سنوات من الاستنزاف، والهزيمة، والنكسات، والانشقاق، وأكثر من ذلك. التنسيق شبه العسكري بين القوات الإيرانية  وحزب الله يشكل الآن العمود الفقري لمقاومة حركات التمرد المتعددة التي تجتاح البلاد.

قادت المخاوف الحقيقية من انهيار القوات حول دمشق وما تبقى من سيطرة الحكومة في حلب إلى حالة من الذعر: ماذا لو تم تجاوز هذه القوى تمامًا؟ سيكون ذلك خسارة مذهلة لأولئك الذين استثمروا بكثافة في انتصار النظام وتغيير ميزان القوى في المنطقة.

هناك بعد آخر يمكن من خلاله فهم هذا التدخل بوسيلة غير مؤكدة، بوتين “فرض سيطرته على الآخرين”. هو يعلن نفسه حارس البوابة ورمز الاستبداد الأول في أوروبا.

اليمين المتطرف الأوروبي أبدى إعجابه بالرئيس الروسي بشكل لا يخفى على أحد. يرون في خطابه العنيف، واحتفائه بلا حرج بفرط الذكورة، وازدرائه العام لليبرالية كنموذج من السياسة العظمى التي يرغبون في استعادتها لحكوماتهم.

في هذا هم ليسوا وحدهم، الجمهوريون في الولايات المتحدة (الذين هم أنفسهم أقرب إلى اليمين الأوروبي المتطرف في العديد من القضايا من الأحزاب المحافظة في أوروبا) استشهدوا بشكل روتيني ببوتين كمثال “للزعيم الحقيقي” على النقيض من المخنث الضعيف أوباما.

في حين يستخدم الجمهوريين بوتين باعتباره وسيلة لتقديم رؤيتهم للقائد، يتطلع اليمين الأوروبي إلى مستقبل جديد مشرق يجري فيه استبدال سياسة الولايات المتحدة الإمبريالية الليبرالية بسياسة المحافظين في أوروبا قديمًا.

هم يريدون كليمنس فون وفرانسوا جيزو والانضباط البروسي والاستبداد القيصري، وعدم وجود معايير دولية مزعجة عن الحقوق والمجتمع المدني. يريدون رجالا أقوياء غير مقيدين بمعاشات العمال والمهاجرين -سواء كانوا مسلمين أم لا- كما أنهم يريدون إرسال رسالة قوية إلى الولايات المتحدة: نحن أوروبا جديدة غير ليبرالية، وبعض الأمور ستتغير حولنا هنا.

جوهر الليبرالية الأيديولوجية الاستعمارية الجديدة هو عنصر ضروري من أجل أن تعمل في سياق استعماري جديد. الاستعمار في جميع جوانبه هو ضروري للحفاظ على العلاقات الاجتماعية الرأسمالية في جميع أنحاء العالم، وكانت الولايات المتحدة هي الضامن له، والتي حتى في لحظات المحافظين الجدد، تستخدم فكر التحرر السياسي. وبهذا المعنى، يمكننا القول أن الحزب الديمقراطي كان الحزب الإمبريالي الأكثر فعالية لعالم ما بعد فيتنام.

ولكن هذا النظام هو في أزمة. هيمنة الولايات المتحدة تتآكل بسرعة في حين لا تزال تمتلك هيمنة عسكرية. بينما يتهاوى نظام القطب الواحد إلى الأسفل، فإن الصراعات الإقليمية وتنافسات القوى العظمى المنافسين تشرع في استبدال واشنطن باعتبارها المحرك للصراع العالمي. شيء واحد واضح من الأزمة السورية: دور الرياض وأنقرة وطهران وموسكو، وسياسة تقسيم العراق وأكثر من ذلك هم المحرك الرئيسي لتدخل دولي في سوريا، وليس دسائس وكالة الاستخبارات المركزية أو وزارة الدفاع الأمريكية.

الآن تدخل الصين الشجار، التي يقال بأنها أرسلت مستشاريها لتقديم الدعم جنبًا إلى جنب مع نظرائهم الروس، والإيرانيين، واللبنانيين. ودعت الصين منذ فترة طويلة إلى وضع حد للهيمنة الليبرالية في السياسة الدولية، وبدلا من ذلك، دعمت الحساسية الناشئة لبوتين، الحكومات الاستبدادية القوية هي مركز لمشروع الليبرالية الجديدة، أو الرأسمالية المتأخرة، أو أيًا كان ما يسميها الآخرون.

قاد انتصار زواج المثليين في الولايات المتحدة العديد إلى الاعتقاد في التحرر الذي لا مفر منه لجميع جوانب المجتمع، ولكن هذه الحتمية هي سراب. ما يحدث في الواقع هو أن النظام الرأسمالي العالمي قد دخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحادة، واليسار بات غائبًا في هذه الحالة.

في هذا الفراغ، ظهر اليمين الجديد في جميع أنحاء العالم. يأخذ أشكالا عديدة، من التمرد الصريح لإجراء برلماني من حزب الشاي إلى اليمين المسيحي، من مختلف أشكال جماعة الإخوان المسلمين لضراوة العنصرية المعادية للمسلمين. ويمكن العثور عليه في حزب بهاراتيا جاناتا في الهند ومحاولات شينزو آبي لعسكرة اليابان. يمين جديد يدعو للعودة إلى “القيم العائلية التقليدية”، وهي رمز للتسلط الأبوي (الذي لم يذهب بعيدًا في المقام الأول).

تحركات بوتين في سوريا هي في جزء كبير منه محاولة ليقول للكثير من الأوروبيين، “أنتم ترون هذه الجحافل من المسلمين القادمين إلى شواطئكم، تسود الأسهم الأوروبية؟ أنا الأب الذي سيعيد كل ما كان لكم ذات مرة، ويذل أعداءكم، ويسمح لكم برفع رؤوسكم في فخر”.

يخشى الأمريكيون اليوم صعود دونالد، لكنه يتضاءل بالمقارنة مع فلاديمير بوتين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد