تزامنت أحداث الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة مع الذكرى الـ99 للثورة الروسية، وقد فاجأت نتيجتها الجميع مثلما مثلت الثورة البلشفية صدمة للعالم. وعلى النقيض من جميع المحللين السياسيين، كان لروسيا وثعلبها بوتين توقع آخر، تحقق أخيرًا. فكيف أصاب بوتين في توقعه؟ هذا ما تناقشه فيونا هيل في مقالها على موقع معهد بروكنجز.

تقول فيونا إن الأمر قد يحتاج إلى شخص بعقلية بلشفية ثورية مثل بوتين لتوقعه. لا يكترث بوتين كثيرًا لتعقيدات السياسة الأمريكية وطريقة اختيار الرئيس، ولا يؤمن بالديمقراطية أساسًا.

لكنه يبرع في قراءة المزاج العام والتلاعب بالناس، تؤكد فيونا. ويتقن استغلال نقاط ضعف الغير. ثمة تشابهات كبيرة بين بوتين وترامب، فحين صعد الأول إلى هرم السلطة عام ،1999، كان الاقتصاد الروسي يعاني الأمرين، وكانت الأجواء السياسية شبيهة بتلك السائدة في أمريكا الآن. كان ما ركز عليه بوتين في بداية الألفية هو إعادة أمجاد روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، رافعًا شعار «روسيا أولاً».

لكن على عكس خطابات ترامب، بدا بوتين كمصارع لا يقبل الإهانة، ورجلاً صلبًا لا يحب الكلام المنمق. وبعدما كان عميل استخبارات مجهول في بداية الألفية، أضحى قائدًا عالميًا له ثقله. وبات نموذجه محل محاكاة من طرف الكثير من القادة بما في ذلك ترامب.

قدم بوتين نفسه باعتباره رئيسًا إلى الروس الذين كانوا يشعرون بالحنين إلى العهد السوفيتي، ورأوا أن مستقبل البلاد مظلم. وبات مفهوم الديمقراطية، التي ربط الكثيرون بينها وبين الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في أواخر التسعينيات، غامضًا بالنسبة لهم.

تقول فيونا إن العولمة قضت على الاتحاد السوفيتي، فلم يكن الاتحاد قادرًا على المنافسة التجارية إلا في مجالي الطاقة والتسليح. وكانت البنية التحتية في البلاد متداعية، ولم تجد المصانع الكبرى ولا المناجم زبائن جددًا بعدما أهمل السوفييت الطبقة الفقيرة. وكانت شبكة المواصلات والاتصالات منهارة، وانخفض متوسط العمر المتوقع بسبب الأوبئة وإدمان الكحوليات والمخدرات.

لكن الحظ حالف بوتين في أول فترتين رئاسيتين، فقد ارتفعت أسعار الطاقة بشدة، واستطاعت الدولة أن تحيي الصناعات المحتضرة. وارتفع مستوى الأجور وتحسنت الأحوال المعيشية وبات سكان موسكو يتمنون تحولها إلى مدينة عالمية.

وفي 2008، تقول فيونا، تبادل بوتين ورئيس وزرائه ديمتري مدفيدف المناصب. لكن أداء مدفيدف لم يرُق لبوتين، فأعاد الإعلان عن ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة في 2011، وقد تسبب ذلك في تفجر احتجاجات واسعة في روسيا.

وعلى إثر ذلك، اتهم بوتين النخب السياسية بمحاولة هدم الدولة. وعلى الرغم من خسارته أصوات مدينة موسكو، إلا أنه استطاع كسب أصوات الناخبين في المدن المهمشة التي كانت تنظر بعين الحسد إلى ما وصلت إليه موسكو.

ما تزال القاعدة الشعبية الداعمة لبوتين حتى اليوم تقع خارج موسكو، ويعتبر الكرملين أحد ركائز هذا الدعم. وما ينفك بوتين وإدارته يستطلعون مزاج الشعب تحسبًا لاشتعال أي طارئ، ولوضع خطط لكيفية التلاعب بمشاعر الروس.

وتؤكد فيونا أن بوتين طوع الإنترنت والتلفاز لصالحه، فقد جرى تسريب عشرات التسجيلات الجنسية لخصومه السياسيين، كما أن بوتين ممثل سياسي بارع. وقد عرض الإعلام الروسي أحداث الحربين السورية والأوكرانية على أنها أحداث رياضية. كما استُخدم السباق الرئاسي الأمريكي لصرف الأنظار عن المشاكل الداخلية في روسيا، ولتشويه صورة الديمقراطية الغربية.

وقد تعامل بوتين بنفس المنطق مع الوضع في أمريكا، حيث كان يتابع عن كثب نبض الشارع الأمريكي. رأى الكرملين أن الغضب وعدم الرضا الذي يسيطر على قطاع كبير من الأمريكيين، لا سيما في المدن الصغيرة والمناطق الريفية، بسبب الركود الاقتصادي، يشبه إلى حد كبير الغضب الذي ساد في أواخر عهد الاتحاد السوفييتي. وقد استخدم ترامب شعارات مشابهة لتلك التي استخدمها بوتين في 2012، فأظهر نفسه بمظهر القائد القادر على تحقيق أحلام الناس وإعادة مجد البلاد المفقود.

تقول فيونا إن الروس قد تعاملوا مع الانتخابات على أنها استفتاء على مستقبل أمريكا. اعتقد ترامب أن الانتخابات هدفها هو استعادة الأمريكيين لبلادهم، مثلما فعل البريطانيون في استفتاء البريكزت، وإنقاذها من التغيرات الاجتماعية الهائلة بسبب المهاجرين، ومن الأزمة الاقتصادية طويلة الأمد. ومعظم من صوتوا لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يكونوا ممن ساهموا في الانتخابات العامة السابقة، ولهذا كانت نتائج استطلاعات الرأي مضللة. وهذا هو بالضبط مع حدث في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث أساءت استطلاعات الرأي تقدير عدد مؤيدي ترامب.

يختم المقال بالقول إن الروس تمكنوا من إدراك حجم غضب الأمريكيين من منظومتهم السياسية، لأنهم دومًا متيقظون لمثل تلك الأمور في بلدهم. يستند بوتين في رئاسته على قوة شخصيته وقاعدة الدعم الشعبية العريضة التي تسانده. ولذلك فهو يسعى دومًا لجس نبض الشعب الروسي حياله. ودائمًا ما يردد الشعارات البراقة ويهاجم المعارضين أكثر من اهتمامه بالحقائق والمشكلات. وهكذا استطاع الروس أن يلاحظوا التطابق بين الوضع الأمريكي الآن والوضع الروسي سابقًا، ونجحوا في توقع أن رجل الاستعراضات سيمثل الحالة المزاجية الغاضبة لدى الأمريكيين بشكل أفضل من شخصية من النظام القائم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد