ضمن جهود روسيا لتقوية نفوذها حول العالم، تحاول حاليًا تطوير علاقاتها مع دول أفريقيا وزيادة انخراطها معها، منافسةً في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والصين. إذ كانت بدأت في السنوات الخمس الأخيرة، تضطلع بدورٍ أكبر على الساحة العالمية، بالأساس من خلال دعمها لرئيس النظام السوري بشار الأسد في صراعه ضد المعارضة.

وفي هذا التقرير الذي نشرته مؤسسة «ستراتفور» الأمريكية، تتناول المؤسسة سبل روسيا لبسط نفوذها في القارة السمراء، وأهم العقبات والتحديات في سبيل ذلك.

تشير المؤسسة إلى أنَّه منذ بدأ المتعهدون العسكريون الروس في الظهور بجمهورية أفريقيا الوسطى عام 2018، زادت طموحات روسيا الاستراتيجية في أفريقيا مع كل تفاعلٍ متبادل بين موسكو وأي جهة فاعلة أخرى في القارة.

ويعد هذا تغيرًا عن نظرة روسيا إلى أفريقيا في الماضي، فلفترةٍ طويلة بعد نهاية الحرب الباردة، كانت أفريقيا غير مهمة نسبيًا لسياسة روسيا الخارجية، لكن مع بدء روسيا في الاضطلاع بدورٍ دولي جديد على مدار السنوات الخمس الماضية، عادت أفريقيا إلى الصدارة في أجندة السياسة الخارجية لموسكو، لأهميتها لأهداف روسيا في المنافسة العالمية الكبرى.

وعلى الرغم من امتلاك روسيا موارد أقل من منافسيها لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، إلا أنَّها تملك قدرًا أكبر من المرونة، وقدرًا أقل من الشروط.

من الحرب الباردة إلى صعود «روسيا بوتين»

بحسب تقرير المؤسسة، منذ وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة بداية القرن الحادي والعشرين، سعت الحكومة الروسية جاهدةً لاستعادة دورها باعتبارها قوة جيوسياسية. وبعد عودة بوتين إلى الرئاسة عام 2012، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، تفاقم نزاعها الأيديولوجي مع الغرب، وأصبحت سياسة موسكو الخارجية أكثر حزمًا، وبينما ظهر هذا بدايةً في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، ينتقل الآن إلى القارة الأفريقية.

الموقف الروسي تجاه سوريا

وليس من قبيل المصادفة بحسب المؤسسة أن تصيغ روسيا سياستها الأفريقية الحالية على غرار سياسة الاتحاد السوفيتي السابق. الاختلاف أنَّ الديناميات العالمية المتغيرة غيَّرت بعض عناصر الاستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا، فلم تعد تدور حول نشر القاذفات الاستراتيجية النووية في مواقع متقدمة أو نشر الاقتصاديات الماركسية، لكن لا تزال روسيا تستخدم المفاهيم الأيديولوجية للوحدة والقومية الأفريقية لخلق صلاتٍ عميقة بين نشطاء ما بعد الاستعمار في أفريقيا وأجندة موسكو المؤمنة بالأممية.

وبدلًا من العمل مع الحركات الثورية، تعتقد المؤسسة أنَّ روسيا ارتأت إمكانية المواءمة الأيديولوجية مع الحكام الأفارقة، لا سيما حين يتعلق الأمر بمعارضة الديمقراطية والمبادرات القائمة على حقوق الإنسان والتدخل الغربي. فعلى منوال روسيا، يشعر العديد من الحكام الأفارقة بالضغط الغربي في قضايا مثل انتقال السلطة والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتحرر الاقتصادي. ويمكن لروسيا أن تثير مشاعر القومية الأفريقية بين هؤلاء الحكام، وتشجع مسارًا مستقلًا للدول الأفريقية، أو على الأقل مسارًا مستقلًا عن الغرب.

دوافع موسكو

ترى المؤسسة أنَّ هذه الأهداف تتوافق مع المصالح العملية لروسيا، فمن ناحية، تضمنت استراتيجيات السياسة الخارجية الأكثر حزمًا لروسيا رفضها سقوط الأنظمة الاستبدادية. وهذا الالتزام بالحفاظ على الاستقرار العالمي هو شيء عزاه العديد من المسؤولين في الكرملين إلى التداعيات الفوضوية للربيع العربي، وتدخل الناتو في ليبيا.

سياسة دعم الاستقرار هذه جعلت روسيا مستعدةً لدعم بعض القادة، مثل بشار الأسد في سوريا، ونيكولاس مادورو في فنزويلا. وتطبق روسيا ذات المنطق في أفريقيا، إذ دعمت بفعالية حكم الرئيس فوستين آركانج تواديرا لجمهورية أفريقيا الوسطى، وحتى وقتٍ قريب كانت روسيا تدعم الرئيس السوداني السابق عمر البشير.

لكن تضيف «ستراتفور» أنَّه في حين أنَّ الاستقرار في أفريقيا ربما يفيد روسيا بالمساعدة في منع تداعيات التشدد أو العقبات الاقتصادية، فهذه ليست أكبر فوائد علاقاتها بالقارة. لكن ما تحتاجه روسيا في مواجهتها الحالية مع الغرب هو علاقات بديلة مُكمِّلة مع دولٍ في جميع أنحاء العالم.

وفي أفريقيا، يأتي هذا التعاون بأشكالٍ عديدة، لكنَّه يدور عادةً حول الفرص الاقتصادية، كالوصول إلى الأسواق وصفقات الموارد الطبيعية، ومبيعات الأسلحة والمواءمة الدبلوماسية في الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الأخرى.

فعلى عكس روسيا التي تمتلك حق الفيتو باعتبارها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لا تحتل الدول الأفريقية مناصب رئيسية في المنظمة، لكنَّ عدد أعضاء الأمم المتحدة من الدول الأفريقية يبلغ 54 عضوًا، أي ما يقرب من ثلث إجمالي الأصوات في الجمعية العامة.

كيف يتحكم الغاز الطبيعي في الموقف الروسي حيال الأزمة السورية ؟

استراتيجية روسيا في القارة السمراء

تعتقد المؤسسة أنَّ الطرق التي تحاول روسيا من خلالها توسيع نفوذها في أفريقيا تعتبر طموحةً في نطاقها، خاصةً وأنَّها تركز على العلاقات العسكرية مع الدول الأفريقية، والتي تعتبر بالغة الأهمية في المنافسة الحالية بين القوى العظمى. إذ نشرت روسيا متعهدين عسكريين في جمهورية أفريقيا الوسطى لإيصال الأسلحة وتدريب القوات الحكومية، وتوفير الحماية الشخصية للرئيس.

واتخذت إجراءً مماثلًا في ليبيا، إذ طوَّرت علاقاتها مع أطرافٍ مختلفة في الصراع المستمر، وفي السودان، دعم مستشاروها البشير، وعليهم الآن أن يساعدوا في وضع خارطة الانتقال المعقد للسلطة. وفي مايو (أيار)، أعلنت روسيا عن خطط نشر خبراء فنيين في جمهورية الكونغو، لتدريب القوات المحلية على استخدام المعدات العسكرية الروسية.

أما الأجزاء الأخرى من استراتيجية روسيا في أفريقيا، فهي غير ملحوظة حسبما ترى «ستراتفور». ففي جميع أنحاء القارة، تعمل روسيا في عمليات جمع المعلومات، ودعم التنمية، والعلاقات الاقتصادية، ومبيعات الأسلحة، وغيرها. تُنسَّق كل هذه الأنشطة لإقامة علاقاتٍ قوية وموثوقة مع القادة الأفارقة، مع إبقائهم في السلطة.

وتشير المؤسسة في هذا إلى تسريبٍ نشره ميخائيل خودوركوفسكي وصحيفة «الجارديان» البريطانية بعنوان «الدوسيه»، أوضح أنَّ الشبكة الواسعة من النشاط الروسي في القارة يديرها يفجيني بريجوزين، السياسي البارز المعني بالنشاط الروسي غير الرسمي في الخارج.

ومن خلال بريجوزين وعددٍ من الكيانات الخاصة المرتبطة به، توفر روسيا الخدمات الأمنية لشركة «فاجنر» الأمنية الروسية الخاصة، وتؤثر على المنظمات الإعلامية المحلية والمنظمات غير الحكومية، وتقدم المشورة مباشرةً إلى القادة الأفارقة. وهذا الهيكل غير الرسمي للنفوذ الروسي يمنح روسيا قدرًا كبيرًا من المرونة لن يسمح بها أي نشاط علني.

لكن مع ذلك، يوضح التقرير أنَّ روسيا تنخرط في علاقاتٍ اقتصادية وعسكرية مباشرةً مع أفريقيا، وهذه العلاقات العلنية لا يجب الاستهانة بها، إذ تخدم أغراضًا رمزية وعملية مهمة. وتشير «ستراتفور» إلى أنَّ إحدى الخطوات الكبيرة في هذا الاتجاه هي القمة الروسية الأفريقية المزمع عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) في سوتشي، والتي سيحضرها زعماء جميع الدول الأفريقية تقريبًا. فهذه القمة ليست مجرد بادرة رمزية من روسيا تجاه أفريقيا، بل توفر فرصة واقعية لروسيا والقادة الأفارقة للبحث عن تفاعلٍ اقتصادي دائم ذي منفعة متبادلة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يُزعم أنَّ الخطط الروسية تتضمن أيضًا خططًا ضخمة للبنية التحتية، مثل إنشاء السكك الحديدية والطرق السريعة التي تربط ساحل البحر الأحمر بغرب أفريقيا. تلك الخطط كانت تُتداول في أفريقيا لوقتٍ طويل، لكنَّ عقبة التمويل الهائل المطلوب حالت دون تنفيذها.

مؤشر الجوع

الطموح يلتقي الواقع

بينما حققت روسيا حتى الآن نجاحاتٍ عديدة في أفريقيا، تعتقد المؤسسة أنَّ تحقيق المدى الكامل لطموحاتها سيأتي بثمنٍ باهظ، ولا تملك الدولة الموارد المالية الهائلة التي قد تسمح لها ببساطة ببسط نفوذها بين الدول الأفريقية، أو تمويل مشاريع البنية التحتية.

وفي عالمٍ تنافسها فيه قوى عالمية أخرى على النفوذ، فإنَّ غياب تلك القدرة المالية يمكن أن يعيق روسيا بشكلٍ واضح. على سبيل المثال، تتمتع دولة مثل الصين بإمكاناتٍ اقتصادية أكبر بكثير يمكنها من خلالها توفير حوافز اقتصادية للقادة الأفارقة، رغم أنَّ التحديات الاقتصادية المحلية حدّت إلى حدٍ ما من الطبيعة الوافرة للإنفاق الصيني على البنية التحتية في أفريقيا.

وفي الوقت نفسه، يمكن للجهات الفاعلة الغربية مثل الولايات المتحدة أو فرنسا أن تفر لأفريقيا علاقاتٍ أكثر استدامة مع أسواقها، فضلًا عن دعمٍ دفاعي وأمني متطور للغاية.

لكنَّ هذه العلاقات دائمًا تأتي بشروط، ويشعر عديدٌ من القادة الأفارقة بالقلق من المطالب الغربية بالتحرر السياسي الذي يهدد مناصبهم، والممارسات الاقتصادية الصينية التي يمكن أن تُوقع الاقتصادات الضعيفة بسرعة في مصيدة الديون.

لذا، تعتقد المؤسسة أنَّه في حين أن روسيا نفسها قد تكون مقيدة بمحدودية الموارد التي يمكن أن تبذلها، فإنَّ المخاوف بشأن الممارسات الغربية والصينية ربما تكون أفضل ميزات روسيا في المنافسة على النفوذ في أفريقيا.

«فورين أفيرز»: لماذا سيفشل ترامب في السيطرة على أفريقيا اقتصاديًّا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد