نشرت وكالة «بلومبرج» الأمريكية تقريرًا تناولت فيه الموقف الروسي من اتفاق وزراء منظمة «أوبك» على تخفيض إضافي لإنتاج النفط ليصل الإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يوميًّا، وعدم انصياع الجانب الروسي لرغبات المملكة العربية السعودية في هذا الشأن.

وفي بداية تقريرهم، ذكر المراسلون أنه في تمام الساعة 10:16 من صباح يوم جمعةٍ مطيرٍ وكئيبٍ، وصل وزير الطاقة الروسي إلى مقر منظمة «أوبك» الواقع في وسط العاصمة النمساوية فيينا، وفي ذهنه أن رئيسه (بوتين) مستعد لقَلْب سوق النفط العالمي رأسًا على عقب.

وأفصح ألكساندر نوفاك لنظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان عن رفض روسيا لإجراء تخفيضات إضافية في إنتاج النفط. إذ قرر الكرملين أن دعم الأسعار في ظل تدهور الطلب على الطاقة بسبب فيروس كورونا، سيكون بمثابة هدية لصناعة النفط الصخري الأمريكية.

ونجحت الشركات العاملة في مجال التصديع المائي (استخراج البترول والغاز باستخدام سائل مضغوط يحدث كسورًا في الطبقات الصخرية) في إضافة ملايين البراميل من النفط إلى الأسواق العالمية، بينما أوقفت الشركات الروسية الآبار عن العمل. والآن حان الوقت للضغط على الأمريكيين، بحسب التقرير.

استراتيجية روسيا تصدم الجميع

وذكر تقرير «بلومبرج» أنه بعد خمس ساعات من مفاوضات هادئة، ولكنها غير مثمرة، حددت فيها روسيا استراتيجيتها بوضوح، انهارت المحادثات. وانخفضت أسعار النفط بنسبة تزيد على 10%. ولم يكتشف التجار وحدهم الخطأ الذي ترتَّب على ذلك، بل أصيب الوزراء بصدمة شديدة، ولم يعرف أيُّ منهم ماذا يقول، وذلك حسبما أفاد به شخص كان حاضرًا معهم في القاعة. وفجأة، خيَّمت أجواء اليقظة على المجتمعين، وفقًا لما ذكره شخص آخر.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
«نيويورك تايمز»: كيف يؤثر فيروس كورونا على صناعة النفط الأمريكية؟

وعلى مدار ما يربو على ثلاث سنوات، أبقى الرئيس فلاديمير بوتين روسيا داخل تحالف «أوبك بلس»، متحالفًا مع المملكة العربية السعودية وأعضاء آخرين في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، للحد من إنتاج النفط ودعم الأسعار.

وعلاوةً على إنعاش الخزينة الروسية – إذ تمثل صادرات الطاقة أكبر مصدر لإيرادات الدولة – حقق التحالف مكاسب على صعيد السياسة الخارجية، وأدى إلى تكوين علاقات مع القائد الجديد للسعودية؛ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

واستدرك المراسلون قائلين: «لكن صفقة «أوبك بلس» ساعدت أيضًا صناعة النفط الصخري الأمريكي، واحتد غضب روسيا حيال رغبة إدارة ترامب في استخدام الطاقة أداةً سياسية واقتصادية. وكانت روسيا منزعجة على نحوٍ خاص من استخدام الولايات المتحدة للعقوبات للوقوف في وجه استكمال خط أنابيب يربط حقول الغاز في سيبيريا بألمانيا، والمعروف باسم «نورد ستريم 2». كما استهدف البيت الأبيض أعمال شركة «روسنفت» الروسية المنتجة للنفط في فنزويلا (أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرًا عن عقوبات جديدة ضد فنزويلا، مما أدى إلى هبوط أسهم شركة «روسنفت» الروسية).

وقال ألكسندر دينكين، رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو، وهو مركز أبحاث تديره الدولة: «قرر الكرملين التضحية بتحالف «أوبك بلس» لإيقاف منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة عند حدهم ومعاقبة الولايات المتحدة لعبثها مع نورد ستريم 2». وأضاف: «بالطبع، قد يكون إزعاج المملكة العربية السعودية أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لكن هذه هي استراتيجية روسيا في الوقت الراهن – الهندسة المرنة للمصالح».

Embed from Getty Images

«لا».. لأول مرة

ولفت التقرير إلى أن: «صفقة «أوبك بلس» لم تحظَ بتأييد على الإطلاق بين الكثيرين من العاملين في صناعة النفط الروسية، والذين استاءوا من اضطرارهم إلى الإحجام عن الاستثمارات في مشروعات جديدة ومربحة. وعلى وجه الخصوص، وقف إيجور سيتشين، رئيس شركة «روسنفت» القوي وحليف بوتين منذ زمن طويل، في وجه هذه القيود، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم أثناء مناقشة المحادثات الخاصة.

كما شعر الكرملين بخيبة أمل؛ لأن التحالف مع الرياض لم يسفر عن استثمارات سعودية كبيرة في روسيا. وطوال أشهر عديدة، ظل نوفاك وفريقه يخبرون المسؤولين السعوديين بأنهم يرغبون في الاستمرار في تحالف «أوبك بلس» لكنهم كانوا مترددين في إجراء تخفيضات إضافية في الإنتاج، حسبما أورده أشخاص مطلعون على العلاقة بين البلدين. وفي اجتماع «أوبك» الأخير في ديسمبر (كانون الأول)، تفاوضت روسيا على التوصُّل إلى موقف يتيح لها الحفاظ على استقرار الإنتاج إلى حد ما، بينما تتحمَّل المملكة العربية السعودية تخفيضات كبيرة».

سعر منخفض جدًّا

سعر النفط للبرميل الواحد اللازم لكل دولة كي تحقق ميزانية متوازنة. المصدر: بلومبرج، نقلًا عن «جيه بي مورجان». (ملحوظة: لا توجد بيانات خاصة بالدول الأعضاء في «أوبك»، غينيا الاستوائية وليبيا وفنزويلا، والدول الأعضاء في تحالف «أوبك بلس»، بروني، وماليزيا، والمكسيك، وجنوب السودان، والسودان.)

وأفاد التقرير بأنه: «عندما بدأ فيروس كورونا في تدمير النشاط الاقتصادي الصيني في أوائل شهر فبراير (شباط) – مما قلل من الطلب على النفط في أكبر دولة مستوردة للنفط من المملكة العربية السعودية بنسبة 20% – حاول الأمير عبد العزيز إقناع نوفاك بضرورة الدعوة لاجتماع مبكر لتحالف «أوبك بلس» استجابةً لذلك، وتخفيض المعروض. قال نوفاك: «لا». وتحدث الملك السعودي وبوتين هاتفيًّا – ولم يساعد ذلك في تغيير الموقف الروسي.

ومع انتشار الفيروس، وتوقع المحللين أن هذا العام سيكون الأسوأ بالنسبة للطلب على النفط منذ الأزمة المالية العالمية، يأمل المعسكر السعودي أن يستطيع إقناع موسكو في اجتماع منظمة أوبك المقبل المقرر عقده في أوائل مارس (آذار) بتخفيض الإنتاج.

ولم يستبعد الروس إجراء تخفيضات إضافية، لكنهم استمروا في التمسك بفكرة أن منتجي النفط الصخري يجب أن يشاركوا في الخسارة. والتقى بوتين، الذي كان صاحب الكلمة العليا في السياسة الروسية الخاص بـ«أوبك بلس» منذ بدء التحالف في عام 2016، بمنتجي النفط الروس والوزراء الرئيسيين يوم الأحد الماضي.

توافق غائب بين الوزير السعودي والروسي

وأوضح المراسلون أنه: عندما اجتمع الوزراء في فيينا هذا الأسبوع، بذلت المملكة العربية السعودية جهدًا أخيرًا لإرغام روسيا على تخفيض الإنتاج. واستطاعت السعودية إقناع مجموعة «أوبك» الأساسية بدعم تخفيض الإنتاج على نحو كبير بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًّا، لكنها اشترطت انضمام روسيا ودول «أوبك» الأخرى إليهم للمضي قدمًا في ذلك. وأخيرًا وبعد طول انتظار قدِم نوفاك إلى مقر فيينا، حيث كان نظراؤه القَلِقون في انتظاره، ورفض أن يتزحزح عن موقفه.

وفكر ولي العهد في عقد اجتماع مع بوتين يوم الجمعة، بحسب شخص مطلع على الأوضاع. لكن المتحدث باسم بوتين أوضح للصحافيين أن المشاركة في ذلك الاجتماع ليست ضمن جدول أعمال بوتين. وبالنسبة لوزيري النفط في البلدين، فلم يكن هناك توافق شخصي بينهما، وفقًا لما لاحظه شخص كان حاضرًا معهم في قاعة المؤتمرات. وقال إنهم حتى لم يتبادلا ابتسامةً واحدةً.

ومع كل تسريب يظهر بشأن الاجتماع، يتأثر سعر النفط بقوة؛ إذ أصبح التجار يدركون تدريجيًّا أن الصفقة ستكون مستحيلة.

الإنفاق بهدف تنشيط الاقتصاد

وألمح المراسلون إلى أن السرور يغمر شركة «روسنفت» بعد هذا الانفصال. وقال المتحدث باسم الشركة، ميخائيل ليونتييف، إن الشركة بإمكانها الآن السعي لتعزيز حصتها في السوق. وصرح لبلومبرج قائلًا: «إذا كنت تستسلم دائمًا لشركائك، فلن تكونوا شركاء بذلك». وأضاف: «إن هذا يُسمى شيئًا آخر، دعونا نرى كيف سيكون حال مستكشفي النفط الصخري الأمريكي في ظل هذه الظروف».

لكن قرار منافسة صناعة النفط الصخري يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. وفي حين يتعرض العديد من شركات الحفر في تكساس ومناطق النفط الصخري الأخرى للخطر، لأنهم مثقلون بالديون ومتضررون بالفعل من جرَّاء انخفاض أسعار الغاز الطبيعي التي وصلت إلى الحضيض، فإن الانخفاض الكبير في إنتاج الولايات المتحدة قد يستغرق بعض الوقت.

وتتحكم الآن أكبر شركات النفط الأمريكية، شركة إكسون موبيل (Exxon Mobil Corp) وشركة شيفرون (Chevron Corp) في العديد من آبار النفط الصخري، ولديها ميزانيات عامة من شأنها تحمُّل انخفاض الأسعار. وقد تتوقف بعض شركات الحفر الأصغر حجمًا عن العمل، لكن الكثير منها قد يكوِّن تحوطات مالية لمواجهة انخفاض الخام.

وأضاف التقرير أنه على المدى القصير، تتمتع روسيا بوضع جيد لتحمل انخفاض أسعار النفط. وتصل الميزانية إلى نقطة التعادل (لا مكسب ولا خسارة) عندما يصل السعر إلى 42 دولارًا للبرميل، وقد احتفظت وزارة المالية بمليارات الدولارات في صندوق الطوارئ (Rainy day fund). ومع ذلك، فإن تأثير فيروس كورونا في الاقتصاد العالمي لا يزال غير واضح، وفي ظل وجود ملايين أخرى من براميل النفط التي على وَشْك إغراق السوق، يحذر محللو وول ستريت من أن النفط قد يصل إلى أدنى مستوياته، ليبلغ سعره 26 دولارًا للبرميل.

استراحة قصيرة أم نهاية التحالف؟

ميزانية روسيا أكثر استعدادًا لانخفاض أسعار النفط مقارنةً بما كانت عليه قبل ست سنوات. الأحمر: أسعار النفط الفعلية – الأسود: أسعار النفط عند نقطة التعادل. المصدر: بلومبرج، نقلًا عن بنك نورديا.

وشدد المراسلون على أنه في المملكة العربية السعودية، حيث تعتمد الحكومة اعتمادًا كليًّا تقريبًا على النفط لتمويل الإنفاق الحكومي، سيكون التأثير الاقتصادي فوريًّا. وسيكون لدى الأمير عبد العزيز وأخيه ولي العهد محمد، كل الدوافع والمحفزات لزيادة الإنتاج لتحقيق مزيد من الإيرادات في ظل انخفاض الأسعار.

وقال بوب ماكنالي، رئيس شركة «رابيدان إنرجي» وموظف سابق في مجلس الأمن القومي: «ستستمر الأسعار في الانخفاض إلى أن تنتهي موسكو أو الرياض من مسابقة العض على الأصابع، أو يتقلص الإنتاج في أمريكا الشمالية على نحو كبير».

وما تزال العلاقات بين وزارتي الطاقة ودية، وما تزال الآليات الدبلوماسية لمجموعة «أوبك بلس» قائمة، مما يبقي الباب مفتوحًا في حال قرر الجانبان الاتحاد مرة أخرى. وأخبر نوفاك نظراءه يوم الجمعة بأن تحالف «أوبك بلس» لم ينته بعد.

واختتم التقرير بالقول: «لكن صورة قاعة المؤتمرات بعد أن غادر المندوبون، ألمحت إلى قصة مختلفة: إذ أُطيح العَلَم الروسي الصغير المثبت على مقعد نوفاك. وحسبما أكد أحد الحضور، حذّر الأمير عبد العزيز نظرائه بلهجة شديدة قائلًا: ثقوا بي، أخبرهم بذلك، سيكون هذا يومًا مؤسفًا لنا جميعًا (إذا انتهى تحالف «أوبك بلس»)».

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
«ن. تايمز»: زيادة كبيرة في النفط لا يحتاجها العالم.. من سينجو من المنتجين الكبار؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد