تزامنًا مع الحراك الشعبي الجزائري، تحاول روسيا بالتعاون مع جنرالات الجيش، التحكم في اتجاه الاحتجاجات الشعبية الواسعة، وتهدئة الأوضاع في البلاد. الكاتب الفرنسي «جان بيير فيليو» نشر تقريرًا في صحيفة «لوموند» تناول فيه علاقة روسيا بالجيش الجزائري، ومعارضتها الحراك الشعبي، وتطلعها لوجود دائم في غرب البحر المتوسط. 

الكاتب استهل تقريره بالإشارة إلى أن روسيا اختارت بالفعل المعسكر الذي تقف بجانبه في الأزمة الجزائرية، وتعمل على التضييق على موجة الاحتجاجات الشعبية، التي بدأت مُنذ 22 فبراير (شباط) الماضي، بمساعدة من الجنرالات في السلطة. 

كما دعم الكرملين بقوة الجنرال «أحمد قايد صالح»، الذي يوصف بأنه «الرجل الأقوى» في البلاد، ورئيس أركان الجيش، الذي تلقى تدريبه في أكاديمية فيستريل بضواحي موسكو، أثناء فترة الاتحاد السوفيتي.

ويأتي هذا الدعم جزءًا من الاستثمارات الروسية طويلة الأجل، ومن خلالها أصبحت روسيا أكبر مورد للأسلحة في الجزائر مُنذ فترات طويلة. ويهدف هذا الدعم أيضًا إلى تنفيذ استراتيجية وجود دائم للقوات الروسية على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، كما حظيت دولة ليبيا مسبقًا بدعم موسكو لأمير الحرب «خليفة حفتر».

علاقات روسية قوية جدًّا مع الجيش الجزائري

ولفت الكاتب إلى العلاقات الروسية الجزائرية القوية منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الكرملين؛ لإبرام «شراكة استراتيجية» بين البلدين، في أبريل (نيسان) عام 2001. ثم في مارس (آذار) 2006، دُعي بوتين لزيارة الجزائر، ترتب على إثرها إلغاء الدين العسكري الجزائري البالغ 4.7 مليار دولار، مقابل شراء أسلحة روسية جديدة بقيمة 7.5 مليار دولار.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى أن الجزائر تعد حاليًا أكبر عميل عربي في سوق الأسلحة الروسية. فضلًا عن أن روسيا كانت تلبي أكثر من نصف احتياجات الجيش الجزائري من الأسلحة خلال ولايات حكم بوتفليقة. 

وفي الحقيقة، فقد تزايدت قوة روسيا الاقتصادية بفضل ضخ أموال من الميزانية العسكرية الجزائرية في الاقتصاد الروسي، خلال هذه الفترة بصورة واضحة، تليها أموال الميزانية العسكرية المصرية التي اتجهت إلى إعادة تكديس السلاح الروسي في مخازنها.

جنرالات الجزائر والأكاديميات السوفيتية

التقرير أشار إلى اعتماد روسيا على الجنرالات الذين تدربوا في الأكاديميات السوفيتية، وعلى رأسهم الجنرال «قايد صالح»، رئيس أركان الجيش منذ عام 2004، وأيضًا زميله الجنرال «بن علي بن علي»، قائد الحرس الرئاسي منذ عام 2015. ولا تكاد تخلو زيارات الجنرال «قايد» المعتادة لموسكو من تأكيد «الثقافة العسكرية المشتركة» بين القوات المسلحة في كلا البلدين.

وتأتي العلاقات الوثيقة بين المؤسستين العسكريتين في إطار امتلاك الجزائر أسلحة متطورة، مثل دبابات T90، وأنظمة الدفاع الجوي الروسية S300، علاوة على برامج تدريب الأفراد الجزائريين، التي من شأنها تعزيز العلاقات الوثيقة بالفعل. 

كما تهتم العلاقات الروسية الجزائرية بتطوير مجالات الهيدروكربونات والأغذية الزراعية، والتركيز على التعاون العسكري بقوة. 

معارضة روسيا للاحتجاجات الشعبية

يؤكد الكاتب الفرنسي أن روسيا تمتلك علاقات واسعة، تمكنها من الوصول بسهولة إلى «صناع القرارات» في الجزائر، وكذلك الجنرالات أصحاب السلطة في البلاد. ولذلك فهي تدعم مواقف الجنرالات بقوة؛ فبوتين نفسه لم يؤمن أبدًا بالحراك الشعبي في مختلف «الثورات الملونة»، مفضلًا التلاعب البسيط بالقوى الخارجية في مثل هذه الاحتجاجات السلمية. 

وفي الأيام المقبلة، سيظهر للعيان تصديق هذه التنبؤات أو تكذيبها، بشأن تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في الجزائر منذ 22 فبراير 2019، وأدت إلى استقالة الرئيس بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) الماضي، أو تراجعها.

ويُذكر أن الإعلام الروسي لا يولي اهتمامًا كبيرًا بتغطية التظاهرات الجماهيرية التي تمتد عبر المدن الجزائرية، غير أنه يدعم بقوة دعوات رئيس الأركان الجنرال «قايد صالح»، لإعادة الاستقرار إلى البلاد، وكذلك إدانته تدخل «الأيادي الأجنبية» التي من شأنها جلب النزاع والانقسامات.

ويدعو جنرالات الجزائر الآن إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة حلًّا للأزمة الحالية، متجاهلين بذلك المطالب الشعبية بانتقال ديمقراطي للسلطة.

وفي 26 أغسطس (آب) الماضي، شدد الجنرال «قايد صالح» خلال كلمته في وهران على ضرورة تركيز الجهود لتنظيم الانتخابات الرئاسية، تجنبًا لما أسماه بالمراحل الانتقالية «وخيمة العواقب». 

وبعد يومين من هذا التصريح زار السفير الروسي في الجزائر زعيم جبهة التحرير الوطني. ووفقًا لجبهة التحرير الوطني، أكد السفير الروسي أن «الحل» المناسب للأزمة الجزائرية «يكمن في تنظيم الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن»، مشيدًا «بالدور التاريخي» للجيش في هذه الأزمة.

ويشير الكاتب إلى تعرض هذا التدخل السافر في شئون البلاد لانتقادات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من أن جبهة التحرير الوطني تواجه أزمة شرعية غير مسبوقة، وسط تزايد للقيود التي فرضتها الشرطة على حرية التظاهر مُنذ فبراير الماضي. 

ويرى الكاتب أن السفير الروسي عبر بصوت عالٍ عما تفكر فيه بلاده منذ فترة طويلة، عبر طريقة أن «التدخل» الوحيد المستهجن هو تدخل الديمقراطيات الغربية، في حين أن روسيا لديها الشرعية الكاملة لدعم الأنظمة القائمة، كالأسد في سوريا، أو الجنرالات في الجزائر. 

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن دعم موسكو «لصناع القرارات» في الجزائر، يتزامن مع دعمها «للجيش الوطني الليبي»، أو كما يسمى ميليشيات حفتر، والذي بدأ هجومه على طرابلس بعد يومين من استقالة بوتفليقة. 

وترجع تدخلات موسكو إلى أن الكرملين يرى أن الشعب الجزائري ليس له الحق مطلقًا في عرقلة التطلعات الروسية في شمال أفريقيا.

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد