نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا لـ جيف هون، مرشح لنيل درجة الدكتوراة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية قسم التاريخ الدولي ويركز بحثه على الأزمة الدستورية الروسية عام 1993 والنظام الدولي بعد الحرب الباردة، تناول فيه آفاق تغيير المشهد السياسي في روسيا في ظل الاحتجاجات الحالية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي أثارها اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني، وخلُص الباحث إلى عدم توافر العوامل التي قد تعمل لصالح المعارضة في ظل عدم وجود أي مؤشرات تشير إلى حدوث انشقاق في أجهزة الأمن الروسية، ناهيك عن الجيش.

وصدَّر الكاتب تحليله بالإشارة إلى خروج عشرات الآلاف من المحتجين في جميع أنحاء روسيا في 23 يناير (كانون الثاني) للتظاهر دعمًا لإطلاق سراح نافالني، الذي عاد إلى روسيا في 17 يناير بعد خمسة أشهر من محاولة تسميمه بغاز الأعصاب السَّام «نوفيتشوك»، وهو سلاح كيميائي عسكري، لافتًا إلى أن السلطات الروسية ألقت القبض على نافالني فور وصوله إلى مطار شيريميتييفو ويقبع حاليًا وراء القضبان في سجن بالعاصمة الروسية موسكو، ويواجه عقوبة طويلة بتهم جنائية واهية للغاية، بحسب الكاتب.

وعلى الرغم من ذلك، لم يرفع نافالني الراية البيضاء؛ فبعد مدة وجيزة من اعتقاله، أصدرت مؤسسة مكافحة الفساد التابعة للمعارض الروسي مقطع فيديو يُظهِر ما يزعم أنه قصرٌ مَنِيفٌ للرئيس الروسي بوتين على ساحل البحر الأسود. وقبل ذلك مباشرةً، أصدرت مؤسسة مكافحة الفساد قائمة تضم أبرز ثمانية مواطنين روس يتعين على الغرب معاقبتهم إذا ما أراد الغرب أن يكافح جَشَع دائرة بوتين. وقد كان فساد بوتين المستشري والصارخ وغيره من النخب الروسية، والانحراف المستمر للعدالة، والركود في مستويات المعيشة، سببًا في سخط قطاعات عريضة من الجمهور الروسي، وهذا ما يفسر المشاركة الضخمة في المظاهرات التي عمَّت جميع أرجاء روسيا.

ثورة غير محتملة

واستبعد الكاتب أن تُشعل تلك الأحداث شرارة ثورة أو أن تُنهي الحقبة البوتينية في أي وقت قريب. ورغم الشجاعة التي تتحلَّى بها ممارسات نافالني وكفايتها لتقليص شعبية بوتين وحزب روسيا الموحدة الحاكم، إلا أن الفرصة تكاد تكون معدومة للإطاحة بالنظام الحالي على الفور. والسبب في ذلك يتمثل في أن نافالني، رغم شعبيته بين عدد كبير من الروس وقدرته على حشد احتجاجات كبيرة، لا يحظى بدعم كبير، إن كان هناك ثمَّة دعم من الأساس، بين النخب السياسية والاقتصادية على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الوطني. والحقيقة أن كثيرًا من هذه النُّخَب تتكون من الأشخاص أنفسهم الذين كانوا الهدف الرئيس لحملة نافالني ضد الفساد.

Embed from Getty Images

وإذا كان نافالني يريد السيطرة على البلاد من خلال ثورة في الشارع، فإنه يحتاج لحلفاء داخل دوائر النخبة، وهو الأمر الذي يوضحه التاريخ الروسي و«الثورات الملونة» الناجحة في جورجيا وأوكرانيا المجاورتين لبلاد الدب الروسي. ولنتأمل هنا أحدث مثالين من جيران روسيا: ثورة الميدان الأوروبي في أوكرانيا عام 2014 وثورة الزهور في جورجيا عام 2003. وفي كلتا الحالتين، كان الضعف الداخلي للأنظمة هي الحافز الذي أغرى المحتجين رغم الدور الكبير الذي لعبته الاحتجاجات في الضغط من أجل تغيير النظام.

وأوضح الكاتب أن ثورة جورجيا كانت تتويجًا لتآكل نَخَر لسنوات في عظام قبضة الرئيس الجورجي آنذاك إدوارد شيفرنادزه على السلطة، إذ انشق عديدٌ من الأعضاء الرئيسِين في حزب اتحاد مواطني جورجيا الذي كان يتزعمه شيفرنادزه وانضموا إلى المعارضة، ومن أبرزهم ميخائيل ساكاشفيلي، وزير العدل في حكومة شيفرنادزه الذي قاد اقتحام المتظاهرين للبرلمان الجورجي. كذلك شهدت أوكرانيا ديناميكية مماثلة، حيث تهاوت قبضة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش على السلطة، والتي كانت ضعيفة بالفعل بسبب الانقسامات السياسية بين النخبة الأوكرانية، تحت وقع الضغط الشعبي.

ولم يكن لدى شيفرنادزه ولا يانوكوفيتش احتياطي كافٍ من قوات الأمن لاستدعائه؛ فقد انتهى الأمر بمجرد سقوط أو فرار كتائب الأمن الداخلي التي تشكَّلت خصيصًا لمكافحة المظاهرات. وكان الجيشان في كلا البلدين يعانيان في ذلك الوقت خللًا وظيفيًّا في شؤون التجنيد الذي خلَّفته عقودٌ من الفساد، ولم يكن للجنرالات والجنود الميدانيين على حدٍ سواء مصلحة في الانخراط في السياسة، وصدقت حساباتهم؛ إذ تبين أن التحوُّل في السلطة لن يكون له تأثير كبير فيهم.

اختلاف الحالة الروسية

ولفت الكاتب إلى أن روسيا ونظام بوتين ليسا وجهين لعملة واحدة تمامًا؛ وآية ذلك أن المصطلح الروسي للسلطة السياسية هو (ڤلاست) بمعنى القوة، ويشير إلى السُلطات بقدر ما يشير إلى القوة ذاتها. وقد تمكَّن بوتين من الإمساك بزمام تلك السلطة من خلال السيطرة على أجهزة الدولة الروسية، لا سيما ما يسمى بـ«وزارات القوة الصلبة»: الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية. ويأتي تأكيد السيطرة على هذه الوزارات فضلًا عن البيروقراطية الأوسع نطاقًا والنظام السياسي باستخدام سياسة العصا والجزرة، التي دأب الحكام الروس على ممارستها منذ عهد القيصر لضمان الامتثال والولاء.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: هذه أحدث محاولات المعارضة في بيلاروسيا لإسقاط لوكاشينكو

وفي روسيا بوتين، كان بوِسْع المؤيدين لحكم الأقلية (الأوليغاركية) الذين اعترفوا بتفوق بوتين البقاء في كنف السلطة والربح، أما أولئك الذين واصلوا تحدي بوتين، مثل ميخائيل خودوركوفسكي، فقد وجدوا أنفسهم مطاردين من عملاء البيروقراطية. ويحدث هذا الإثراء الذاتي الذي تُقِرُّه الدولة وإساءة استخدام السلطة على مستويات الحكم كافة؛ الأمر الذي يحرِّض على الفساد ذاته الذي يزعم نافالني أنه يحاربه.

وأكد الكاتب أن روسيا شهدت كثيرًا من الثورات، لكن كل منها جاء جزئيًّا نتيجة لضعف قبضة النظام على مؤسسات السلطة. وكانت ثورة 1905 التي أثارتها الهزيمة الفادحة لروسيا في الحرب الروسية اليابانية تتألف من سلسلة من الاحتجاجات الجماهيرية والإضرابات العمالية والتمرد المسلح والتي جرى قمعها جميعًا بوحشية، لكنها خلقت ضغطًا كافيًا لإقناع القيصر نيكولاس الثاني بتنفيذ الإصلاحات، بما في ذلك وَضْع دستور جديد وإنشاء برلمان. وبطبيعة الحال، لم تدم تلك المكاسب طويلًا؛ إذ أعاد القيصر تأكيد سيطرته الكاملة في الثورة المضادة عام 1907، تاركًا البرلمان الجديد في صورة تابع غير ذي جدوى لا يتمتع بأي سلطة فاعلة إن وجدت.

ونوَّه الكاتب إلى أن الولاء المستمر لوزارات القوة الصلبة: الشرطة السرية والدفاع واحتياطي أمنه الشخصي في شكل القوزاق (الخيَّالة) هو الذي أنقذ نيكولاس الثاني في عام 1905. لكن هذه القوى نفسها لم تستطع إنقاذ القيصر في عام 1917، عندما أسقط الثوار البلاشفة الإمبراطورية الروسية والقيصر معها. وتمثَّل الاختلاف الجوهري في أن ثلاث سنوات من الحرب قضَت ليس على الاقتصاد فحسب ولكن على الجيش كذلك، الأمر الذي أدَّى إلى تمردات واسعة النطاق. وجاءت نهاية القيصر بعد ما يقرب من 100 عام من المحاولات الفاشلة، بدءًا بثورة الديسمبريين عام 1825 ومرورًا باغتيال الإسكندر الثاني عام 1881 وتمرد بوتيمكين عام 1905، وانتهاءً بثورة عام 1917 التي أتت على هيكل السلطة بأكمله.

توقيتات وتكتيكات مختلفة

وشدد الكاتب على أن التغيير الأخير في النظام الروسي من الاتحاد السوفيتي إلى الدولة الروسية الحديثة تطلَّب مرةً أخرى تضافر عوامل عدة عملت لصالح المعارضة، فقد لعِب الزعيم الأساسي للمعارضة الروسية آنذلك، بوريس يلتسين، مثل نافالني، بورقة الشعبوية على نحو جيد، وتعالت شكواه من القصور والفساد وعدم الكفاءة.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، كانت توقيتات يلتسين وتكتيكاته مختلفة تمامًا عن توقيتات نافالني وتكتيكاته. ولطالما كان نافالني غريبًا على المشهد السياسي، الأمر الذي يمنحه مصداقيته. وفي المقابل، كان يلتسين من داخل الطيف السياسي مثل ساكاشفيلي، الذي انشق أيضًا مثل نظيره الجورجي لينضم إلى المعارضة. واستهل يلتسين حياته المهنية رئيسًا لعمال بناء في سفيردلوفسك (يكاترينبرج حاليًا)، حيث كان أحد أكثر إنجازاته تقديرًا هو الإشراف على هدم المنزل الذي ذُبح فيه نيكولاس الثاني وعائلته. ووظَّف يلتسين براعته السياسية لتسلق مراتب الحزب حتى أصبح عضوًا في المكتب السياسي، أعلى هيئة سياسية في الاتحاد السوفيتي، والذي جاء به ميخائيل جورباتشوف، وهو إصلاحي آخر.

وتابع الكاتب: اختلف يلتسين وجورباتشوف، وطرد جورباتشوف يلتسين من المكتب السياسي قبل أن يتمكن من الاستقالة. ومع ذلك، وبعد عامين فقط، أجرى جورباتشوف انتخابات حرة ونزيهة في عام 1989، وانتُخِب يلتسين لعضوية مجلس الدوما الروسي، حيث تمكن بعد جهد جهيد من بناء تحالف دعم بين القوميين والديمقراطيين والذي تمكَّن من الهيمنة على الهيئة صعبة المراس، ثم انتُخِب يلتسين بعد عام واحد رئيسًا لمجلس السوفيات الأعلى في عام 1990، وما لبث أن استخدم يلتسين منصبه لتقويض جورباتشوف تدريجيًّا، الذي كان يحاول من خلال سلسلة من الإصلاحات، إنقاذ الاتحاد السوفيتي.

وفي نهاية المطاف، نصَّب يلتسين نفسه رئيسًا للجمهورية الروسية داخل الاتحاد السوفياتي، الأول بين نظرائه من الرؤساء الآخرين على مستوى الجمهورية. وعندما حدث انقلاب أغسطس (آب) عام 1991، أصبح يلتسين أحد الوجوه الرئيسة للمقاومة. وبدا أن قادة الانقلاب، لجنة الدولة لحالة الطوارئ، يسيطرون على جهاز الدولة، ولكن لم تكن لديهم إرادة لاستخدامها لسحق معارضي الانقلاب. وكانت القوات في موسكو، ولكن لم تصدر لهم أي أوامِر: لم تصدر أي أوامر بتفريق المتظاهرين أو إقتحام المكاتب الحكومية وإلقاء القبض على يلتسين. (نجا من الاعتقال بالصدفة في وقت مبكر من الانقلاب). ولم يُرِد قادة الانقلاب أن يحدث حمَّام دم واستسلموا في نهاية المطاف. وبعد عامين، استخدم يلتسين عديدًا من الوحدات نفسها لسحق التمرد ضد سلطته.

دولي

منذ شهر
«ستراتفور»: ما دور روسيا في تأجيج التطرف اليميني في الغرب؟

ووفقًا لكاتب المقال، عند النظر في الظروف التي سهَّلت تغييرات النظام السابقة في روسيا والدول المجاورة لها وموازنتها بالوضع الحالي، لا يبشر هذا الوضع الحالي بالخير بالنسبة لفرص نافالني. لقد ترأس بوتين نظامًا فاسدًا ووحشيًّا، ولكن هذا سمح له أيضًا بتوطيد السيطرة الكاملة على أجهزة الدولة الروسية. ويعيش بوتين وضعًا أكثر أمنًا مما كان عليه الحال وقت يلتسين: حزبه السياسي يسيطر على الحكومة على جميع الأصعدة، والفساد المتوطن في روسيا يعني أن المؤسسات الخاصة الكبيرة منها والصغيرة لا تزال مرهونة بـ«رضا» آلة بوتين السياسية، الأمر الذي يدفع أرباب العمل إلى الضغط على موظفيهم من أجل البقاء بعيدًا عن غمار السياسة.

ورغم أن روسيا قد تمر بمرحلة انتقالية دستورية للتحضير للوقت الذي سيتخلى فيه بوتين عن السلطة، فإنها تشكل مرحلة انتقالية تضمن استمرار أولئك الذين يعيشون بالفعل في كنف دائرة بوتين للحفاظ على مواقعهم ورعاية مصالحهم.

ليس هناك ثورة ملونة وشيكة

ويرى الكاتب أن احتجاجات نافالني لن تذهب سدى بالكلية، ذلك أن تصرفاته من شأنها أن تقوِّض نظامًا لا يحظى بالفعل بالشعبية ويتجه إلى الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول)، وسوف تُسْهِم تلك الممارسات كذلك في حشد جيل جديد من الشباب الروس الذين لم يعرفوا سوى بوتين ويتخيلون الآن عالمًا بدونه. وربما تنمو تدريجيًّا معارضة جديدة من هذه البذور، ولكن هذا الأمر سيستغرق سنوات، وليس هناك ثورة ملونة وشيكة.

Embed from Getty Images

إن النظام الروسي الحالي يتسم بالمرونة المفرطة، وتحميه طبقات من قوات الأمن والمصالح المُتصالِحة. وسيخرج المتظاهرون بأعداد كبيرة لأيام، وربما لأسابيع، لكن الشرطة ستُرهبهم وتتعامل بوحشية معهم. وفي حال عجزت الشرطة على نحو ما عن التعامل مع الحشود، فسوف يُستدعى الحرس الوطني، الذي سيستجيب مباشرةً لبوتين. وإذا احتاج الحرس الوطني إلى الدعم، وهو احتمال غير مرجح، فلا يزال من الممكن استدعاء الجيش.

وخلافًا لنظيرَيْه الأوكراني والجورجي، يتمتع الجيش الروسي المحترف للغاية بتاريخ طويل من سحق التمرد، وفي جميع الاحتمالات سوف يطيع على الأرجح أي أوامر تصدر له. وما لم تبدأ شخصيات كبيرة داخل النظام الحالي في تبني قضية نافالني، فإن فرصة إثارة الاحتجاجات وحدها لتغيير الحكومة تُعد مسألة مشكوكًا فيها.

ويختم الكاتب مقاله مرجحًا أنه قد يأتي اليوم الذي تتهيأ فيه الظروف لتغيير النظام في روسيا، ولكن ليس ثمة مؤشرات بعد على أن الوقت قد حان لهذا التغيير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد