كتب ستيفن بادوانو، وهو زميل بمعهد تطوير خدمات النهوض بالموظفين في كلية لندن للاقتصاد، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، وتحدث فيه عن: «نية روسيا توسيع نطاق وجودها في جميع أنحاء أفريقيا، لكن هذه الرغبة ليست مشتركة بين الأطراف جميعها».

في البداية، صوَّر الكاتب أجواء منتدى أفريقيا– روسيا الاقتصادي، الذي أقيم في مدينة سوتشي برئاسة بوتين وحضور عدد من قادة دول أفريقيا، فقال: «سيارة مدرعة صحراوية وطائرة هليكوبتر مقاتلة ذات ألوان مموهة، وطائرة مقاتلة ذات ألوان زرقاء كما السماء، قد اصطفت على مدخل الساحة. وكانت البنادق وقاذفات القنابل في استقبال الضيوف في الداخل. 

كانت هذه هي القمة الأولى بين روسيا وأفريقيا، والتي عُقدت الأسبوع الماضي في مدينة سوتشي في روسيا، وكان المضيف، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مصمم على عرض كل ما يمكن لبلاده أن تقدمه. وقال شخص من جنوب أفريقيا: «إنهم طيبون»، وأضاف وهو يداعب مجموعة من رشاشات الكلاشينكوف: «أنا أحبهم».

صراع جيوسياسي بين روسيا وأمريكا والصين في أفريقيا

وتابع الكاتب: «في الوقت الذي يحاول فيه بوتين مغازلة قادة أفريقيا والتجهيز لعودة كبيرة إلى القارة، تثار مخاوف من هذا التدافع الجديد نحو أفريقيا. ويبدو أنه إطار صُنع في موسكو وبكين وواشنطن؛ إذ أوضح المسؤولون بدرجات متفاوتة أن دخولهم إلى القارة جزء من صراع جيوسياسي أوسع بينهم».

وأكد الكاتب أن: «هناك العديد من المشكلات في هذا الإطار ليس أقلها أنه يصور الأفارقة على أنهم أطراف سياسية سلبية، وليسوا أطرافًا فاعلة لهم الحق في تمثيل بلادهم. ولكن أول قصور فعلي في هذا الإطار يتمثل في إشراك روسيا في أي مناقشة للقوى العظمى في العالم، كما لو كانت تنتمي إلى هذه القوى؛ الأمر الذي ردده العديد من المسؤولين والمنافذ الإخبارية حول العالم، وسيبدو أنه ليس من تخطيط بوتين. 

وصرَّح جرانت هاريس، الذي شغل منصب كبير مستشاري الرئيس باراك أوباما للشؤون الأفريقية، لمجلة فورين بوليسي قائلًا: «تحاول روسيا التأكيد على فكرة أنها لاعب رئيسي». وفي مدينة سوتشي، كان بوتين بلا شك قادرًا على القيام بذلك، لكن البيانات تحكي قصة مختلفة. فمنذ عام 2014، وبعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، فرضت العقوبات على بوتين البحث عن أسواق جديدة وشركاء جدد خارج الإطار التنظيمي للغرب، وبذلت روسيا جهودًا متضافرة للتوسع في أفريقيا. 

لكن الجهود الروسية لم يكن تأثيرها كبيرًا؛ إذ إن 3.7% فقط من البضائع الروسية ينتهي بها المطاف في أفريقيا وأكثر من 2.7% تذهب إلى شمال أفريقيا، ويذهب جزء ضئيل إلى معظم القارة. والعكس هو الأسوأ؛ إذ تمثل البضائع الأفريقية 1.1% فقط من الواردات الروسية. وكان من المفترض أن تغير قمة سوتشي كل هذا. ومع ذلك، ليس هناك ما يوحي بذلك التغيير؛ إذ إن الصفقات المُوقَّعة والتي بلغت قيمتها 12.5 مليار دولار كان معظمها مجرد مذكرات تفاهم قد لا تكلل بنجاح على أرض الواقع».

وأوضح الكاتب أن: «المشكلة بسيطة ولا يمكن تفاديها على ما يبدو: بخلاف الأسلحة، لا يمكن لروسيا أن تقدم الكثير لتصبح الممول الأساسي للقارة، إذ إن ما لديها قليل، وستأخذ أفريقيا القليل منه. وفي الوقت الحالي، من الصعب أن نرى كيف ستنجح خطة بوتين لإيجاد شركاء جدد وكسب المزيد من الأموال وإعادة تشغيل الاقتصاد الروسي. وبعد انتهاء المنتدى، سيعود كل شيء إلى ما كان عليه، هذا ما قاله مواطن محبط من مدينة سوتشي.

ومع ذلك، سقط بوتين بسبب نموذج قوته العظمى. «منذ عدة سنوات، يطمح بوتين إلى لعب دور أكبر في النظام الدولي»، حسبما صرَّح بذلك مايكل ماكفول، سفير الولايات المتحدة السابق في روسيا لفورين بوليسي. وفي سوتشي، لم يخجل الزعيم الروسي ومعاونوه من ذلك، وقد عبروا طوعًا عن أن العودة إلى أفريقيا كانت خطوة باعثة على الأمل في عودتهم إلى وضع القوة العظمى. وصرح أنطون موروزوف، عضو لجنة مجلس الدوما للشؤون الدولية، أمام  مسؤولين أفارقة في اليوم الثاني من القمة، قائلًا: «إن القوى العظمى التي تتنافس في هذه القارة ستحدد مستقبل أجندة العالم». 

«سخافة استراتيجية».. هل يسهل التلاعب بالأفارقة حقًّا؟

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن إذا عادت روسيا، فإن أخطاءها الفاضحة كثيرة. وقد اتضح أن معاملة الدول الأفريقية على أنها دول يسهل التلاعب بها قضية محل تساؤل، ليست فقط أخلاقيًّّا وفكريًّا فحسب، بل هي أيضًا أمر سخيف من الناحية الاستراتيجية. وعندما تنخرط روسيا، فإنها غالبًا ما تقلل من أهمية السياسة الأفريقية الداخلية وتغض الطرف عن التفضيلات السياسية، وترفض تطوير علاقات هادفة مع المجتمع المدني وعبر الطيف السياسي. وبدلاً من ذلك، أوضح جود ديفيرمونت من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن: «الروس يتدخلون في المعترك الانتخابي الحالي».

وبدأ الكاتب في ذكر أمثلة على تدخل روسيا في العديد من الدول الأفريقية، فقال:

في جنوب أفريقيا، اتضح خطأ روسيا تمامًا في المغازلة الغامضة، والتي من المحتمل أن تكون فاسدة للرئيس جاكوب زوما بتوقيع عقد لبناء منشأة نووية. ولم يمضِ وقت طويل حتى وقعت حكومة زوما في فضيحة فساد واسعة النطاق؛ مما أدى إلى إلغاء اتفاقية روسيا الثمينة على يد خليفته سيريل رامافوسا.

وفي السودان، ارتكبت روسيا أخطاءً مماثلة وأكثر وضوحًا. فقد قدم الروس خطة تضليل لإنقاذ عمر البشير، بينما كان يناضل من أجل إنقاذ ديكتاتوريته المخضَّبة بالدماء في الثورة الأخيرة، ولم يفعلوا شيئًا عندما أصبح البشير وراء القضبان.

وهناك أخطاء أخرى كانت أكثر إحراجًا. ففي عام 2018، استخدم أصدقاء يفغيني بريجوزين، الرجل الذي يُعتقد أنه العقل المدبر للتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2016، تكتيكات مماثلة لتعطيل السباق الانتخابي في مدغشقر. وتمثلت الفكرة في استخدام وسائل الإعلام للتأثير في الرأي العام. ومع ذلك، هُزِم المرشحون المدعومون من الكرملين، كما أن الادعاءات اللاحقة المتعلقة بالرشوة لمسؤولي مدغشقر لطخت صورة روسيا.

روسيا

لكن في ليبيا، كانت روسيا أقل حظًّا. فقد اكتُشِف في يوليو محاولة اثنين من المسؤولين الروس الذين فشلوا في مؤامرة مدغشقر التأثير في الانتخابات الليبية الأخيرة. ولم يكن ذلك سهلًا في بلد يفتقر بالكامل إلى الديمقراطية الانتخابية وسيادة القانون.

وفي غينيا، دعا السفير الروسي هناك إلى تعديل دستوري يسمح للرئيس كوندي بالبقاء في منصبه الذي ظل فيه لأكثر من دورتين رئاسيتين. فقد صرح أن: «الدساتير ليست عقيدة أو كتابًا مقدسًا أو قرآنًا. لكن الدساتير تتكيف مع الواقع».

وأكد الكاتب قائلًا: «على الرغم من نجاح بوتين في العديد من مساعيه الحازمة في أوروبا والشرق الأوسط – استقطاب الجماهير، ومساعدة السياسيين، وضم شرق أوكرانيا، وتحويل مجريات الحرب الأهلية السورية- فإن المناورة العدوانية في أفريقيا كلفته الكثير». وقال ديفرمونت «عندما تعاملت روسيا بعنجهية، نأى الأفارقة بأنفسهم عنها». إن ما يغيب عن روسيا في مسألة دخولها إلى أفريقيا، وما يشجع إطار القوة العظمى الآخرين على نسيانه، هو أن للدول الأفريقية بطبيعة الحال تفضيلاتها السياسية الخاصة التي ليست للبيع دائمًا، أو لا تقع تحت رحمة أحد القادة. 

وعندما تحكم روسيا النخب الحاكمة وتحاول تقويض الانتخابات الديمقراطية، فإنها تتجاهل الاتجاهات الأساسية في القارة. ولقد ساعدت هذه الدرجة من الاختلاف الفلسفي بين الكرملين والقارة في إثبات أنه ليس لروسيا ارتباط سياسي أو أيديولوجي بأفريقيا، على الرغم من حضورها القوي هناك خلال الحرب الباردة. وقال متحدث باسم مقياس الأفرو لفورين بوليسي إنه: «يعتقد اليوم 0.0005% فقط من الأفارقة أن روسيا أفضل نموذج للتنمية لبلدهم». وأضاف أن: «نسبة الأفارقة الذين يعتقدون أن روسيا تتمتع بأكبر نفوذ أجنبي في بلادهم ضاعت بين آراء الآخرين».

«التمدد في الفراغ».. روسيا بين الجاذبية الصينية واللامبالاة الأمريكية

وأضاف الكاتب: «بصفتهم نماذج وشركاء سياسيين، تفوقت الولايات المتحدة والصين على روسيا؛ إذ أوضح استطلاع أجراه مقياس الأفرو أن الولايات المتحدة تمثل نموذج التنمية الأكثر رواجًا في القارة، وحصلت على استحسان 30% من الأفارقة. وتنعكس التصنيفات لصالح النفوذ الأجنبي الأكبر: يعتقد 23% من الأفارقة أن الصين هي القوة غير الاستعمارية الأبرز في بلادهم، في حين يعتقد 22% من الأفارقة أن الولايات المتحدة تتمتع بهذه الميزة. 

ومع ذلك، هناك مسار واضح على بوتين أن يتبعه – عند التعامل مع واشنطن على الأقل- ففي العام الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيضًا عسكريًّا كبيرًا في وقت ما يزال أمامه أعمال حاسمة لمكافحة إرهاب بوكو حرام في الغرب، والشباب في الشرق، والقاعدة في الشمال، والدولة الإسلامية في الجنوب. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر ترامب لامبالاة دبلوماسية تامة بالقارة، ولم يرسل مساعدًا كبيرًا إلى أفريقيا منذ أن زارها وزير خارجيته السابق، ريكس تيلرسون العام الماضي، (وأُقيل من منصبه في أثناء وجوده هناك)، ولم يزرها بنفسه مطلقًا.

ويرى الكاتب أن الاهتمام القليل الذي أولته إدارة ترامب لأفريقيا يأتي في إطار القوى العظمى الخاطئ. وقد طرح مستشار الأمن القومي جون بولتون سياسة إدارة ترامب الجديدة تجاه أفريقيا في العام الماضي، وقلل من «التحدي المُلِح المتمثل في التنافس بين القوى العظمى». وكما هو الحال مع الخطوات الأمريكية الخاطئة في الشرق الأوسط، فإن سياسة ترامب تجاه أفريقيا، أو عدم وجودها، مهدت الطريق لصعود روسيا. وقال ماكفول، السفير السابق، «إنها حالة أخرى ننسحب فيها ويتمدد بوتين في فراغنا».

وأردف: «من جانبها، لعبت الصين بشكل أفضل. وفي إشارة منتظمة إلى مواجهاتها مع الإمبريالية الغربية، أثبتت بكين أنها بارعة تمامًا في استخدام رواية جنوبية عالمية لتصوير ارتباطها بأفريقيا كواحدة من الاحترام المتبادل وعدم التدخل. ومع ذلك، فقد حان الوقت لاستخدام أفريقيا مكانًا لإظهار قوتها. وعلى الرغم من أنها أقل زعزعة للاستقرار من الحروب بالوكالة التي أشعلتها في أنغولا وأماكن أخرى خلال الحرب الباردة، فإن الجيش الصيني ما يزال نشطًا في القارة؛ حيث يدير قاعدته الخارجية الوحيدة في جيبوتي، ويدرب الجنود في رواندا.

كما وجدت الصين أن أفريقيا مكانًا جيدًا لعرض مبادئها. وفي منتديات عامي 2015 و2018 عن التعاون الصيني الأفريقي، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أنه يهدف إلى «بناء نموذج جديد للشراكة الدولية» وتغيير «نظام الحكم العالمي».

CHINA-RUSSIA-ENERGY-DIPLOMACY

رغم التشويه الغربي.. روسيا تلهث للحاق بالصين

كان لهذه الإجراءات تكلفتها. ففي السنوات الأخيرة، شهدت زامبيا حملة ساخنة بعنوان «#SayNo2China أو قل لا للصين» والتي كانت تهدف إلى وضع حد للاستثمار الصيني وتدخلاتها في البلاد. وفي غانا، دفعت مخاوف مماثلة الرئيس نانا أكوفو أدو إلى طمأنة الغانيين، في وقت سابق من هذا العام، بأن الارتباط مع الصين لن يؤدي إلى «فقدان سيادة غانا». كما كانت هناك محاولات غربية لتشويه الاستثمارات الصينية بأنها «مصائد للديون»، والتي لم تجعل الأمور أسهل بكثير على الصين.

ومع ذلك، تمتلك الصين ما لا تمتلكه روسيا، وما لا ترغب الولايات المتحدة في استخدامه، لأنها منشغلة بمشاكل أخرى: النقد. فمنذ أن تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لأفريقيا قبل عِقْد من الزمن، أشرفت بكين على مشروعات البنية التحتية الضخمة، وضخت قروضًا سخية ميسرة في القارة. وفي المنتدى الأخير للتعاون الصيني الأفريقي، ضاعف شي جهود التوعية لبلاده، وأعلن حزمة استثمار بقيمة 60 مليار دولار، وهو ما يعادل خمسة أضعاف ما قدمته روسيا الأسبوع الماضي».

واستدرك الكاتب قائلًا: «ومع ذلك، فإن هذا لن يوقف بالضرورة صعود روسيا. ومن الأمور التي فشل إطار القوى العظمى في أخذها في الاعتبار هو كيف يمكن للدول الأفريقية، مثلها مثل جميع الدول، الحفاظ على شراكات متعددة. وقال ماكفول إنها حقيقة دبلوماسية أساسية تقدم فوائد خاصة في أفريقيا، بالنظر إلى أن «الولايات المتحدة وروسيا والصين تلعب في مسارات مختلفة». 

وختم قائلًا: «نيجيريا، التي أعلنت عن اتفاقية أسلحة جديدة في سوتشي، إحدى هذه الدول المستفيدة. وفي الوقت نفسه الذي تستطيع فيه روسيا تزويد البلاد لتوفير الأمن في جنوب شرق البلاد الغني بالنفط، فقد ساعدت الصين في تمويل وبناء بنيتها التحتية النفطية، وقد اشترت الولايات المتحدة نفطها بمليارات الدولارات. وبنظرة أخرى، قد يصبح إطار المحصلة الصفرية الخاطئ ازدهارًا للمحصلة الإيجابية».

مترجم: ماذا تفعل روسيا في أفريقيا لتثير قلق أمريكا وفرنسا؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد