يشعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بغضب شديد من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدرجة أنه رفض الحديث معه على الهاتف أو لقاءه في محادثات المناخ المقامة تحت رعاية الأمم المتحدة في باريس. لكن بوتين عاجز عن فعل الكثير لإيذاء أردوغان أو بلده. فلا يسعه إلا أن يصعب الحياة أكثر قليلاً على الروس.

 

طالب بوتين تركيا بتقديم اعتذار وتعويضات عن إسقاط الطائرة الروسية التي ضلت الطريق إلى داخل مجالها الجوي. كما يريد أردوغان من روسيا الاعتذار. أدت الحرب الكلامية، التي اشتعلت عبر وسائل الإعلام، إلى ظهور مشاعر دفينة معادية لتركيا من قبل وسائل الدعاية التابعة للكرملين. فقد أصبح من الصعب على الأتراك زيارة روسيا أو إدخال البضائع هناك. إلا أن روسيا لم تفعل الكثير لفرض عقوبات اقتصادية محددة أو شن عمل عسكري، مما يجعل رد فعل بوتين العاطفي يبدو صبيانيًا وغير مدروس.

 

بعد سقوط الطائرة الحربية مباشرة، تعهدت روسيا بأن ترافق قاذفاتها التي تؤدي مهمات في سوريا دائمًا من قبل طائرات مقاتلة، وقامت بنشر منظومة صواريخ S-400 المضادة للطائرات في قاعدتها الجوية في سوريا. تقول وسائل الإعلام الروسية إن وجود الدفاعات الجوية منع قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من إجراء ضربات جوية في سوريا. وقد نفى التحالف هذا الادعاء، وحتى لو كان صحيحًا، فإن المستفيد الوحيد هو تنظيم الدولة الإسلامية، الذي وصفته روسيا بالعدو رقم 1 لها في سوريا.

 

لا شيء من هذا يؤثر كثيرًا على تركيا، لأنها لم تشن ضربات جوية. وهناك أيضًا خطر محتمل بأن المزيد من الطائرات الروسية قد تحلق في المجال الجوي التركي أو أن تركيا قد تسقط طائرات أخرى: لا يريد أي من البلدين الدخول في حرب، وهذا رادع أفضل من منظومة صواريخ S-400.

 

يستعر الغضب لدى آلة الدعاية الداخلية الروسية. اتهم ديمتري كيسليوف، مقدم برنامج فيستي نيديلي الأسبوعي، برنامج الأخبار الأكثر شعبية في التلفزيون الحكومي، أردوغان بمجموعة من الشرور، بدءًا من شراء النفط من الدولة الإسلامية إلى محاولة استعادة الإمبراطورية العثمانية. وطالب المشرع القومي المتطرف فلاديمير جيرينوفسكي بقتل 100 طيار تركي انتقاما للطيار الروسي الذي توفي بعد إنقاذه من الطائرة. تمتلئ موجات الأثير الروسية مع وعود بأنه لن يتم نسيان الإهانة التركية أو غفرانها.

 

وقعت أيضًا العشرات من حوادث منع المواطنين الأتراك من دخول روسيا على الرغم من نظام التأشيرة الحرة بين البلدين، والبضائع التركية التي أعلن أنها غير صالحة للبيع في روسيا لأسباب “صحية”. وفي موسكو، ألقى عدة مئات من الأشخاص البيض والحجارة على نوافذ السفارة التركية دون أن تتحرك الشرطة لمنعهم. وفي أوليانوفسك، أنزل السكان المحليون العلم التركي في مصنع الجعة المحلية، التي تملكه أناضول أفس، وهي شركة يوجد مقرها في اسطنبول.

 

بالإضافة إلى ذلك، في يوم 28 نوفمبر، أمر بوتين بإعادة تطبيق نظام التأشيرات على الأتراك بدءًا من يناير المقبل وتشديد القوانين على الشاحنات والسفن التركية. كما منع أيضًا توظيف العمال الأتراك بدءًا من العام المقبل، وطلب من الحكومة تطوير حزمة عقوبات اقتصادية.

 

في يوم الإثنين، ناقش كبار المسؤولين الحكوميين الروس أفكارًا لمعاقبة تركيا، واقترحوا فرض حظر على توجيه الرحلات السياحية ورحلات الطيران، وفرض قيود على حركة الشاحنات وحظر استيراد الفواكه والخضراوات. هذا الإجراء الأخير لن تظهر فعاليته على الفور. وقال نائب رئيس الوزراء أركادي دفوركوفيتش إن أي تدابير يجب ألا تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. أدى الحصار الغذائي الروسي ضد معظم الدول الغربية، الذي فرضته في الصيف الماضي، إلى ارتفاع في مستوى الأسعار تراوح بين 20 الى 30 في المئة. كما شهدت روسيا انخفاضًا بلغ 11.7 في المئة في مبيعات التجزئة في أكتوبر، مقارنة مع العام السابق.

 

سيسبب حظر استيراد الفواكه والخضراوات وتعطيل السياحة الأذى لكلا الجانبين، ولكنه يمكن أن يضر الروس العاديين أكثر. بلغت صادرات تركيا الزراعية لروسيا 1.2 مليار دولار في العام الماضي، حوالي 7 في المئة من إجمالي الصادرات الغذائية. وعلى الأرجح سيغلق المزارعون الأتراك الفجوة دون الكثير من المتاعب. في العام الماضي، شهد نظراؤهم في أوروبا زيادة في الصادرات على الرغم من الحظر الروسي.

 

بالنسبة لروسيا، ستكون المشاكل أكبر: فحوالي 20 في المئة من واردات الخضراوات تأتي من تركيا، كما هو الحال لنحو 90 في المئة من الحمضيات التي تباع في سلاسل التجزئة الكبرى.

وكانت تركيا إلى حد بعيد أكبر مقصد سياحي للروس العام الماضي، حيث جذبت 3.3 مليون زائر، أي ما يقرب من 19 في المئة من السياح الروس الذين سافروا إلى الخارج. وحققت المنتجعات التركية المليارات من الدولارات، ولكن فقدان هؤلاء السياح لن يكون مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذه الصناعة. فوفقا لوزارة الثقافة والسياحة، في يوليو الماضي، أي في ذروة الموسم السياحي، استقبلت تركيا 686256 سائحًا روسيًا وحوالي 3.1 مليون من أوروبا.

 

أدى انخفاض قيمة الروبل إلى جعل العطلات الأوروبية باهظة الثمن جدًا بالنسبة لمعظم الروس. مصر، وهي ثاني أكثر المقاصد شعبية بالنسبة للروس العام الماضي، جرى حظر السفر إليها منذ إسقاط طائرة ركاب الشهر الماضي.

 

كان بوسع بوتين إيذاء أردوغان أكثر من ذلك بكثير عبر قطع تدفق الغاز الطبيعي الروسي، تعتمد تركيا بنسبة 60 في المئة على الغاز الروسي، أو إلغاء مشروع بناء أول محطة نووية في تركيا من قبل روساتوم المملوكة للدولة الروسية. وكان موردو الطاقة في روسيا سيفقدون سوقا مربحة، وستخسر عملاقة الغاز الطبيعي جازبروم موطئ قدمها في جنوب أوروبا أيضًا لصالح موردين مثل أذربيجان وإيران. تضخ أذربيجان بالفعل الغاز إلى تركيا، وستكون سعيدة لتزويدها بالمزيد. وبدلاً من المخاطرة بذلك، تفرض الحكومة الروسية تكاليف جديدة على مواطنيها، على أمل أن تعوضهم بالدعاية التحريضية.

 

وعلى الرغم من كفاءة التكتيك سابقًا، فإنه من الصعب الحفاظ على تلك الفعالية نظرا للعدد الكبير من الأعداء الذين كسبهم بوتين خلال فترته الرئاسية الثالثة. وبينما تشتبك روسيا مع عدد متزايد من جيرانها ويضيق العالم من حولها، فقد يدرك الروس في النهاية أن بوتين ربما يكون هو المشكلة وليس الحل. إلا أن خطاب بوتين الغاضب يجد الدعم في الداخل حاليًا ويغذي المزاج الحاقد المماثل في تركيا، مما يجعل سفن الشحن الروسية تنتظر لساعات قبل السماح لها بالمرور عبر مضيق البوسفور.
أردوغان ماهر مثل بوتين في استخدام التهديدات الخارجية لصرف انتباه المواطنين عنه، لكنه ليس لديه العديد من الخصوم. لذا فمن المرجح أن يستفيد من هذه الأزمة أكثر من بوتين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد