كتب الزميل الباحث في مركز سياسات الأمن «براد باتي» تقريرًا في صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، حذر فيه من استخدام الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» تركيا لتكون نقطة لتحطيم حلف الناتو، مشيرًا إلى أن الحرب الأهلية السورية كشفت عن عدد من مظاهر الضعف التي يواجهها الغرب.

ويقول «باتي» إن الأزمات الدبلوماسية، مثل تهديد عدد من الدول الأوروبية بإغلاق حدودها، تظهر أن استقرار أوروبا يتعرض لمخاطر تدفق اللاجئين، الذين هربوا من ضربات رئيس النظام السوري «بشار الأسد» ضد المدنيين.

ويشير التقرير إلى أن التدفق ازداد سوءًا بعدما ضاعف الطيران الروسي من غاراته لحماية «الأسد»، ومن أجل إفراغ المناطق من سكانها، وقام الروس بذلك؛ لأن استراتيجيتهم قائمة على خلق مناطق خالية من سكانها يستطيع الحليف الضعيف حكمها، بدلًا من مناطق مأهولة بالسكان، لافتًا إلى أن هذه الاستراتيجية تؤثر في استقرار أوروبا، وهو إنجاز يرغب به «بوتين».

وتبين الصحيفة أنه في ظل الرئيس «بوتين» أصبحت روسيا دولة توسعية، مشيرة إلى أنها ستظل هكذا في ضوء الضعف الاقتصادي والديموغرافي الذي تعاني منه، فهي بحاجة للتوسع كي تحصل على المصادر والثروات؛ من أجل استخدامها بتقوية بلد لم يعد اقتصاده كافيًا لكي يحميه.

ويلفت الكاتب إلى أن روسيا استطاعت التوسع، مستخدمة استراتيجية جمعت بين الجرأة والحذر، فقد تحركت وسيطرت على أجزاء في جورجيا وشبه جزيرة القرم وأوكرانيا، لافتًا إلى أن روسيا كانت حذرة في طريقة التخطيط لهذه التحركات والسيطرة على المناطق التي تستطيع التحكم بها بسهولة، خاصة في المناطق التي يعيش فيها روس بأعداد كبيرة، أو من يفضلون روسيا بديلًا عن حكوماتهم، وعبّر عدد من المراقبين عن قلقهم من تعرض مناطق البلطيق لهجمات؛ بسبب وجود أقليات كبيرة في هذه الدول، أي ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا.

ويذكر التقرير، الذي ترجمته «عربي21»، أن المخابرات الروسية تقوم بتجنيد القادة الاقتصاديين في دول البلطيق، بالإضافة إلى القادة السياسيين، حيث إن لدى روسيا جيبا في كاليننغراد، وهو جيب واقع بينها وبين ليتوانيا ولاتفيا وبيلاروس، ويرابط في هذا الجيب الأسطول الروسي على بحر البلطيق، مستدركًا بأنه رغم وجود تعقيدات تعيق التحرك الروسي ضد دول البلطيق، إلا أن الأعظم منها ذلك المتعلق بالدول الأعضاء في حلف الناتو، ويشير إلى أنه طالما ظل الناتو قويًّا وذا مصداقية فإن خيارات روسيا كلها تظل بعيدة عن التحقيق.

وترى الصحيفة أن القدر منح روسيا منفذًا قويًّا يمكن من خلاله كسر حلف الناتو، وهو النزاع السوري الذي انخرطت فيه روسيا، مشيرة إلى أن هذا المنفذ يأتي من عضو الناتو تركيا، التي يقول الكاتب إنها انحرفت عن مصالح حلف الناتو وقيمه.

ويقول «باتي» إنه «فيما يتعلق بهذا النزاع، فإن تركيا تهدد بإرسال قوات برية ضد القوى التي تدعمها روسيا وإيران، وتقاتل القوات الروسية والتركية على الجانبين المتناقضين في النزاع، ولا يبعدان سوى عدة أميال عن الحدود السورية التركية، ووضع كهذا سيقود إلى مواجهة بين الناتو وروسيا».

ويضيف الكاتب أنه «تم تجنب هذه المواجهة عندما أسقط الطيران التركي مقاتلة روسية في خريف العام الماضي، ومع أن الرد الروسي على الحادث لم يشمل خطوات عسكرية مباشرة، إلا أنه ضم عقوبات اقتصادية، ودعمًا روسيًّا للأكراد السوريين، وكان رد الأتراك حصار القرى الكردية وتجويعها، وهي ممارسة قال عنها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إنها (تتعارض مباشرة مع قانون الحرب)، عندما مارسها النظام السوري، لكن كيري لم يشجبها عندما قام بها الحليف التركي، وفي الحقيقة ليس لدى أمريكا الكثير لتقوله حول تركيا».

ويفيد التقرير بأن «تركيا وقفت ضد الحريات الإنسانية، التي يعتقد الغرب أنها أساس النظام السياسي العادل، فقد اعتقلت تركيا الأكاديميين الذين انتقدوا ممارسات الجيش، ووجد الأكاديميون، الذين وقعوا على عريضة تشجب ممارسات الجيش ضد الأكراد، إشارة (إكس) بالأحمر على أبواب مكاتبهم، كما وعرقلت تركيا جهود الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة، وقامت واشنطن بدعم الأكراد».

وتتهم الصحيفة تركيا بأنها منعت المليشيات الكردية من التركيز على تنظيم الدولة، من خلال قصف الأكراد بالطائرات، مشيرة إلى أن «تركيا تقوم بغض النظر عن دعم تنظيم الدولة أو جبهة النصرة، إن لم تكن تقدم الدعم لهما، وبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تحالفات مع الفصائل الإسلامية المتشددة في بلاده، واستخدمها لقمع حريات الإعلام وحتى القضاء».

وينوه «باتي» إلى أن تحركات «أردوغان» دعت عددًا من المعلقين من الأطراف السياسية كلها إلى طرد تركيا من الناتو، لافتًا إلى أن هذا المقترح يواجه مشكلة؛ لأن الناتو ليست لديه آلية لطرد أعضائه، وأكثر من هذا، فإنه يجب أن تكون قرارات الناتو بالإجماع، وهذا يعني أنه يجب أن تصوت تركيا على طرد نفسها من حلف الناتو.

ويستبعد التقرير قيام الحلف بهذا التحرك في ضوء المنافع التي تمنحها العضوية لتركيا، والدور المقيد للولايات المتحدة وأوروبا في النزاع الحالي، مشيرًا إلى أنه في حال لم تقدم دول الناتو الدعم لتركيا، في حال اندلاع نزاع مع روسيا، فإن ذلك سيؤدي إلى تفكك الناتو.

وترى الصحيفة بأنه «مع ذلك فإن أردوغان لا يستحق الدعم الغربي، ففي حال وجد الغرب نفسه بين خيار التخلي عنه أو الحرب مع روسيا، فيجب أن يكون التخلي عنه الخيار الأفضل، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ذكاء بوتين في هذه الأمور، فمن المتوقع أن يندلع النزاع في وقت وطريقة يكشفان عن قلة أهمية أردوغان في عين الغرب».

ويتساءل الكاتب عما يجب عمله، ويقول إنه «يجب على الولايات المتحدة قيادة القوى الغربية في الناتو بتحصين أنفسنا ضد حكومة أردوغان، ومن هنا فإن رفض دعمه لن يسبب ضررًا للتحالف، والتخلي عن موقف كيري الرافض نقد تركيا بالطريقة ذاتها التي ينتقد فيها النظام السوري يجب أن يكون بداية جيدة، ويجب على الغرب الحديث وبشكل علني عن القيم الغربية والحرية والضمير وعن جرائم الحرب التي ترتكبها الحكومة التركية، ويجب على حكوماتنا أن تكون واضحة، الآن وقبل أن تحصل الأزمة، بأننا لن ندعم حكومة تتصرف مثل تركيا».

ويجد باتي أنه «عندما يستخدم بوتين المنفذ التركي ضد الناتو، فإنه سيؤدي إلى تصدع الحلف كله، أو الخطوط الرابطة بين تركيا وبقية أعضائه».

وتختم «جيروزاليم بوست» تقريرها بالقول إن الحكومة التركية تخلت عن تراث أتاتورك وإصلاحاته، التي بدأها في بدايات القرن العشرين، وتحذير الحكومة التركية بأنها تستغل وضعها كونها عضوًا حقيقيًّا في الناتو قد يدفعها إلى وضع المكابح على الانتهاكات التي يرتكبها أتاتورك ضد شعبه، وحتى لو لم تستمع تركيا، فإن تحذيرها سيكون الإطار الذي يمكن أن يؤكد فيه حلف الناتو ذاته دون تركيا، ويظل قويًّا وذا مصداقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد