إن الأساس الذي ترتكز عليه أيديولوجية الكرملين الحالية عبارة عن رواية دفاعية مفادها: لقد تعرضنا دائمًا للهجوم، واضطررنا للدفاع عن أنفسنا. ويمثل التاريخ خط دفاعٍ آخر.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مقالًا لرئيس برنامج السياسة المحلية والمؤسسات السياسية الروسية، في مركز كارنيجي في موسكو، أندريه كوليسنيكوف، تحدث فيه عن الحاضر المظلم الذي تعيشه روسيا في عهد بوتين، والماضي المشرق في عهد ستالين، وهل يمكن أن يمثل ستالين ماضي روسيا ومستقبلها.

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب أن المثقفين في موسكو يستهويهم التندر قائلين: إن ماضينا المظلم يمثل مستقبلنا المشرق في حقيقة الأمر. ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد ذلك بالتأكيد؛ ولكنه لا يمزح. 

دولي

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: مقدونيا الشمالية.. عضو الناتو الجديد ولقمة بوتين السائغة

في التاسع من مايو (أيار) من كل عام، تحتفل روسيا بانتصار الاتحاد السوفيتي (ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية) في الحرب العالمية الثانية، ويكون هذا اليوم عطلة رسمية، يُقام فيه عرض عسكري، يتسم بالتفاخر والزهو. ولكن في هذا العام، أجبر تفشي مرض كوفيد-19 الكرملين على تأجيل العرض العسكري. وانتهى الأمر باحتفالات حلَّق فيها الطيران الروسي على ارتفاع منخفض، مع عرض ألعاب نارية تقليدي.

يضيف المقال: تبين أن السيطرة على الحاضر ليست على القدر نفسه من السهولة كما هو الحال بالنسبة للماضي. وظل بوتين لسنوات يعوِّل على أمجاد التاريخ في محاولة لدغدغة مشاعر الجماهير، وصرف انتباههم عن المشكلات الاجتماعية الحالية، لا سيما الاقتصاد المتدهور وتدهور مستويات المعيشة، والشلل الذي يعاني منه النظام السياسي.

وبالنسبة للنظام الحاكم الحالي، كان الانتصار على النازية بمثابة حجر الزاوية في أيديولوجيته وشرعيته على الصعيد الوطني. وفي الوقت الذي تصبح فيه السياسة الرسمية أكثر صرامة على نحو متزايد في دفاعها عن الماضي، كذلك كان دفاعها عن الرجل الأكثر ارتباطًا بأكبر انتصارات القوة السوفيتية: جوزيف ستالين.

ستالين بين الماضي والحاضر

وأوضح الكاتب أن زحف الستالينية نحو الوعي استمر لسنوات. ووفقًا لمركز ليفادا التحليلي، وهو أحد مراكز استطلاع الرأي المستقلة، ارتفع عدد الروس الذين يعربون عن «احترامهم» لستالين من 29% في عام 2018، إلى 41% في عام 2019. كما أشارت التقديرات إلى زيادة مضطردة في الاستحسان الشخصي لستالين بالنسبة لدوره في التاريخ الروسي، وصلت إلى 70% العام الماضي. (أعطى 19% فقط ممن شملهم الاستطلاع تقييمًا سلبيًّا للديكتاتور).

ووافق 46% ممن شملهم الاستطلاع نفسه على أن النجاحات التي تحققت في الحقبة السوفيتية، تبرر التضحيات البشرية التي قُدِّمت خلال حكم الستالينية. وجاءت النظرة المغايرة بنسبة 45%؛ مما يؤكد أن عديدًا من الروس ما يزال لديهم وجهات نظر متباينة على نحو صارخ بشأن الماضي.

وشدد الكاتب على أن ستالين – بصفته شخصية خيالية، وليس شخصية تاريخية حقيقية، وتجسيدًا لفكرة النظام والعدالة – يقف في صميم التصورات الروسية للماضي التليد. ولم يحرك الكرملين ساكنًا سعيًا منه لوقف رد الاعتبار المتنامي لستالين. وفي الواقع، تغمر الكرملين السعادة عند تشجيع كليشيهات النجاح السوفيتي حيثما أمكنه ذلك.

روسيا وحماس

إن خطاب بوتين التاريخي يمثل على نحو متزايد رجع الصدى لخطابات ستالين. وعندما أرسل ستالين القوات إلى الخطوط الأمامية لمواجهة الغزاة النازيين في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1941، استدعى الوطنية الروسية العظمى صراحةً، بدلًا من الماركسية اللينينية. والآن يضرب بوتين على الأوتار نفسها. وأحيا الكرملين بدوره الرموز التاريخية السوفيتية من جديد.

وعند سرد الإنجازات التي حققتها البلاد، لن يتذكر المواطن الروسي العادي سوى النصر في الحرب العالمية الثانية فقط، ومكانة يوري جاجارين، بصفته أول رجل يتمكن من التحليق إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض، والدور الرائد للبلاد في استكشاف الفضاء، و«عودة» شبه جزيرة القرم إلى روسيا الاتحادية، التي حدثت بصعوبة، وليس على النحو المثالي. ولا عجب أن يميل المواطن الروسي العادي إلى تبني وجهة نظر بوتين نفسها، في أن الانهيار السوفيتي كان «كارثة جيوسياسية كبرى في القرن [العشرين]».

تغيير ملحوظ في السياسة الروسية

وأشار الكاتب إلى أن الدولة لم تذهب بعد إلى حد تبرير أفعال ستالين علنًا ​​ورسميًّا. لكن الاعتناق المتنامي لمنطق الديكتاتور السوفيتي وأعماله، كان له تأثير ملموس في السياسة الروسية. وتغيرت الروايات الرسمية للأحداث التاريخية في السنوات الأخيرة لتتماشى مع أجندة الكرملين الحالية. 

وأُدين البروتوكول السري لميثاق مولوتوف-ريبنتروب لعام 1939، والذي اتفقت فيه ألمانيا والاتحاد السوفيتي على تقسيم أجزاء من أوروبا الشرقية إلى «مناطق نفوذ»، رسميًّا تحت حكم ميخائيل جورباتشوف (بعد عقود من إنكار أي وجود لهذا الميثاق). والآن يُقدِّم كبار المسؤولين الروس الاتفاق نفسه على أنه انتصار للدبلوماسية السوفيتية، التي مهَّدت الطريق أمام تأجيل دخول روسيا في الحرب (حتى عام 1941)، وإنشاء مناطق عازلة في الأراضي التي ضمها ستالين من دول البلطيق وغرب أوكرانيا، وغرب روسيا البيضاء، وبيسارابيا.

ويدلل على ذلك أيضًا أن الدعاية الروسية لجأت إلى الخطاب نفسه أثناء ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، كما استخدمته أثناء «تحرير» الأراضي الأوكرانية والبيلاروسية، وهو خطاب مفاده: أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بقيادة ستالين، وروسيا بقيادة بوتين «هبَّت لمساعدة إخوانهم».

جوزيف ستالين

إن الأساس الذي ترتكز عليه أيديولوجية الكرملين الحالية عبارة عن رواية دفاعية مفادها: لقد تعرضنا دائمًا للهجوم واضطررنا للدفاع عن أنفسنا. ويمثل التاريخ خط دفاعٍ آخر. ويسعى النظام إلى حماية التاريخ من «التزييف»، وهي كلمة غالبًا ما تنطبق على التحليل المهني لقضية ما، وفضح زيف الخرافات. 

لقد برع الكرملين في إصدار الأحكام الأخلاقية واحتكار الخطاب التاريخي، ولا يحق لأي شخص آخر مناقشة أي أحداث تتعلق بالحرب العالمية الثانية. وكان حصار مدينة لينينغراد (مدينة سانت بطرسبرغ في الوقت الحالي) واحدًا من أكبر المحرمات. وعندما جادلت الكاتبة يلينا تشيزوفا، وهي ابنة أحد الناجين من الحصار، بأن حصار المدينة وتجويعها نَجَمَ عن كراهية ستالين لمدينة لينينغراد، أطلق النظام حملة دعائية ضدها. وانضم أعضاء البرلمان إلى هذه الحملة، وفتح المُدَّعون تحقيقًا جنائيًّا بشأن تصريحاتها.

واختتم الكاتب مقاله مؤكدًا أن القائد الذي لا يستطيع أن يقدم للبلاد سوى ماضيها على أنه المستقبل، سيقود نفسه عن غير قصد إلى مأزق، وسيأخذ جميع الروس معه. وإذا كان ستالين ماضينا ومستقبلنا، فما التنمية التي يمكن أن نأمل في تحقيقها؟ وفي محاولة لمنع الأمة من إجراء محادثة جادة حول ماضيها المضطرب، يُصعِّب الكرملين من إيجاد طريقة للمضي قدمًا. وهذه عقبة أكثر خطورة أمام التنمية الروسية من جميع الصعوبات الاقتصادية الحالية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد