أما قبل وصول كيري، فإن روسيا فازت أيضًا بقرار رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي بإيقاف التمديد التلقائي لعقوبات الإتحاد الأوروبي ضد روسيا، وهو ما يعني أن توضع على أجندة أعمال قادة الإتحاد الأوروبي. صحيحٌ أن العقوبات من المحتمل أن يتم تجديدها في الوقت الراهن، لكن ما فعله رينزي يظهر بوضوح توجّه عدد من الدول الأوروبية إلى اتخاذ موقف الرفض لنظام العقوبات، والبحث عن وسائل للتعديل عليه، أو حتى إلغاءه تمامًا في العام المقبل.

كعادته كل عام، ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المؤتمر الصحفي الخاص بماراثون نهاية العام، أمام حشدٍ يقدر بحوالي حوالي 1300 صحفي بموسكو، مستغلًا الحدث لطمأنة الروسيين على أن الاقتصاد يأخذ منحىً جيدًا، بغض النظر عن الصعوبات التي ألمت به العام الماضي.

ستوفر الحكومة عناية أفضل للمتقاعدين، وإعانات مالية للفلاحين، وستحمي الأسر محدودة الدخل من الارتفاع المتزايد في أسعار الخدمات، يعدّ هذا جزءً من جهود بوتين لتجديد عقده التقليدي مع المجتمع الروسي: أن يفوض المجتمع قياداته لإدارة شئون البلاد بحرية، في مقابل الاستقرار الإجتماعي، وقليلًا من تحقيق الرخاء. يحاول بوتين الإشارة إلى أنه سيستمر في إنجاز جانبه من الصفقة، وأنه ما زال قادرًا على هذا، على الرغم من الضربات التي وجّهتها العقوبات الدولية، وانخفاض أسعار مصادر الطاقة.

لكن المؤتمر الصحفي هذا العام كان مهمًا أيضًا، لأن الرئيس الروسي كان لديه ما يقوله عن السياسة الخارجية، ترجِع أهمية ما قاله بوتين إلى أنه جاء عقب حدثين مهمين، أولها هو زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى موسكو؛ ليدق المسمار الأخير في نعش العزلة التي تحاول أمريكا رفضها على روسيا ردًا على سياساتها في أوكرانيا، وسوريا.

لقد نجح بوتين في إعادة إدخال نفسه في السياسة الدولية كشخصية نافذة، ولا يمكن الاستغناء عنها، واستعادة وضع روسيا كقوة كبرى لا يمكن تجاهلها أو تهميشها. أيضًا فإن تصريحات كيري فتحت الباب أمام التعديل على السياسات الأمريكية في سوريا، والتي كانت تشترط رحيل الأسد كأمر غير قابل للتفاوض، على مدى السنين الأربعة الماضية.

صرّح كيري أن الأهداف الأمريكية في سوريا لا تتضمن “تغيير النظام” في حد ذاته، وأن السوريين، مرددًا ما اعتاد الروسيون ترديده قبلًا، يجب أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم، مضيفًا: برغم هذا أن الولايات المتحدة لا تؤمن أن هناك أي مستقبل للأسد في سوريا ما بعد الصراع.

أما قبل وصول كيري، فإن روسيا فازت أيضًا بقرار رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي بإيقاف التمديد التلقائي لعقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، وهو ما يعني أن توضع على أجندة أعمال قادة الإتحاد الأوروبي.

صحيحٌ أن العقوبات من المحتمل أن يتم تجديدها في الوقت الراهن، لكن ما فعله رينزي يظهر بوضوح توجّه عدد من الدول الأوروبية إلى اتخاذ موقف الرفض لنظام العقوبات، والبحث عن وسائل للتعديل عليه، أو حتى إلغاءه تمامًا في العام المقبل.

لذا، أعطى بوتين عددًا من أغصان الزيتون للغرب في مؤتمره الأخير، من ضمنها سعيه الدائم نحو إيجاد تعاون مشترك في الحرب ضد المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط – وهو ما يراه الكريملين كأفضل الفرص لإصلاح ما أفسدته الأزمة الأوكرانية. ومن ضمنها أيضًا، الاعترافات المبدئية، المحدودة برغم كل شيء، بأن هناك روسيين ضمن الانفصاليين في شرقي أوكرانيا، لكن بدون الاعتراف بالتواجد الرسمي العسكري على الأراضي الأوكرانية.

أيضًا، حاول بوتين استغلال الوهن الأوكراني الدبلوماسي في العواصم الأوروبية، بسبب البطء الملحوظ في الإجراءات الإصلاحية، ليلقي باللائمة على أوكرانيا، بصفتها المتسببة في تأخير إتمام خطة منسك 2 لوقف إطلاق النار. إن حاولنا القراءة ما بين السطور، فإنّ بوتين يحاول اللعب على وتر رغبة الغرب في تأسيس التعاون العسكري مع روسيا في سوريا، مع إيجاد حجّة تريح ضميره فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية.

هذا بالطبع، إن كان يمكنه التخلي عن نقطة الإطاحة بالأسد، الشائكة. فقد تمت الإشارة في عدة تعليقات على الوضع أن مدى وبعد التدخل الروسي العسكري الأخير في سوريا، واستخدام القوات الجوية والبحرية المتمركزة على أراضي روسيا نفسها، يظهر أن روسيا ليست في حاجة إلى أن يبقى نظام الأسد في الحكم لتتمكن من استخدام قوتها بفاعلية في المنطقة.

لكن الصدام العلني الأخير مع تركيا – واقتراح أن إسقاط الطائرة الروسية مؤخرًا كان محاولة من أنقرة لإرضاء الولايات المتحدة – يظهر أن بوتين على استعداد تام لإلقاء كل الجهد المبذول في بناء العلاقات الروسية التركية، على مدى الأعوام القليلة الفائتة، في القمامة. فالعلاقة الشخصية بين بوتين ورجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، تبدو مقطّعة الأوصال بشكل غير قابل للإصلاح – هذا برغم الروابط السابقة بين الزعيمين، مثل أولمبياد سوشي 2014، وقمة أنتاليا.

هذه العداوة الجديدة تظهر أن الأمر ليس متعلقا بتأثر بوتين الشخصي العميق بإسقاط الطائرة فقط، وإنما تقرير واضح بأن انسحاب كيري عن إسقاط الأسد – الذي تريد تركيا إسقاطه – وأن الإصرار على تمرير خط أنابيب نورد ستريم، الذي ينزع الأهمية الاقتصادية والأمنية عن خط الغاز التركي. هذان الحدثان يعنيان أن روسيا يمكنها الآن اتخاذ موقف أكثر عدائية مع أنقرة.

بالطبع، فإن التعليقات التي نالت النصيب الأكبر من الاهتمام هي تلك المتعلقة بترشيح دونالد ترامب. تظاهر بوتين بالورع، مدعيًا أن روسيا لا تسعى إلى التدخل في السياسة الأمريكية الداخلية، وأنها ستجد طريقة للعمل مع أي رئيس منتخب. وبعدها وصف المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، بأنه” رجل بارز” و”موهبته لا يمكن التشكيك فيها”، وهو تعليق مختلف تمامًا عن تعليقات القادة الآخرين الذين انتقدوا ترامب بشدة. (ردّ ترامب على بوتين بعد ساعات، واصفًا إياه بأنه قائد دولي محترم، ورجل يمكن لترامب أن يعمل معه).

سواءً أكان بوتين يؤمن فعلًا بأن ترامب يمكنه أن يربح الانتخابات، أو لا، فإن مديح بوتين لترامب يعكس مدى ازدرائه للمؤسسة السياسية في الولايات المتحّدة، لقد تعامل بوتين مع رئيسين أمريكيين متتاليين وعدا بتغييرات جذرية في العلاقات الروسية الأمريكية، لكنهما لم يكونا مستعدين للإنفاق بجدية من رصيدهما السياسي، والمخاطرة بإثارة الرأي العام ضدهما في مقابل إحداث تغيرات حقيقية.

يشير مديحه لترامب إلى سعي بوتين لإيجاد قادة في الغرب مستعدين للجلوس على مائدة المفاوضات على طريقة القرن التاسع عشر، حيث يقدم الزعماء قرابين من نفوذهم في مقابل التعاون. أيضًا يشير إلى أن بوتين لا يأخذ باقي المرشحين ـ سواءً من الديمقراطيين أو الجمهوريين ـ على محمل الجدّ.

ربّما تنقلب الطاولة على بوتين برغم كل شيء، إن خسرت رهاناته واستمر الاقتصاد في الانهيار. بحلول وقت الماراثون القادم، سنعرف ما إذا كانت توقعاته بفوز بوتين أصابت، وما إذا كان الفائز في الانتخابات الرئاسية أيًا كانت هويته، سيفكر في التعاون مع بوتين مثل ترامب.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد