قررت روسيا، الخريف الماضي، التدخّل العسكري في سوريا؛ بهدف الإبقاء على نظام الرئيس بشار الأسد، وحمايته من الانهيار. مع فشل جميع المحاولات الدبلوماسية الأمريكية الروسية لإيجاد حلٍ سياسي للأزمة، يبقى الوضع كما هو عليه في سوريا.

قد تتساءل: ماذا ستجني روسيا من وراء ذلك التدخل العسكري إلى جانب الأسد وحزب الله؟ ما هي ملامح الرؤية التي بنى عليها «بوتين» خطته واستراتيجيته في الشرق الأوسط؟ وهل تنجح هذه الخطّة في تحقيق أهداف موسكو؟ يُجيب تقرير «ميدل إيست بريفنج» عن هذه الأسئلة؛ إذ يحلّل استراتيجية موسكو في الشرق الأوسط، في الأعوام القليلة الماضية.

هل أخطأ العرب في فهم عقلية «بوتين»؟

اعتقادٌ منتشرٌ، يقول التقرير، إنّ التدخّل الروسي في سوريا جاء للحفاظ على تواجدها في منطقة الشرق الأوسط. أشياء كثيرة تدعم ذلك الزعم، منها أنّ القاعدة الروسية الوحيدة في الشرق الأوسط تقع في مدينة «طرطوس» السورية، على ساحل البحر المتوسط.

لكن، إن كان الأمر حقًا كذلك، فما السرُ وراء تجاهُل «بوتين» للضمانات التي قدّمتها دول الخليج العربي، في نهاية عام 2014، بالمحافظة على المصالح الروسية في شرق أوسط ما بعد الأسد، بل زيادة توسّعها وتنوعها، في حال تغيرت السياسات الروسية المُدافعة عنه؟ هذه العروض جاءت في وقت شهد ترنّحًا عنيفًا لنظام الأسد، وخاطبت المصالح الروسية كما استشفّها العرب.

يعني هذا أنّ الدول العربية قد أخطأت في فهم عقليّة «بوتين»، الذي يبدو أنّه يسير وفق استراتيجية مختلفة.

طهران.. بوابة موسكو إلى الشرق الأوسط

الافتراض الأكثر قابلية للتصديق أنّ «بوتين» يرى الأمور من زاوية أشمل: ليست المصالح الروسية في سوريا هي الهدف الوحيد، وإنما وضع القدم الروسية في الشرق الأوسط، الذي كانت العلاقات الأمريكية الإقليمية فيه حينها قوية، مبنية على تاريخٍ طويلٍ مع كل اللاعبين الأساسيين فيه، عدا دولة واحدة: إيران.

من المُستحيل، وفقًا للتقرير، أن تدخل روسيا إلى المنطقة من خلال أية دولة خليجية عربية، بدون أن يصبح دورها ثانويًا لدور الولايات المتّحدة، وتعجز عن تأمين مصالحها الاستراتيجية، لكن إيران لا تتشارك مع الولايات المتّحدة، سوى العداء المتبادل. ويُمكن من خلالها قلب النظام الإقليمي القائم على الولايات المتّحدة، وإنشاء نظامٍ جديد تكون فيه روسيا لاعبًا أساسيًا فاعلًا.

فكّ الحصار الدولي عن إيران

لكن إيران في ذلك الوقت كانت مُكبّلة على الصعيد الدولي، ومواجهة بالكثير من العقبات السياسية والاقتصادية. وكان على روسيا إزالة هذه العقبات، في الوقت ذاته الذي تُنمّي فيه رصيدها السياسي في طهران.

كان هذا واضحًا في الدور «البناء» الذي لعبته روسيا خلال المحادثات التي تمخضت في النهاية عن الاتفاقية النووية الروسية،؛ ذلك الدور الذي فاجأ العديد من المُراقبين للمشهد السياسي، وحتى المسئولين، ومنهم الرئيس الأمريكي «باراك أوباما». بلعبها ذلك الدور «البناء»، ضربت روسيا عصفورين بحجر واحد؛ فأزالت كثيرًا من القيود الدولية على إيران، في ذات الوقت الذي منعتها من امتلاك سلاح نووي يقضّ مضجع السلطات الروسية على الحدود الجنوبية.

نِقاط الضعف

وفقًا لهذه الرؤية، جرت الرياح بما اشتهت السفن الروسية في هذه المرحلة المبّكرة، إذ وُقعت الاتفاقية الإيرانية النووية لتفتح المجال الدولي أمام إيران. الآن أصبحت الديناميكيات الإقليمية مواتية؛ لكي تلعب روسيا مع إيران دورًا مُشابهًا للدور الأمريكي مع دول الخليج، حين تدخلت الكويت من القوات العراقية عام 1991.

لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مواطن الضعف التي قد تتسبب في فشلها. ولكي نرى مواطن الضعف، بحسب التقرير، فعلينا أن ننظر إلى الصورة الكلية، ونستخرج ما يعرفه عُلماء الرياضيات بـ«العامل المستقل»؛ ذلك العامل الذي يستطيع وحده التأثير على كل العوامل الأخرى في المشهد. وفي الشرق الأوسط، هذا العامل هو الولايات المتّحدة.

حتى الآن، لم تلعب الولايات المتّحدة دورًا كبيرًا لإحباط الاستراتيجية الإيرانية، فقد أرادت الولايات المتحدة الوصول إلى الاتفاقية النووية مع إيران، ولم تُواجه النفوذ الإيراني بصرامة في أية أزمة إقليمية، مع أنّ الإيرانيين، في 2009، ضمنّوا في عرضهم الأولي للتوصل إلى اتفاقية نووية، الذي أرسلوه إلى الولايات المتّحدة عن طريق رجل الأعمال العماني «سالم بن ناصر الإسماعيلي» – ضمنّوا استعدادهم للحديث حول الدور الإيراني الإقليمي، خاصة مستقبل «حزب الله». لكن الولايات المتّحدة لم تستغل هذه الفرصة، واكتفت باتفاقية نووية تقنية بحتة يُمكن نقدها حتى من الزاوية التقنية.

مع وضع كل هذا في الاعتبار، ينتهي التقرير إلى أن موطِن الضعف. ببساطة، عدم وجود ما يضمن أن تتمكن إيران من الاندماج مرة أخرى في الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى كل العواقب السياسية المتوقّعة. نرى روسيا تفتح ذراعيها للمتشدّدين الإيرانيين، مثل «قاسم سليماني»، القائد في الحرس الثوري الإسلامي؛ لأنّهم يقضون بنجاح على أي تقارب غربي إيراني. لكن المتشدّدين سيخسرون في النهاية أمام المصالح الموضوعية، وستُصبح إيران جزءًا من الاقتصاد العالمي، وهو مضمار لن يُقدّم فيه الجانب الروسي الكثير من المُساعدة للإيرانيين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد