قال مارك جاليوتي في مجلة «فورين بوليسي» إن الاحتجاجات تتصاعد في روسيا ضد حكومة بوتين، ويبدو أنه ليس لدى الكرملين أجهزة أمن على استعداد لشن حملة قمع شاملة. وأوضح جاليوتي أن مدينة خاباروفسك الروسية شهدت واقعة غريبة؛ فبعد اندلاع احتجاجات بسبب اعتقال الحاكم المحلي المنتخب، استدعى نظام فلاديمير بوتين قوات الأمن لفض الاحتجاجات؛ ولكن يا للمفاجأة، لم تحضر القوات!

خرج الآلاف من المتظاهرين في نهاية كل أسبوع منذ 9 يوليو (تموز)، بعد اعتقال حاكم منطقة خاباروفسك، سيرجي فورجال، بتهمة قتل مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا. لا تتعلق الاحتجاجات بفورجال نفسه بقدر ما تتعلق بالاستياء المحلي واسع النطاق من تجاهل الحكومة لهم إلا عندما يحين وقت فرض الضرائب عليهم.

الشرطة تتعاطف مع المحتجين

لكن اللافت للنظر هو أنه على الرغم من عدم السماح بأي من الاحتجاجات – يؤكد جاليوني – فإن الشرطة المحلية لم تحاول السيطرة عليها. في نهاية هذا الأسبوع، اعتُقل ستة من بين 10 آلاف من المتظاهرين: وحُكم عليهم بالسجن لمدة أسبوع، وغرامة قدرها 10 آلاف روبل (134 دولارًا) لكل متظاهر، واحتُجز اثنان آخران طوال الليل ثم أطلق سراحهما. عند مقارنة ما حدث بكيفية التعامل مع الاحتجاجات في أماكن أخرى في روسيا، كان هذا تعاملًا هينًا. ليس الأمر كما لو أن خاباروفسك ليس بها قوات أمن. فهي فضلًا عن شرطتها النظامية، لديها وحدة شرطة مكافحة الشغب، وفريق «SOBR SWAT»، وكتيبة مستقلة تابعة للحرس الوطني ولواء القوات الداخلية، وكتيبة كوماندوز خاصة. وبكونها مدينة رئيسية على طول الحدود الصينية، يقع مقر المنطقة العسكرية الشرقية للجيش هناك، وهناك أيضًا مقر إقليمي لجهاز الأمن الفيدرالي (FSB).

ومع ذلك، فإن الشرطة لم تفعل شيئًا يذكر لمنع الاحتجاجات. وقد رافقوا أيضًا المسيرات وتوددوا إلى المتظاهرين الذين هتفوا «شكرًا للشرطة» بعد أن وزَّع الضباط عليهم أقنعة الوجه. حتى الحرس الوطني المخيف لم يتدخل، وهذا يظهر ما قاله أحد المراقبين إنه تعاطف واضح معهم.

موسكو تستشعر القلق

تزامنت المظاهرة الأخيرة أيضًا مع العطلة السنوية للمظليين الروس القدامى – ينوه  جاليوني – وانضم إلى المسيرة قدامى المحاربين في الشيشان وجورجيا وسوريا، وهم يلوحون بالأعلام ويرتدون قمصانهم المميزة باللونين الأزرق والأبيض. في هذه الأثناء، التزم محققو مكتب المدعي العام، ولجنة التحقيق، وجهاز الأمن الفيدرالي، المكلفون بتجميع التقارير، الهدوء بشكل ملحوظ. في الواقع، عندما ظهرت ادعاءات في موسكو بأن الاحتجاجات قد جرى التحريض عليها من الخارج، ربما حتى من قِبل الولايات المتحدة، قدَّم المدعون المحليون إحاطات غير رسمية ينكرونها.

Embed from Getty Images

ببساطة، لا أحد في نظام بوتين لديه شهية للمواجهة ما دامت الاحتجاجات – إلى حد كبير – محصورة في مدينة واحدة، وما يزال الرأي المحلي إلى جانبهم. يستطيع الكرملين الانتظار ببساطة وتجنب أي ذكر لخاباروفسك في وسائل الإعلام. ومع ذلك، يبدو أن هذا التردد يعكس أيضًا القلق الذي تشعر به موسكو بشأن مدى قدرتها على الاعتماد على قواتها الأمنية في أزمة من شأنها أن تضعهم في مواجهة السكان المحليين. فمنذ عام 2011 – يضيف جاليوني – عندما تضمنت الإصلاحات الجوهرية إسقاط اسم «ميليشيا» المستخدم من الحقبة السوفيتية، انخرطت الشرطة في جهد جاد لإعادة التواصل مع الجمهور الروسي. ومع أنه ما يزال ينظر إليهم بعين الشك، فإن الوضع الآن أفضل بكثير من عقد مضى. بيد أن هذا يعمل في كلا الاتجاهين – يقول جاليوني. أدى عزوف قوات الأمن عن لعب دور العصا الغليظة للكرملين إلى إنشاء الحرس الوطني في عام 2016 بقيادة فيكتور زولوتوف، الرئيس السابق لفريق الأمن الشخصي لبوتين.

الولاء لموسكو.. ولكن

يقضي معظم ضباط الشرطة، والحرس الوطني، وحتى ضباط الأمن الفيدرالي، حياتهم المهنية في المدينة أو المنطقة نفسها. إنهم يتزوجون ويكوِّنون صداقات، ويصبحون جزءًا من المجتمع المحلي – وغالبًا ما يشعرون بالضغوط والظلم نفسه الذي يعاني منه جيرانهم. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن معظم قادتهم سيبقون كذلك. في العصر السوفيتي، كانت MVD (وزارة الشؤون الداخلية) وجهاز KGB – سلف FSB – يفضلان إجراء حركة تنقلات لمنع أفرادهم من تطوير الولاءات المحلية. منذ ذلك الحين، أصبحت هذه الممارسة مهجورة. باستثناء حفنة من كبار اللاعبين، فإنهم يعرفون أن فرصهم في الوصول إلى الوظائف الأكثر شهرة – والمربحة – في موسكو ضئيلة. وهم يعتمدون على رجال الأعمال المحليين، والنخبة السياسية، وأصدقائهم في التربح عبر المخططات الفاسدة.

على سبيل المثال – يشير جاليوني – يخدم الجنرال سيرجي كرايف، قائد قوات منطقة خاباروفسك التابعة للحرس الوطني، هناك منذ أن ترك الجيش في عام 1994. تتردد شائعات بأن شرطة مكافحة الشغب من روستوف أو نوفوسيبيرسك جرى تجنيدها في خاباروفسك؛ لأن موسكو لم تكن تعرف ما إذا كان بإمكانها الوثوق بالقوات المحلية. يدين القادة بالولاء لموسكو، ولكن حتى يتأكد ذلك، لا يعرف الكرملين كيف سيكون رد فعلهم. في انقلاب أغسطس (آب) ضد الزعيم السوفيتي الإصلاحي ميخائيل جورباتشوف، ومع أن رؤساء المخابرات السوفيتية كانوا متورطين، فإن الشرطة وحتى العديد من ضباط الأمن، لم يكونوا كذلك.

Embed from Getty Images

وحتى الجيش لم يتورط في ذلك – يؤكد جاليوني. ما يزال الجيش هو أكبر قوة مسلحة في روسيا، وبينما يبدو أن وزير الدفاع سيرجي شويجو موالٍ قوي لبوتين، فإن ضعف التصويت على التعديلات الدستورية الأخيرة في المدن الموالية للجيش يشير إلى أن الجنود منقسمون على أنفسهم – مع أن النتيجة الرسمية كانت 78% لصالح التعديلات.

احتجاجات عادية وجبهة محتملة

لا يعني أيٌّ من هذا أن قوى الأمن ستنقلب ضد بوتين، أو أن أي أزمة خطيرة وشيكة. ومع تراجع حدة الاحتجاجات، من المرجح أن تقرر الحكومة بعد ذلك أن تكون أكثر حزمًا. ومع ذلك، فإن اضطرارها إلى الحذر عند استخدامها القمع يشير إلى أن الكرملين يدرك أنه سيكون من الحكمة عدم التمادي في اختبار ولاءات منفذيه.

كما أن هذا يفتح بابًا جديدًا للمعارضة – يقول جاليوني – مع استعداد أفراد قوات الأمن للتعبير عن سخطهم من الحكومة وظروفهم الخاصة. في مايو (أيار)، قُبض على فلاديمير فورونتسوف، الشرطي السابق المسؤول عن موقع «Police Ombudsman» المهتم بشكاوى الشرطة، في إشارة واضحة إلى حساسية السلطات حيال ذلك.

في هذه الأثناء، تواصل الناشط أليكسي نافالني بالشرطة والحرس الوطني على حد سواء، حتى بعد أن تحداه زولوتوف إلى مناظرة، في حين دعا عباس جالياموف، كاتب الخطابات السابق في الكرملين، الذي تحول إلى معارض، صراحة إلى بذل جهود لكسب قوات الأمن. إن احتجاجات خاباروفسك لن تُسقِط بوتين – لكنها أبرزت أن إحدى الجبهات الرئيسية في أي جهود مستقبلية لإسقاطه ستكون عبر كسب قلوب رجال الأمن وعقولهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد