نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية تحليلًا للكاتب سيث جيه فرانتزمان، تناول فيه الجدل الدائر بشأن مساعي قطر لشراء الطائرات المقاتلة الأمريكية من طراز إف-35 وما يمثله هذا الأمر من أخطار على التفوق الإسرائيلي العسكري النوعي في ظل علاقات قطر مع إيران وتركيا.

سباق نحو حيازة المقاتلة إف-35

يستهل الكاتب، المهتم بشؤون الشرق الأوسط، والذي غطَّى الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وثلاث حروب على غزة، تحليله قائلًا: إن قطر ربما تسعى لشراء طائرات الجيل الخامس من طراز إف-35 من الولايات المتحدة، وهو مطلب أثار الدهشة والاستغراب لأنه يأتي في أعقاب صفقة إماراتية-إسرائيلية وبعد شائعات أشارت إلى أن أبوظبي ربما تحصل على الطائرة أيضًا.

وتُعد طائرة إف-35 التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، أكبر شركة للصناعات العسكرية الأمريكية في العالم، الطائرة الحربية الأمريكية الأولى ذات القدرات المتقدمة. ويمتلك عدد قليل فقط من دول العالم، وجميعها من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة، هذه الطائرة الحربية.

Embed from Getty Images

وتُعد إسرائيل واحدة من تلك الدول التي تمتلك تلك الطائرة المتطورة، وأجرى الطيارون الأمريكيون والإسرائيليون على نحو متزايد عديدًا من التدريبات عليها هذا العام. وتسعى إسرائيل إلى الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة، مما يعني أن بيع الطائرة لأي دولة سيثير الدهشة، خاصة وأن قطر متَّهمة بأنها قريبة جدًّا من إيران ومن تركيا أيضًا، التي تتسم بالعدائية تجاه إسرائيل بصورة متزايدة.

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من نشر وكالة رويترز أنباءً عن الطلب القطري، فلم يكن هناك أي تأكيد رسمي لهذا الخبر، وما يزال من غير الواضح عدد الطائرات التي ربما تريدها قطر شراءها، أو كيف ستجري الموافقة على ذلك.

إف-35 باهظة الثمن وذات قدرات هائلة على التخفي

يلفت الكاتب إلى أن طائرة إف-35 باهظة الثمن؛ إذ تبلغ قيمتها حوالي 100 مليون دولار، وتعود أصول صناعتها إلى حقبة التسعينيات من القرن الماضي. وتُوصف الطائرة بأنها مقاتلة الضربة المشتركة، ولديها قدرات على التخفي. واشترت القوات الجوية الأمريكية هذه الطائرة منذ عام 2006، ثم اشتراها سلاح مشاة البحرية الأمريكية. وبحلول عام 2019، تسلَّمت القوات الجوية الأمريكية ما يقرب من 200 طائرة من طراز  إف-35، لكن عمليات التسليم تباطأت في الداخل والخارج بسبب أزمة فيروس كورونا المُستجد هذا العام.

وأفادت مجلة «ديفينس نيوز/ Defense News» بأن أقل من 141 طائرة كان من المقرر تصنيعها سيجري الانتهاء منها هذا العام. ويتمثل جزء من المشكلة في أن البرنامج يعتمد على حوالي 1.900 مورد. وحدث جدل في الماضي بعد أن كانت الولايات المتحدة بصدد بيع طائرات إف-35 لتركيا، ولكن يبدو أن برنامج المبيعات التركي قد جُمِّد بعدما حصلت أنقرة على نظام الدفاع الجوي الروسي إس-400 في عام 2017. وتلعب شركات الدفاع الإسرائيلية مثل (IAI) و(Elbit Systems) دورًا في تصنيع الطبقة الخارجية للأجنحة والخوذات الخاصة بالطائرة المقاتلة.

Embed from Getty Images

وتتضمن المبيعات الحالية للطائرة دولًا لعبت دورًا في البرنامج، مثل إيطاليا، وأستراليا، والمملكة المتحدة، وكندا، والنرويج، وهولندا، والدنمارك، بالإضافة إلى دول أخرى مثل سنغافورة، واليابان، وكوريا الجنوبية. وتُعد إسرائيل الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي استقبلت تلك الطائرات، وفتحت مجالها بالفعل لسربين من الطائرات، بالإضافة إلى طلبها خمسين طائرة وإمكانية طلب 25 أخرى. وأثبتت الطائرة جدواها لإسرائيل، وتشكل جزءًا أساسيًّا من الاستراتيجية التي تربط تل أبيب وواشنطن ورؤيتهما في المنطقة.

وترغب دولة الإمارات العربية المتحدة في شراء طائرات إف-35 أيضًا، وأشارت تقارير صدرت في شهر سبتمبر (أيلول) إلى أن أبوظبي قدَّمت طلبًا في هذا الشأن. وعلى غرار الأخبار الواردة عن طلب قطر، لا تتوفر التفاصيل الكاملة الخاصة بالصفقة. كما تشير التقارير إلى أن السعودية سترغب في شراء الطائرات.

اعتبارات بيع الأسلحة الأمريكية المتطورة

يقول الكاتب إن هناك عديدًا من الاعتبارات التي تدخل في بيع طائرات أمريكية متطورة إلى دول في الشرق الأوسط. وفي الماضي كانت هناك اعتبارات تتعلق بتوازن القوى. كان هذا هو الحال في سبعينيات القرن الماضي عندما فكرت الولايات المتحدة في بيع طائرات إف-15 إلى المملكة العربية السعودية.

والقضية الأخرى في هذه الاعتبارات هي الوقت. فالأمر يستغرق سنوات حتى تواصل الدول شراء المعدات العسكرية الأمريكية. وهذا الأمر صحيح، سواء كانوا يمتلكون بالفعل المعدات أم لا. والموافقات على عمليات الشراء بطيئة، وكذلك الطلبات ودراسات الاحتياجات. كما أن صناعة الطائرات نفسها تستغرق وقتًا.

وبالنظر إلى تاريخ طائرات إف-35، يتضح أنه حتى لو بِيعَت إلى دول الخليج، فإنها ستُباع بأعداد قليلة. وسنغافورة، على سبيل المثال، استحوذت على أربع طائرات فقط، مع خيار لحيازة ثماني طائرات أخرى. وفي بعض الأحيان، تُعد مبيعات طائرات إف-35 أمرًا رمزيًّا، أكثر من كونها بالضرورة عامل تغيير في قواعد اللعبة بالنسبة لدولة خليجية. ومع ذلك، فإن الرمزية مهمة؛ إذ تتنافس قطر والإمارات على النفوذ في واشنطن.

قطر لاعب ذو شأن في المنطقة

ويشير الكاتب إلى أنه منذ عام 2017، كانت هناك أزمة خليجية قادت فيها السعودية دول الخليج الأخرى إلى قطع العلاقات مع قطر. وتُعد قطر أقرب إلى إيران من جيرانها، وتعمل أيضًا على نحو وثيق مع تركيا. كما استضافت الجهاديين في المنطقة وقدَّمت لهم الدعم، وهم مرتبطون في الغالب بجماعة الإخوان المسلمين، بحسب ترجيح التقرير. ويُنظر إلى هذا الأمر على أنه سيف ذو حدين؛ لأن دعم قطر لهذه الجماعات يعني أنها تستطيع أن تروج نفسها لدى الولايات المتحدة بأنها الدولة الوحيدة التي تؤثر في جماعات مثل حماس أو طالبان.

Embed from Getty Images

وفي واقع الأمر، أصبحت قطر قناةً رئيسةً للدعم المالي المُقدَّم إلى غزة والذي تُسهِّل إسرائيل من إجراءته وتفسح له المجال، وتستضيف قطر كذلك محادثات السلام مع طالبان، وهكذا تكتسب الدوحة نفوذًا إقليميًّا. يضيف الكاتب: «بدلًا من وقوف قطر في وجه التطرف، نجد أنها تستضيفه، ثم تقول إنه من الممكن أن نطلب من المتطرفين أن يمارسوا تطرفهم بلطف. وبدلًا من أن يؤدي هذا إلى انتقاد الولايات المتحدة لها انتقادًا لاذعًا، كان لقطر تأثير شبه مهيمن في وسائل الإعلام الأمريكي والدوائر الحكومية الأمريكية. كما تستضيف سياسيين وشخصيات مؤثرة من اليسار واليمين، حتى إنها تدعو النشطاء المؤيدين لإسرائيل للقيام بزيارات من أجل مقابلة أمير البلاد».

لقد سَعَت قطر لإقامة علاقة «استراتيجية» مع الولايات المتحدة لإضفاء الطابع الرسمي على تحالفها؛ إذ تستضيف قاعدة «العديد» الجوية الأمريكية، وأجْرَت ثلاث جولات من المحادثات الاستراتيجية مع واشنطن. وقد تبيَّن أن تلك المحادثات في سبتمبر جاءت في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تضع اللمسات الأخيرة على «اتفاق إبراهيم» مع الإمارات والبحرين. باختصار، اتفقت هاتان الدولتان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ويبدو أن قطر تحظى بكل الحوار الاستراتيجي وكل الدعم.

وهناك اعتبارات أخرى أيضًا. إن الولايات المتحدة لا تريد إحداث التوازن بين القوى في المنطقة وبين الخصومات الخليجية فحسب، ولكنها أيضًا لا تريد دولًا مثل قطر أن تنضم إلى مصاف الدول المُنافِسة. على سبيل المثال، لقد يَمَّمَتْ تركيا وجهها بالفعل شَطْر روسيا، ويشتري عديد من الدول طائرات من دون طيار من الصين. وتُفضِّل الولايات المتحدة أن تعتمد هذه الدول على أنظمة الأسلحة والمبيعات الأمريكية. ومع ذلك، هناك مشكلة أخرى.

التودد إلى طهران

وألمح الكاتب قائلًا: بالعودة إلى عام 2015، سَعَت دول الخليج للحصول على مزيد من الطائرات الحربية خلال حقبة الاتفاق النووي الإيراني. لقد اعتقدت هذه الدول أنه إذا كانت الولايات المتحدة ستدعم خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، فإن إيران القوية ستحصل على المزيد من الأسلحة وتهددها. ووفقًا للتقارير المنشورة، طلبتْ دول الخليج الحصول على طائرات في ذلك الوقت، بما في ذلك مقاتلات إف-35. ولم تحصل على مقاتلات إف-35 في ذلك العام؛ ومرت الآن خمس سنوات ولم يتحقق لها ما أرادت.

خلال تلك السنوات الخمس اختارت قطر أن تكون أكثر توددًا إلى طهران، حتى لا تتعرض للتهديد وللتحوط من رهاناتها على العمل مع الولايات المتحدة. واختارت دول أخرى، مثل السعودية والإمارات، مسارًا مختلفًا، وسَعَت إلى إقامة علاقة أوثق مع إدارة ترامب وكذلك إسرائيل ومصر واليونان وقبرص، من أجل مواجهة الإخوان المسلمين وحماس وحزب الله.

Embed from Getty Images

ولكن قطر سَعَت إلى تقويض الدعم التقليدي الذي تلقته الرياض في واشنطن، بالعمل مع وسائل الإعلام الرئيسة والشخصيات المؤثرة، لتصوير المملكة العربية السعودية بوصفها دولة مارقة وغير مستقرة أو سلطوية. ويضيف الكاتب: «يُعد هذا الاتهام الأخير مثار سخرية؛ لأن الدوحة أيضًا دولة ملكية. ومع كل هذا، انقسم الشرق الأوسط بين أنظمة سلطوية في قطر وتركيا، وهما دولتان حليفتان، والإمارات والسعودية – وإيران وأصدقائها. وتعمل طهران مع موسكو وأنقرة على نحو متزايد، بينما تشعر دول الخليج الجنوبية بالقلق من نفوذ تركيا المتنامي».

وبذلك، سيكون لقرار الولايات المتحدة بشأن طائرات إف-35 تداعيات كبيرة على المنطقة. وإذا رفضت طلبات أيٍّ من أبوظبي أو الدوحة، فمن المحتمل أن يُعد ذلك تحقيرًا لهما. وإذا باعتهم عددًا رمزيًّا من الطائرات، الأمر الذي سيستغرق سنوات لإتمامه، فسوف يُفسَّر ذلك بأنه دعم لهما.

وإذا ما حدث ذلك، فستكون هناك أسئلة عالقة بلا إجابة حول سبب مكافأة قطر بالطريقة نفسها التي تُكافَأ بها الإمارات، على الرغم من تطبيع الإمارات للعلاقات مع إسرائيل. وجوهر السؤال هو: ما الذي فعلته قطر لتستحق الحصول على المقاتلات؟ ولكن إذا باعت الولايات المتحدة الطائرة لدولة واحدة فقط دون الأخرى، فسوف يُعد ذلك ضربًا من المحاباة. وبالإضافة إلى ذلك، أعربت إسرائيل عن قلقها بشأن الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، وهذا سيؤخذ في الحسبان أثناء اتخاذ القرار.

وفي النهاية، تقف إدارة ترامب على مشارف انتخابات رئاسية؛ لذا من المحتمل ألا تتخذ القرار بسرعة، وقد تكون هناك عقبات أخرى في الكونجرس. وهذا يمكن أن يُلقِي بالكرة في ملعب الإدارة المقبلة.

منطقة الشرق

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: لماذا ينبغي على أمريكا ألا تبيع طائرات إف-35 إلى الإمارات؟

تُعد طائرات إف-35 جزءًا رئيسًا من دبلوماسية المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وهي طريقة تُظهِر من خلالها الولايات المتحدة مَنْ هم أصدقاؤها الحقيقيون وتنسج خيوط نظام تحالف عالمي. ولتحقيق هذه الغاية، من المحتمل أن ترغب الولايات المتحدة في تحقيق مزيد من المبيعات في الشرق الأوسط لأن طائرات الجيل الخامس المقاتلة تعمل جيدًا معًا؛ ومن ثم يمكن للولايات المتحدة القيام بتدريبات مشتركة مع الإمارات وإسرائيل وتستخدم في ذلك طائرات إف-35 الخاصة بها.

واختتم الكاتب مقاله مستدركًا: لكن هذا طريق طويل في المستقبل. وإذا أنْصَتنا إلى التاريخ، فسوف يخبرنا بأن هذه البلدان لا يمكن أن تتصور الحصول على سرب من الطائرات قبل عام 2025. ويمكن أن تتغير كثير من الأوضاع في غضون خمس سنوات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد