في أحد أركان الدوحة القديمة، تقبع مستشفى مخصصة للصقور دونًا عن غيرها من أعضاء المملكة الحيوانية. تتمتع الصقور هنا بأحدث التقنيات الطبية والمسوحات والعمليات الجراحية وحتى العناية الجمالية لإحياء هوايةٍ محليّة عمرها قرون. يتناول تقرير حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» مستشفى سوق واقف المخصص للصقور، وكيف تقدم الخدمة الطبية هناك.

تبدأ المواعيد في مستشفى الدوحة للصقور باكرًا، لكن يمكنك تجاوز الدور إن امتلكت النسبَ الصحيح. المصدر

 

عناية فائقة

بمجرد أن تُفتح أبواب العيادة، يدلف المرضى وأولياء أمورهم إلى الداخل. تمتلئ مقاعد غرفة الانتظار بمشاعر القلق والسأم المتمازجة، فيما يلحّ البعض على موظفي الاستقبال المجتهدين للمطالبة برؤية مرضاهم على الفور. تتشابه أجواء المشفى هنا مع أيّ مشفى في العالم، لولا عشرات الصقور المتربّعة على أيدي مواطنين لبلدٍ يحترم الصقور كما لا يحترم عضوًا آخر من مملكة الحيوانات.

تقف منشأة مشفى سوق واقف للصقور شامخةً بأبوابها المزدانة برسومِ الصقور. لا تتشابه هذه المشفى مع المستشفيات العادية، فهي مخصصة بأكملها لعلاجِ نوعٍ من أنواع الطيور الجارحة، وتقع في إحدى زوايا الميدان الرئيسي لمركز الدوحة القديمة، تمامًا عند المكان التاريخي الذي تجمع فيه آلافٌ من مشجعي كرة القدم لحضور كأس العالم للاتحاد الدولي لكرة القدم.

للصقرِ دورٌ كبير في ثقافة قطر وتاريخها المحليّ، والمشفى يدعمها حاكم قطر. المصدر

في قطر – كما هو الحال في بلدان خليجية أخرى- يستوفي الصقر مجموعة متنوعة من الأدوار، من حيوانٍ أليف، إلى رمزٍ للمكانة، إلى لاعبٍ تنافسيّ للسباقات الخاصة. علاوةً على ذلك، تشكّل الصقور رابطًا مهمًّا وقيّمًا للثقافة البدوية القديمة في المنطقة.

قد تُشترى الطيور الأكثر رواجًا وطلبًا الآن مقابل بضعة آلافٍ من الدولارات، ومع ذلك قد يساوي أفضلها بضعة ملايين للرجال المستعدّين لدفعِ ثرواتٍ مقابل تنمية هوايةٍ عمرها قرون في هذا البلد الأغنى في العالم –ينوّه التقرير هنا إلى أن التعامل مع الصقور حصريٌ للرجال عمومًا- وحين تُصاب تلك الطيور أو تمرض، يجد المسؤولون عنها أنفسهم في مستشفى سوق واقف منتظرين أدوارهم لتلقّي العلاج.

فتيةٌ يقيسان صقرًا في متجر، تُؤخَذ الصقور الجديدة عادةً إلى مستشفى سوق واقف مباشرةً لإجراء الفحوصات. المصدر

أيدٍ مدرّبة

يورد التقرير مثالًا عن كيفية سير الأمور في مستشفى الصقور: ثلاثة مسعفين يتجمعون حول المريض، أشعةٌ سينيّة لكامل جسم الصقر متوهّجة على الشاشة في زاوية الغرفة، فيما يراقب جهاز العلامات الحيوية مصدرًا صوتًا منتظمًا. حُددّت إصابة المريض العاجلة – وتمثلت بحالة حادّة من إمالة الرأس- لكن ما سبب حدوثها أساسًا؟ هل أُصيب الصقر بشيء؟ أم هي الأنفلونزا؟ أم أمرٌ أسوأ حتى؟ في كل الحالات ليس في العالم كله مكانٌ أفضل لمعرفة السبب أفضل من هنا.

تجني الصقور وأصحابها ثمار التقدم التكنولوجي في مشفى سوق واقف القطري.  المصدر

يعرّج التقرير على براسون إبراهيم – 38 عامًا- الذي عمل في المستشفى لمدة ثماني سنوات متتالية، ولكن الدهشة ما تزال تغمره كلما تأمل في الموارد المتاحة له في هذا المكان. يجلس إبراهيم في غرفة الانتظار المزدحمة، التي تشابه أيّ غرفة طوارئ مستشفيات في العالم لولا أن كل شخص يحمل بهدوء طائره الجارح معلّقًا على قفازه. يردّد إبراهيم سريعًا كل خيارات العلاج والمعدّات الخاصة الفريدة التي يقدمها المستشفى للصقور: اختبارات الدم والكلى، بدائل الأرياش، التنظير الداخلي وغيرها وغيرها من أمور وأدوات يعددها تتاليًا حتى يتوقف بالنهاية ليتلقط نفسه معقّبًا: «لدينا كل شيء».

يأتي إبراهيم من جنوب الهند مثل غالبية أعضاء المشفى، ويحمل درجة الدكتوراه في البيولوجيا الجزئية، وقد عمل في مستشفى عادي قبل منصبه الحالي هذا. ومثل زملائه يردّد أنه لم يعمل مطلقًا في مكانٍ يتمتع بمجموعةٍ من أحدث التقنيات كما هو متاحٌ له الآن، مضيفًا وعيناه تتوسعان: «في مختبري، رأيتُ مُسلسِلَ الجينات للمرة الأولى».

أُنشئت هذه المشفى بدعمٍ من حاكم قطر، وتُعالج حوالي 150 صقرًا في اليوم. يتوزّع البناء على طوابق عدة، وتأتي معظم الطيور ليفحصها أصحابها بعد شرائها من المتاجر المخصصة، أو للتمتّع بما يطلق عليه الموظفون «ماني- بيدي» وهو ما يعادل تدريم الأظافر والعناية بها للصقور، حيث تُشذّب ويُعتنى بمنقارها ومخالبها وهي تحت التخدير العام. تُزود الصقور أيضًا بأجهزة إرسالٍ لاسلكية وأجهزة GPS – لتحديد المواقع- ليتمكن أصحابها من تتبعها ومراقبتها في أثناء إخراجها للصيد. توصل الأجهزة عادة بالريش الخلفي، على الرغم من احتياج بعضها لعملية زرعٍ جراحية.

صقرٌ ينتظر الفحص بالأشعة السينية.  المصدر

أخطر التدخلات تكمن في الجراحات العظميّة –لإصلاح كسر العظام والتي تعني الموت المحتوم للصقر الذي يعيش في البرية- وتُجرى في وحدةٍ خاصة للمرضى الداخليين في طابقٍ آخر.

تُحظر منطقة العلاج العام على الجميع، إلا الموظفين والمرضى. وينقسم فيها الفنيون إلى تخصصات مختلفة مع بقاء المساحة المركزية للعمال المديرين لمجموعة الحواسيب. يشرح التقرير كيف يحلّلون عينات الدم والبراز والمسحات الحلقيّة تحت المجاهر ذوات القوة التكبيرية العالية، والتي تعرض الصور على شاشاتٍ عملاقة. تُعلم أيّ تفاصيل غير مألوفة ليطّلع عليها حفنة من كبار المسعفين من الطاقم الطبي والذين يحومون في المنطقة ببدلات عملهم الخضراء.

يسلّط الضوء على جانبٍ آخر من المشفى، حيث تنشغل مجموعة أخرى بمحاولة استبدال ريشة ذيلٍ مفقودة لأحد صقور الشاهين باهظة الثمن. يشرح الفنيّ المختص عبد الناصر باروليل للصحيفة: «يختلف النمط لكل نوع، ولكل ريشة يختلف النمط». يفتح أحد الأدراج ليكشف داخلها عن مجموعة مدهشةٍ شديدة التنوع لأنماط الريش بأطوالٍ وألوانٍ وتنسيقات مختلفة: «يتعيّن علينا أن نجد النمط الصحيح».

مجموعاتُ من الريش البديل، وهو مجرد خيار من طيفٍ واسع للإجراءات التي توفّرها المستشفى للصقور. المصدر

ورغم الصمت الذي يعمّ القسم هنا –إذ إن المريض تحت التخدير في هذه الغرفة- تصدر أصوات صاخبة من غرفةٍ أخرى ذات جدرانٍ زجاجية. في إحدى الغرف، يحقن فنيٌ سوائل تحت أجنحة الصقور الذي يعاني من الجفاف، وهي مشكلة شائعة لنوعٍ لا تلائمة حرارة الخليج المرتفعة دومًا، علمًا أن موسم الصيد بالصقور يقتصر على أربعة أشهر تقريبًا في فصل الشتاء.

يقرّ العديد من الموظفين بتعلمهم الحرفة ضمن العمل نفسه، إذ لم يتدرب أغلبهم على العمل مع الصقور قبل الانتقال لهذه المشفى، أو تولي منصب فيها، أو في مرافق مماثلة في المملكة العربية السعودية، أو الإمارات العربية المتحدة. لدى البعض خلفية في الرعاية الصحية – مثل حالة براسون- لكن البعض الآخرين لا علاقة لعملهم الحاليّ أبدًا بما كانوا يفعلونه في أوطانهم سابقًا قبل أن تُقدم لهم الإغراءات الخليجية والوعود بالأجور العالية.

ينتقل التقرير لجاهانغير محمد والذي كان يشذّب منقار طائر السنقر بجهازٍ يشابه ماكينة الصنفرة الكهربائية فيما يتطاير الغبار، ليروي كيف كان مدرّبًا للفنون القتالية في ولاية كيرلا مسقط رأسه في الهند، وحمله للحزام الأسود ذي الدرجة الثالثة، قبل أن يأتي إلى قطر ويمضي أكثر من 10 سنوات فيها حتى لحظة كتابة التقرير. يقول محمد: «لم أكن أفهم شيئًا في السابق. أتيتُ إلى هنا وتمرّستُ من خلال المراقبة».

ويلسون جوزيف ذو الأربعة وخمسين عامًا هو أحد أكبر العاملين في المستشفى سنًّا واحترامًا، وقد دخل عامه العشرين في العمل مع الصقور. بدأ جوزيف محاسبًا في منشأةٍ طبية صغيرة في المملكة العربية السعودية، وكان قبلها محاميًا جنائيًّا في الهند. لم يسبق له أن رأى صقرًا قبل أن يأتي إلى الخليج، ناهيك عن علاجه، ولكن الحال يتلخّص بقوله: «أردتُ أن أرعى أسرتي وأحصل على عوائد أفضل».

يشحذ مساعدو الأطباء البيطريين منقار الصقر ومخالبه أيضًا إذا تطلب الأمر. المصدر

قواعد تراتبية

كما هو حال العديد من المؤسسات القطرية، يُفرض تسلسلٌ هرميّ صارم فيما يتعلق بغرفة الانتظار لمستشفى الصقور. توجد أنظمة التذاكر المرقّمة في المشفى، لكن هناك طرقًا لتجاوز الدور أيضًا: تُمنح الأولوية لأفراد العائلة الملكية القطرية ممن يأتون حاملين صقورهم، ومن ثم يجري التعامل مع المواطنيين القطريين والأجانب، وعادةً ما يُرسل الموظفون وخدم المنازل الجنوب آسيويين نيابةً عن أرباب أعمالهم.

توفر غرف الانتظار أماكن جلوس للبشر والصقور على حد سواء.  المصدر

التجاوزات والتقلبات في هذا النظام تعني احتمالية انتظارٍ طويل للمعايدين، وتقدّم هذه التأخيرات مساحةً لتبادل الثرثرة والنكات، والتسرية عن الهموم عمومًا.

ينتقل التقرير إلى الصيدلية الداخلية، حيث يقف شاغول حامد ذو السابعة والعشرين من عمره، والذي قضى خمس سنواتٍ يعمل داخل منزل أحد أفراد عائلة آل ثاني القطرية المالكة، وكيف كان يجد بعض الصعوبات الأولية في البداية، وقد أوجد نوعًا من التواصل مع الصقر في مناوبته الآن. يحكي حامد وهو يرفع الغطاء الصغير عن رأس طائره: «انظر! لم يعد يعضني الآن».

ينضم للمحادثة أحد معارف حامد مشاركًا بالتعبير عن دهشته عن كمية المال والوقت الذي يستعد المالكون لبذله على الصقور. يتعجب حامد أكثر من المودة الهائلة التي يوليها بعض أصحاب الصقور لصقورهم المحبوبة، المليونيرات أو حتى المليارديرات أحيانًا، واستعدادهم للقيام عند الفجر حتى لمرافقة صقورهم المريضة إلى المستشفى للعناية بها. يقول حامد: «يعتنون بصقورهم بالطريقة نفسها التي يعتنون بأطفالهم»، ومن ثم يصحّح لنفسه مضيفًا: «في الواقع، إذا مرض طفلهم سيرسلون السائق أو الخادمة أو الزوجة إلى الطبيب. لكن إذا مرِض الصقر، سيذهب رجل المنزل بنفسه».

رياضة

منذ 5 شهور
«الجارديان»: كيف أنشأت قطر أول ملعب مكيف في العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد