أكثر من عامٍ مرّ على بدء الأزمة الخليجية وحصار قطر وما تبع ذلك من تغيرات في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي على الصعيدين السياسي والاقتصادي، لكن هذه الأزمة ساعدت القطاع الغذائي الزراعيّ في قطر كما يشير تقرير لـ«سيباستيان كاستيلير» منشور على موقع «ميدل إيست آي» وهذه الترجمة الكاملة للتقرير:

حبات الطماطم الطازجة تجهّز لعمليات التوزيع في «أجريكو»، المصدر: «ميدل إيست آي»

في الصحراء القاحلة المحيطة بمدينة الخور، على بعد 50 كيلومترًا إلى الشمال من العاصمة الدوحة، تمرّ بعض الجِمال لتكسر صمت الكثبان الرملية المتدحرجة.

يمكن أن ترتفع درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، ما يتسبب بجفاف التربة ووعورتها. لكن ومع قساوة هذه الأرض التي لا ترحم، فإن مشهد الهياكل الزجاجية الضخمة التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الحارقة يدلّ على التطور الزراعيّ الناجح وسريع التوسع تحت إدارة القطريين.

يذكر ناصر الخلف المدير العام لشركة «أجريكو» أن: « الهيكل المعدني للبيت الزجاجي ذاب بسبب الحرارة». على الرغم من المناخ الصحراوي في قطر، أنشأت عائلة الخلف مشروع أجريكو الزراعي عام 2012، وذلك بعد عقودٍ من إنشاء الشركة في خمسينيات القرن العشرين، إذ كانت تعمل أساسًا في استيراد الموارد الغذائية.

ناصر الخلف المدير العام لـ«أجريكو» وهو يتفقد نبات الطماطم، المصدر: «ميدل إيست آي»

تعمل المزرعة على مدار السنة، وتعتبر واحدةً من أكبر المشاريع الزراعية المستدامة وطويلة الأجل في قطر، ووفقًا لناصر الخلف تنتج المزرعة يوميًّا بشكل متوسط خمسة أطنانٍ من الخضار والفواكه العضويّة والخالية من المبيدات.

ومع ابتسامةٍ واسعة، يضيفُ الخلف: «ليس الزوار الأوروبيون وحدهم من يندهشون. يصعب على القطريين أنفسهم تصديق أنه يمكن زراعة أيّ شيء هنا».

أحدث التقنيات

في يونيو (حزيران) 2017، فرضت السعودية والإمارات العربية المتحدة حصارًا جويًا وبحريًا وبريًا على قطر، متهمين إياها بدعم جماعاتٍ متطرفة وبعضها مدعوم من إيران. وسرعان ما حذا حذوها مصر والبحرين وحلفاء آخرون. تنفي قطر هذه المزاعم جميعها، وتقول إن الحصار يهدف إلى تحييد سياستها الخارجية المستقلة، والتي تدعم الإصلاح السلمي في الإقليم.

منذ بدء الحصار يقول الخلف إن إنتاج أجريكو قد تضاعف، وهذا التوسع كان ممكن التحقيق بفضل سنواتٍ من التجارب لتطوير أحداث التقنيات الملائمة للتحديات البيئية.

يصعب على القطريين أنفسهم تصديق أنه يمكن زراعة أيّ شيء هنا.

صُممت المحميات الشاملة لتعمل بأقل الموارد. تعتمد الزراعة المائية على استخدام محلولٍ غنيّ بالمغذيات لجذور النباتات عوضًا عن التربة، أما نظام الاستشعار المتطور للرطوبة والحرارة وضوء الشمس فيزيد من المحصول عبر ضمن نمو النباتات في الظروف المثلى؛ حيث تكون في مأمنٍ من درجات الحرارة المرتفعة خارج الهياكل الزجاجية.
يقول الخلف أنهم بدأوا ببيع هذه التكنولوجيا لمزارعين قطريين آخرين، بغية تشجيع التطور في القطاع الزراعي تحت شعار «صُنِع في قطر».

عمال يقومون بالصيانة في حقلٍ زراعي تابع لـ«أجريكو»، المصدر: «ميدل إيست آي»

قبل وبعد الحصار

بعد 16 شهرًا من الحصار الذي قادته السعودية ضد قطر، أعادت الأخيرة هيكلة مسارات الاستيراد والقطاع الزراعيّ.

كانت قطر تستورد نحو 80% من احتياجاتها الغذائية من جيرانها العرب قبل الحصار، وخاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية. يقول فالح بن ناصر آل ثاني، الوكيل المساعد لشؤون الزراعة والثروة السمكية بوزارة البلدية والبيئة القطرية: «كانت أسعار المنتجات المستوردة منخفضة للغاية ما جعل المزارعين القطريين غير قادرين على منافستها آنذاك». بعد إغلاق حدود قطر البرية الوحيدة عام 2017، فُتحت طرق جديدة للتجارة البحرية والجوية، لا سيما إلى إيران وتركيا وباكستان.

زاد إنتاج المزارع القطرية بنسبة 300% ما بين عاميّ 2017 و2018، وأصبحت قطر تلبّي أكثر من 90% من احتياجاتها من الدجاج ومنتجات الألبان بشكلٍ محليّ.

ضمن الساحة المحلية، يقول فالح بن ناصر آل ثاني إن الإنتاج المحلي كان يغطّي 15% فقط من طلب الخضار المحليّ قبل الحصار. ومن بين 1400 مزرعة تعمل في قطر، ثلثا هذه المزارع غير تجاري وتملكها أسرٌ لتغطية استهلاكهم الشخصيّ. ووفقًا للمعلومات التي أرسلتها غرفة تجارة قطر لـ«ميدل إيست آي»، فقد حدثت زيادة بقدر 300% في إنتاج المزارع القطرية ما بين عامي 2017 و2018. وذلك أوصل قطر الغنيّة بالغاز ومضيفة كأس العالم لعام 2022 إلى تلبية أكثر من 90% من احتياجاتها من الدجاج ومنتجات الألبان وفقًا لآل ثاني.

بقر ضمن مزارع «بلدنا»، والتي تعتبر واحدة من أكبر منتجي الألبان واللحوم في قطر. المصدر: «ميدل إيست آي»

يضيف فالح بن ناصر آل ثاني أن الوزارة ستعطي مليون متر مربع من الأراضي الزراعية للمزارعين القطريين وذلك حتى نهاية عام 2018: «الهدف هو إنتاج عشرين إلى ثلاثين ألف طنّ من الخضار على أساسٍ سنويّ».

تأملُ قطر في أن تتمكن من إنتاج 60% من احتياجاتها للخضار في غضون ثلاث سنوات.
*فالح بن ناصر آل ثاني، الوكيل المساعد لشؤون الزراعة والثروة السمكية

عسلٌ قطريّ

في أحد الأزقة الضيقة في «سوق واقف»، وهو سوقٌ شعبيّ تقليدي في الدوحة، يلتقي الموقع بخالد سيف السويدي صاحب مقهى ومناحل أبو سيف وهو أيضًا منتج رئيسي للعسل القطري مع أكثر من ألف خلية موزعة في أنحاء البلاد. يتخصص مقهاه ومتجره بمنتجاتٍ متنوعة مثل الكعك والمشروبات المصنوعة جميعها من العسل، وعن ذلك يعلّق السويدي: «تقليديًا كان العسل يُهدى ويُقدّم باعتبارِه رمزًا للصداقة».

أواني العسل ومنتجاته للبيع في مقهى ومناحل أبو سيف في الدوحة، المصدر: «ميدل إيست آي»

شُغِف السويدي بالنحل منذ طفولته، ويعترف الآن وهو يبلغ من العمر 43 عامًا أن والده لم يكن يريده أن يكون مربّي نحل، وكان يشجعه على السعي وراء وظيفةٍ حكومية ومسارٍ مهنيّ تقليديّ، لكن السويدي قرر اتّباع شغفه، وفي هذا الخصوص يعبّر قائلًا: «لم أستمع إليه لحسن الحظ».

تعمل مناحل أبو سيف منذ عام 2010، وقد أنتجت العام الماضي ما مقداره 10 أطنانٍ من العسل. كان الإنتاج كافيًا لتلبية الطلب قبل الحصار، لكن الأمر تغير. نفد العسل «المصنوع في قطر» في شركة أبو سيف لعدة أشهر من بدايات 2018، ووفقًا للسويدي فإن هذا يعود لارتفاع المشاعر القومية والطلب المحلي على المنتجات القطرية: «الجميع يريدُ العسل المصنوع في قطر». وفي هذا السياق، يقول مديرٌ في سلسة متاجرٍ كبيرة -فضل عدم ذكر اسمه لكونِه غير مخوّل بالتحدث لوسائل الإعلام، أن في فترة قبل الحصار كان هنالك طلبٌ على عسل السدر اليمني، والذي كان يستورد عبر السعودية.

خالد سيف السويدي، منتج رئيسي للعسل القطري وهو ضمن واحدة من مناحلِه في قطر، المصدر: «ميدل إيست آي»

للحفاظ على حجم إنتاجٍ كافٍ على مدار العام، لجأ السويدي إلى إنشاء خلايا نحل إضافية في سلطنة عمان، والتي نأت بنفسها عن جيرانها الخليجيين مبقيةً علاقتها مع الدوحة تعاونيّة طوال فترة الحصار. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من عسل أبو سيف مصنوعٌ في قطر، فإن الإنتاج المحليّ ما يزال غير قادرٍ على تلبية الطلب المرتفع بعد الحصار.

يرغب السويدي في تشجيع القطريين على مشاركته شغفه في إنتاج العسل، ولذا يوفر للمواطنين إمكانية امتلاك خلاياهم الخاصة مقابل رسوم معينة. تعدّ خلايا النحل في الهواء الطلق وتتولاها مناحل أبو سيف بالصيانة والعناية، يعقب السويدي: «يحب الناس الآن تقديم العسل المنزليّ».

فخرٌ وطنيّ

ظهر نهجٌ استهلاكيّ جديد، بعد موجة الشراء السريعة لكل ما هو مصنوعٌ في قطر في الأيام الأولى للحصار. وفي هذا السياق، صرّح نبيل الناصري -مدير مركز «مرصد قطر» الكائن في باريس- للموقع: «أصبحت علامة «صُنِع في قطر» هوسًا لأن البلد لم يعد يرغب في أن يكون عرضة للهجوم»، مشيرًا إلى أن ازدياد الزراعة القطرية مرتبط أيضًا بالفخر الوطني الذي تبِع الحصار.

وضمن «الميرة» إحدى سلاسل المتاجر الكبيرة الرائدة في قطر، والتي تضم 43 سوبر ماركت ومتجرًا في جميع أنحاء البلد، يقول أحد المديرين وقد طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخوّل بالتعليق: «هنالك ما قبل وما بعد الحصار».

يسعى الكثيرون بجد للحصول على المنتجات المصنوعة محليًا أو تلك التي تحمل ملصق «صُنِع في قطر» لدعم الاقتصاد المحليّ، ووفقًا للمدير فإن وضع هذه الملصقات لم يكن أمرًا شائعًا قبل الحصار، ولكنها توضع الآن على جميع المواد الغذائية المنتجة محليًا ويمكن رؤيتها بوضوح في كل المتاجر لتعزيز المبيعات.

منتجات غذائية للبيع مع علامة إنتاجها في قطر، ضمن متاجر الميرة في الدوحة، المصدر: «ميدل إيست آي»

يقول كريستيان هندرسون –أستاذ مساعد في دراسات الشرق الأوسط في جامعة لايدن، ويجري بحثًا أكاديميًا حول إنتاج الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي-: «أرادت النخبة الحاكمة في قطر تشجيع الحسّ الوطني، و(تطوير قطاع الغذاء المصنوع في قطر) كان أحد الوسائل لتحقيق ذلك».

بالإضافة لما سبق، تنظم غرفة تجارة قطر معرض «صنع في قطر» سنويًا منذ عام 2009، ويقدم منصة لقطاع الأغذية الزراعية للترويج للمنتجات المحلية. وستعقد دورته القادمة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2018 في العاصمة العمانية مسقط.

ثمن الإنتاج المحليّ

لزيادة الإنتاج المحلي ثمنها فالمنتجات الغذائية أكثر تكلفة. تشير التقديرات التي قدمتها وزارة البلدية والزراعة القطرية للموقع أن كيلوجرام من الطماطم يباع في محلات المدينة بتكلفة ترتفع بنسبة 60% في عام 2017 مقارنة بعام 2016، وذلك أثر على الأسر ذات الدخل المنخفض.

ويؤكد فالح بن ناصر آل ثاني أنه في السنوات القليلة المقبلة ستكون قطر أكثر استقلالًا فيما يتعلق بالطلب على الخضار، موضحًا: « تأملُ قطر في أن تتمكن من إنتاج 60% من احتياجاتها للخضار في غضون ثلاث سنوات». لكن هندرسون يعتقد أن المقيمين القطريين تميل أذواقهم نحو الأغذية المستوردة ولا يمكنهم الاستغناء عنها: «لدى سكان قطر أذواقٌ عالمية فيما يتعلق بالطعام، ويجب استيراد معظم ذلك».

عمال تابعون لـ«أجريكو»، المصدر: «ميدل إيست آي»

حدود النموّ

يمكن أن تحدّ العوامل البيئية من خطة قطر الطموحة. 6% من الأراضي القطرية صالحة للزراعة بسبب المناخ الصحراوي القاحل وموارد المياه الشحيحة. ووفقًا لتقريرٍ صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن تطوير القطاع الزراعي محدودٌ بعوامل «مثل الموارد المائية النادرة، وسوء نوعية المياه، والتربة غير الخصبة، والظروف المناخية القاسية وسوء إدارة المياه».

يتسم فالح بن ناصر آل ثاني بالواقعية حينما يتعلق الأمر بضرورة تحديث القطاع الزراعي من خلال استخدام أحدث التقنيات لمواجهة ندرة المياه وملوحتها. وفي ذلك يوضّح: «لقد انخفضت نوعية المياه الجوفية منذ السبعينيات، وهي تصبح أكثر ملوحة»، ووفقًا لكلامه فإن المزارعين القطريين يستخلصون المياه الجوفية لريّ 93% من حقولهم، وذلك لزراعة تربةٍ مكونةٍ بشكل أساسي من مناطق صحراوية صخريّة.

وللتغلب على مسألة المياه الشحيحة، تعتمد شركة «أجريكو» نظام الريّ بالتنقيط والذي يوفر إمدادًا بطيئًا من المياه يُسحب من موارد المياه الجوفية مباشرةً إلى التربة، ما يقلل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 60%. وتوفر هذه التقنية سنويًا مئات الآلاف من الأمتار المكعبة من المياه وفقًا لناصر الخلف.

ختامًا وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحصار، ومع اتخاذ قطر خطواتٍ جادة لتحقيق مزيدٍ من الاستقلالية، فإنه وكما يصوغها السويدي: «الحصارُ فرصة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات