ما بين الدعوى القضائية التي رفعتها قطر ضد السعودية بتهمة القرصنة مطالِبَة بتعويض تبلغ قيمته مليار دولار، وفشل صفقة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نادي نيوكاسل الإنجليزي، كانت كرة القدم ساحة مُصَغَّرة للمنافسة بين الرياض والدوحة؛ كما يشرح ريحان الدين، الكاتب المستقل المقيم في لندن، عبر تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي». 

يبدأ التقرير بالإشارة إلى ما حدث مؤخرًا، إذ اتفقت السعودية وثلاثة من حلفائها (الإمارات، والبحرين، ومصر) على إنهاء الحصار المستمر منذ ثلاث سنوات ونصف على جارتهم قطر. صحيحٌ أن قرار استعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية قد يكون له تأثير كبير على عدة أصعدة، مثل: الطيران، والتجارة، والدفاع، بيدَ أن هذه الانفراجة الخليجية سيكون لها أيضًا تأثيرات كبيرة على الرياضة، وخاصة كرة القدم، بحسب القرير.

يشير الكاتب إلى أن تعقيدات الجغرافيا السياسية ألقت بظلالها على الدعوى القضائية الملياريّة، ومحاولة الاستحواذ الفاشلة المشار إليهما آنفًا، وفي هذا السياق تحولت ملاعب الساحرة المستديرة إلى ساحة للتنافس بين الخصمين الخليجيين على مدى السنوات الأخيرة. أمَا وقد انفرجت الأزمة مؤخرًا فيرى موقع «ميدل إيست آي» أن هناك بعض القضايا الرئيسة تستحق إعادة الطرح على طاولة التشريح لاستشراف مدى تأثير هذه التطورات على عالم كرة القدم خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

يمكن إسقاط دعوى «بي إن سبورتس» ضد السعودية

 يعود التقرير إلى عام 2017 حين قطعت السعودية، بالاتفاق مع الإمارات، والبحرين، ومصر، العلاقات الدبلوماسية والتجارية، وأغلقت حدودها مع قطر؛ على خلفية مزاعم تتهم الدوحة بدعم الإرهاب، وهي التهمة التي لطالما تنفيها الدوحة عن نفسها. 

أصدرت الرباعية، بقيادة السعودية، قائمة تضم 13 مطلبًا يتعين على الدوحة تنفيذها لرفع الحصار، من بينها إنهاء التعاون العسكري مع تركيا، وتقليل مستوى التبادل التجاري مع إيران. وكانت تلك المطالب – التي لم ينفذ أي منها رسميًا – تتضمن أيضًا إغلاق شبكة الجزيرة الإعلامية التي تمولها الحكومة القطرية.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن قائمة الشروط التي وضعتها الرباعية لم تنص صراحة على اسم مجموعة «بي إن ميديا» الرياضية التي تتخذ من الدوحة مقرًا لها، فإن هذه الشركة التي خرجت من رحم قناة «الجزيرة» وجدت نفسها أيضًا في قلب الصراع الخليجي. بعد فترة قصيرة من إعلان فرض الحصار في عام 2017، انطلقت شبكة قرصنة اسمها «بي آوت كيو»، تبث عبر شبكة أقمار «عرب سات» التي تتخذ من الرياض مقرًا لها، لتعرض محتوى شبكة «بي إن سبورتس» بعد تغطية شعار القناة القطرية بشعارها الخاص. 

بهذه الطريقة سمحت الشبكة لملايين الأشخاص أن يشاهدوا الأحداث الرياضية التي تبث على الهواء مباشرة، مثل: الدوري الإنجليزي الممتاز، على الرغم من امتلاك «بي إن سبورتس» حقوق بثها الحصرية في منطقة الشرق الأوسط. في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 رفعت «بي إن سبورتس» دعوى قضائية ضد المملكة العربية السعودية، وطالبتها بدفع تعويض قدره مليار دولار، فيما يُعتقد أنه أكبر قضية قرصنة رياضية على الإطلاق، بحسب التقرير.

تعليقًا على القضية، قالت صوفي جوردان، المديرة التنفيذية للشؤون القانونية في شبكة «بي إن سبورتس» آنذاك: «من الواضح تمامًا أننا نُستَغَلّ سياسيًا على نحوٍ جائر في نزاع إقليمي أوسع»، وأضافت: «هذه القضية لها آثار تتجاوز «بي إن سبورتس» بكثير. ذلك أن «بي آوت كيو» تمثل وباءً أطلقته السعودية للقيام بأعمال القرصنة، وما لم تتخذ صناعة الرياضة والترفيه والبث موقفًا ضدها فإن تأثيرها سيكون مدمرًا، وسيتعذر إصلاح الأضرار الناتجة عن ذلك».

يستشهد «ميدل إيست آي» بتقرير صادر عن منظمة التجارة العالمية، نُشر في يونيو (حزيران) 2020، يوثق ترويج كبار المسؤولين السعوديين لقناة «بي آوت كيو»، مستدلًا بعدة تغريدات عن شبكة القرصنة، من بينها تغريدات كتبها سعود القحطاني، الذي عمل مساعدًا مقربًا من ولي العد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قبل أن يتورط في مقتل جمال خاشقجي عام 2018. 

وصرح مصدر لم يكشف التقرير عن هويته لمجموعة «سبورتس بزنس» الرياضية يوم الثلاثاء الماضي بأن الاتفاق على إنهاء الحصار عن قطر تضمن شرطًا بإسقاط دعوى «بي إن سبورتس»، بالإضافة إلى إسقاط قضيتين قانونيتين رئيستين أخريين، مقابل إعادة فتح الحدود مع السعودية، لكن لم يصدر أي تعليق رسمي بشأن هذه المسألة. 

يشير كاتب التقرير إلى أن إسقاط الدعوى القضائية قد يمهّد الطريق أمام استئناف بث قناة «بي إن سبورتس» في السعودية مرة أخرى. وكانت الرياض قد أعلنت حظر بث القناة الرياضية في وقت سابق من هذا العام؛ مما حرم المواطنين السعوديين من أية وسيلة قانونية لمشاهدة بعض مباريات كرة القدم في بطولات النخبة الأوروبية، ومن بينها دوري أبطال أوروبا. 

وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي، يكشف التقرير أن السعودية لم تزل مشاركة في صفقة حديثة بقيمة 500 مليون دولار وقعتها الشبكة القطرية للاحتفاظ بحقوق بث الدوري الإنجليزي الممتاز في منطقة الشرق الأوسط حتى عام 2025.

هل تعود صفقة الاستحواذ على نادي نيوكاسل يونايتد؟

تمت الموافقة الشهر الماضي على اتفاقية تمديد تغطية «بي إن سبورتس» لمباريات كرة القدم الإنجليزية بأغلبية 19 صوتًا مقابل صوت واحد، وكان نادي نيوكاسل يونايتد هو النادي الوحيد الذي صوّت ضد التمديد. يرى الكاتب أن هذا التصويت الاعتراضي يشير إلى أن نادي نيوكاسل يونايتد يشعر بالظلم من الدور الذي لعبته قناة «بي إن سبورتس» في صفقة الاستحواذ السعودية الفاشلة على النادي في وقت سابق من هذا العام.

Embed from Getty Images

وكان ائتلافًا بقيادة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهو صندوق ثروة سيادي حكومي يرأسه ولي العهد، قد تقدم بعرض للاستحواذ على النادي مقابل 300 مليون دولار إسترليني (407 ملايين دولار) في شهر أبريل (نيسان). وبعد أشهر من انتظار اجتياز اختبار الملاك والمديرين القائمين على الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، سحبت المملكة عرضها في شهر يونيو. 

يلفت التقرير أن قضايا القرصنة ربما تكون قد لعبت دورًا رئيسًا في فشل صفقة الاستحواذ، في ظل قلق الدوري الإنجليزي الممتاز من مغبة الادعاءات التي تتهم السعودية بالتورط مباشرة في سرقة مباريات الدوري عبر «بي آوت كيو». 

كما واجهت الصفقة انتقادات مبكرة من المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين اتهموا المملكة باستخدام نادي نيوكاسل يونايتد كأداة رياضية «لغسيل» سجلها الحقوقي. وصرَّح عدد من مشجعي نادي نيو كاسل المنحدرين من أصول عربية، من أبناء الجاليات اليمنية والمسلمة التاريخية التي تعيش في شمال شرق إنجلترا، لموقع ميدل إيست آي بأنهم «سعداء حقًا» لانهيار صفقة الاستحواذ على النادي، مستشهدين بالتدخل العسكري السعودي في اليمن. 

لكن إذا سُوِّيَ النزاع القضائي في قضية القرصنة، فإن صفقة الاستحواذ قد يعاد طرحها على الطاولة مرة أخرى، على الرغم من الاتهامات الموجهة للسعودية باستغلال الرياضة لغسيل سمعتها الحقوقية، بحسب التقرير.

تعليقًا على الآفاق المحتملة في هذه القضية، نقل موقع «ميدل إيست آي» عن نيكولاس ماكجيهان، المدير في مؤسسة «فير سكوير» المعنية بمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان في الخليج، قوله: «لطالما كانت المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان تمثل عاملًا ثانويًا في صفقة الاستحواذ على نادي نيو كاسل. كانت هناك بالفعل أسبابًا واضحة لاستخدام اختبار الملاك والمديرين من أجل استبعاد السعوديين من الصفقة، لكن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لم يكن حريصًا على القيم بذلك. لقد كان القطريون هم العقبة الرئيسة أمام سيطرة السعوديين على نادي نيو كاسل؛ لذلك قد يعاد طرح الصفقة على الطاولة مرة أخرى الآن».

وكثيرًا ما أعرب جمهور نادي نيو كاسل الغاضب من عملية الاستحواذ الفاشلة عن إحباطهم من دور قطر، ونشروا صورًا تعبيرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تصور الدوري الإنجليزي الممتاز كدمية يحركها القطريون.

وفي وقت سابق من هذا العام، نشر موقع «ميدل إيست آي» أمثلة ترصد نشاطًا مشبوهًا على وسائل التواصل الاجتماعي مؤيدًا للسعودية يتعلق بهذه المعركة، من بينها تغريدتان متطابقتان نشرتهما معجبتان، يفترض أنهما من نيو كاسل، وصفا فيهما أمير قطر بـ«القبيح»، وهو موضوع يستبعد معدّ التقرير أن يكون ضمن دائرة اهتمام سكان شمال شرق إنجلترا.

يشير تقرير «ميدل إيست آي» إلى احتمالية تورط أعضاء الجيش الإلكتروني السعودي، الذي يضم آلاف الروبوتات والمتصيدين على وسائل التواصل الاجتماعي المعروفين باسم «الذباب الإلكتروني»، والذي أنشأه القحطاني، مساعد ولي العهد. ويلفت الكاتب إلى وجود تكهنات حول احتمالية تراجع نشاط هذه الشبكات التي تبث معلومات مضللة بعد الانفراجة التي حدثت مع الدوحة قبل أيام. 

كأس العالم.. وملفات أخرى

يُرَجِّح التقرير أن يفتح إنهاء الحصار فرصًا أمام دول الخليج للتعاون سويًا في الفترة التي تسبق انطلاق كأس العالم 2022 في قطر. وكان جياني إنفانتينو، رئيس «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)»، قد زار السعودية قبل أيام ليشهد توقيع الاتفاق بين الحليفين السابقين. وهو ما انتقدته بسببه «منظمة العفو الدولية»، عقب ظهوره وهو يرقص بالسيف، ويشيد بالمملكة في شريط فيديو ترويجي بثته الحكومة السعودية يوم الخميس الماضي. 

Embed from Getty Images

أصدرت منظمة العفو بيانًا بهذا الشأن قالت فيه: «يجب أن يكون واضحًا للجميع في (فيفا) أن السعودية تحاول استخدام بريق الرياضة ومكانتها كأداة للعلاقات العامة بهدف صرف الانتباه عن سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان».

وكان إنفانتينو قد طرح سابقًا فكرة توسيع نطاق استضافة مباريات كأس العالم التي تضم 48 فريقًا في مختلف أنحاء المنطقة؛ بما يسمح باستضافة البحرين، والكويت، والسعودية، والإمارات، بعض مبارياته، لكن قطر عارضت هذه الخطط بشدة، واعتبرتها محاولة لاختطاف البطولة.

وأضاف ماكجيهان، المدير في مؤسسة «فير سكوير»: «ستواصل قطر تمسكها باستضافة كأس العالم، وستقاوم بقوة فكرة توسيع نطاق استضافة مبارياته كما قاومتها من قبل. ولكن من المؤكد أن تعاون دول الخليج في مناخ يسوده الوئام يجعل إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان أكثر صعوبة مما هو عليه في حالة الانفصام».

ويرى ماكجيهان أن الإصلاحات التي طبقتها قطر على صعيد حقوق العمال في عام 2022 – على الرغم من أنها لم تكن فعالة، بل مخيبة للآمال – لم تكن لتحدث لولا تداعيات الحصار، قائلًا: «لم يكونوا ليطبقوا هذه الإصلاحات لولا اندلاع الأزمة الخليجية».

إصلاحات مصابة بالشلل

أعلنت الدوحة عن عدد من الإصلاحات على مدى السنوات الأخيرة، من بينها إنشاء صندوق لدعم دفع الأجور غير المدفوعة، وإلغاء نظام الكفالة الذي يربط تأشيرات العمال الوافدين بأصحاب عملهم. ومع ذلك خلص تقرير أصدرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» في أغسطس (آب) إلى أن هذه الإصلاحات لم تنجح إلى حد كبير، إذ لم تزل رواتب العديد من العمال الأجانب محتجزة، ناهيك عن ظروف العمل السيئة التي يعانون منها.

رياضة

منذ سنة واحدة
«الجارديان»: كيف أنشأت قطر أول ملعب مكيف في العالم؟

وإذا أدى إنهاء الحصار إلى إقامة المزيد من البطولات الرياضية القادمة في المنطقة، يتوقع ماكجيهان أن يؤدي ذلك إلى حدوث «مشاكل كبيرة» بشأن قضايا العمل. ففي الشهر الماضي توصلت الدوحة والرياض إلى اتفاق حول استضافة نسختين متتاليتين من دورة الألعاب الآسيوية في عامي 2030 و2034، وهو ما عكس صورة نادرة للوحدة بين الدولتين اللتين كانتا متخاصمتين آنذاك. وكلاهما مرشح أيضًا لاستضافة كأس آسيا 2027، أكبر بطولة كرة قدم في القارة، ويمكنهما الآن أن يتعاونا ضد العرض المقدم من الهند.

في ختام التقرير يؤكد مكجيهان على أن كل دول الخليج تقدر الرياضة كوسيلة للقوة الناعمة. ويلفت إلى أن النزاع بين السعودية وقطر كان ضارًا لكليهما، فخلال تلك الفترة استطاع كلٌّ منهما الإضرار بسمعة الآخر. لذلك يتوقع أن تخفت حدة المنافسة بينهما الآن، حتى لو بقيت المخاوف المتعلقة باستخدام الرياضة كوسيلة لغسيل السمعة قائمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد