مدفوعة بإستراتيجية مدروسة لضمان أمنها الخاص على المدى البعيد، تكثّف قطر، الدولة الخليجية الصغيرة، من استثماراتها في المملكة المتحدة. وكانت آخر تلك الاستثمارات ما كُشف عنه الأسبوع الماضي من قيام الأسرة الحاكمة بشراء منزل الفيكتوري في مايفير، أحد العقارات الرئيسية في لندن، بقيمة تخطَّت 40 مليون جنيه إسترليني.

يأتي ذلك في الوقت الذي تشمل فيه الاستثمارات العقارية القطرية في بريطانيا عددًا من العقارات الأخرى، بما في ذلك محلات هارودز، وبرج شارد، وسينسبري، وباركليز. ومن المقرر أن تسيطر قطر على كناري وارف، في حين يبدي المستثمرون القطريون شغفًا بالاستثمار في المملكة المتحدة، خاصة مع حصولهم على أغلبية من الأسهم في كلاريدج، وكونوت، وبيركلي.

جانب كبير من هذه الاستثمارات يرجع إلى ترحيب بريطانيا بالمستثمرين الأجانب، وتوفيرها لبيئة تنظيمية تضمن تحقيق عوائد كبيرة على الاستثمار.

غير أن هناك بعدًا آخر. فقطر تأمل في أن تمكنها مكانتها البارزة كدولة مستثمرة لدى الدول ذات النفوذ من تحقيق أمنها واستقرارها كأولوية قصوى لتلك الدول. مع التعداد السكاني الذي لا يتجاوز 250 ألف نسمة، فإن قطر تعتمد على شراكتها مع دول الخليج المجاورة وعلاقاتها مع الحلفاء الدوليين حتى تحمي أمنها.

شأنها شأن دول الخليج الأخرى، تواجه قطر العديد من التهديدات، بما في ذلك توسيع النفوذ الإيراني، والعناصر الجهادية داخل وخارج الدولة وتهديد زعزعة الاستقرار من الحروب في سوريا وليبيا واليمن والعراق.

ولكن قطر رسمت مسارًا مستقلًا عندما تعلق الأمر بإدارة أمنها. وحرصًا منها على مقاومة الدور المهيمن للملكة العربية السعودية في مجلس التعاون الخليجي، كانت الدوحة أحد المشاركين في مشاريع أمنية مشتركة.

في الوقت نفسه، حاولت قطر نزع فتيل التهديدات المحتملة من خلال بناء علاقات مع الجهات الفاعلة التي دائمًا ما تتجنبها دول مجلس التعاون الخليجي. فلدى قطر علاقات عمل محترمة مع إيران، على سبيل المثال، وتميل إلى تجنب توجيه انتقادات علنية لطهران.

يشترك البلدان في أكبر حقل للغاز في العالم، وتمكنا من متابعة الإنتاج من هذا الحقل بقليل من النزاعات. في عام 2010، وقعت قطر مذكرة تفاهم مع إيران بشأن التعاون في مكافحة الارهاب وأطلقا بعض التدريبات البحرية المشتركة في منطقة الخليج على نطاق صغير. وبينما تبدي قطر مخاوفها بشأن الدور الإيراني وما يكتنفه من تداعيات سلبية على نطاق واسع، تأمل أن تكون أقل عرضة لتهديد مباشر من إيران بفضل العلاقات التي تربطها بها.

حتى الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2008، كانت قطر تتمتع بعلاقات قوية مع إسرائيل. استضافت الدوحة البعثة التجارية الإسرائيلية الوحيدة في منطقة الخليج وتابعت الاستثمارات الإسرائيلية حتى في الوقت الذي واصلت فيه دعم كل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس.

أيضًا، طورت قطر من علاقاتها مع الحركات الإسلامية الصاعدة في جميع أنحاء العالم، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. وتقديرًا منها للتعاطف الكبير الذي تتمتع به هذه الحركات في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، كانت قطر حريصة على إقامة علاقات مع القادة المحتملين في المستقبل.

من جانبها عبرت المملكة العربية السعودية عن استيائها منذ فترة طويلة بسبب ما اعتبرته سياسة خارجية قطرية منشقة، وكذا دعمها لجماعة الإخوان الذي أدى إلى انقسام غير مسبوق بين دول مجلس التعاون الخليجي في مارس من العام الماضي، حينما قامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسحب سفرائهم من الدوحة.

وراء استثماراتها التجارية الإستراتيجية، وسعيها للحصول على مجموعة من العلاقات، أعطت قطر الأولوية لتطوير «العلامة التجارية الوطنية».

الاستثمارات الهائلة في شبكة أخبار قناة الجزيرة، على سبيل المثال كانت، محاولة منها لوصم قطر كمركز للصحافة المستقلة. وعلى الرغم من أن الشبكة وبشكل لم يسبق له مثيل انتقدت حكومات الشرق الأوسط، إلا أنها متهمة أيضًا بالتحيز فيما يتعلق بعدد من القضايا، بما في ذلك الصمت النسبي على قمع المتظاهرين في البحرين.

 لا تزال قناة الجزيرة مصدرًا كبيرًا للتأثير، غير أن تعزيز هذا التأثير مرهون بمدى استعداد القناة الناطقة باللغة العربية لتطبيق قيم الاستقلالية كما هو الحال مع نظيرتها قناة الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية.

سعت قطر أيضًا إلى تقديم نفسها كعضو من أعضاء المجتمع الدولي يحظى بنمو اقتصادي وتقدم تكنولوجي. مسعى البلاد للفوز باستضافة كأس العالم 2022 كان محورًا لهذه الإستراتيجية. غير أن انتقادات كبيرة طغت على الملف القطري.

وكانت منظمة العفو الدولية انتقدت مؤخرًا أوضاع العمالة في قطر، وبخاصة عمال البناء والتشييد. شملت تلك الانتقادات استغلال هذه العمالة من قبل أرباب العمل، ومصادرة جوازات البعض منهم، وحجب الأجور، وعدم توفير ظروف عمل آمنة والظروف المعيشية غير الصحية.

الأسبوع الماضي، تم احتجاز فريق عمل بي بي سي بالدوحة، والذي كان يجري تحقيقًا حول أوضاع العمالة قبل أن يطلق سراحه فيما بعد. وفي غضون ذلك، دعا نشطاء الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لإلغاء ملف قطر لاستضافة البطولة العالمية بسبب قوانين مكافحة الشذوذ الجنسي في البلاد.

إذا أرادت قطر أن تكون واحدة من بين القوى الأكثر مصداقية وقيمة للشراكة مع الغرب، يجب عليها أن تتبنى نهجًا شاملًا لمعالجة الأوضاع السلبية التي يعاني منها العمال المهاجرون، وأن تحدد موقفها من القضايا المصيرية مثل حرية الصحافة. وإذا كانت ترغب في البقاء كملكية يُنظر إليها على أنها قوة تقدمية سياسيًّا في العالم، يجب أن تبني مؤسسات مستقلة، وتنشئ نظامًا قضائيًّا عادلًا ونزيهًا، بالإضافة إلى خلق إطار من القوانين التي تحمي بقوة حقوق جميع أولئك الذين يعيشون في البلاد، وليس فقط مواطنيها المتجنسين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد