بضعة أيام تفصلنا عن تنصيب «دونالد ترامب» رئيسًا للولايات المتّحدة. خلال حملته الانتخابية، لم يبدُ أن «ترامب» من مؤيدي اتفاقيات التجارة الحرة. لكن هيثم حسنين بمجلة «فورين أفيرز» يرى أن اتفاقية في الشرق الأوسط تستحق نظرة ثانية، مسلطًا الضوء على دور الدبلوماسية التجارية في تعزيز عملية السلام في الشرق الأوسط.

«الكويز» في صالح الجميع

يتحدّث هيثم تحديدًا عن اتفاقية «الكويز»، وهي بروتوكول بين مصر، وإسرائيل ساهمت الدبلوماسية الأمريكية في تحقيقه على أرض الواقع. هي عبارة عن امتداد لاتفاقية الإتجار الحر بين الولايات المتحدة، وإسرائيل في 1985، يهدف إلى إنشاء مناطق صناعية مؤهلة Qualified Industrial Zones تُصدَّر منتجاتها إلى الولايات المتّحدة، معفاة من الجمارك. من أجل ضمّ منطقة إلى قائمة المناطق الصناعية المؤهلة، يتطلب الأمر موافقة السلطات المصرية، والإسرائيلية، ومن المفترض أن يصدر القرار على أساس من إحصائيات الصادرات، وعدد العاملين المحتملين.

اليوم تشمل مناطق اتفاقية الكويز الإسكندرية، والقاهرة الكبرى، ومحافظات قناة السويس، وصعيد مصر. تراقب هذه المناطق لجان مشتركة من البلدين لضمان تحقيق الشركات المُساهمة فيها الشروط، وهي أن تأتي 35% من المكونات على الأقل من مصر، وإسرائيل، والولايات المتّحدة.

يقول هيثم إن الجانب المصري أراد تفادي التراجعات المستقبلية الناشئة التي قد تقضي على صناعة النسيج في مصر. في 2004، كان عُمر «اتفاقية الألياف المتعددة»، والتي تحكم تجارة المنسوجات في العالم، قد شارف على الانتهاء، وهو ما يعني اقتراب فرض التعريفات الجمركية على الصادرات المصرية؛ وهو ما سيجعل منافستها لدولٍ مثل بنجلاديش، والصين، والهند، وباكستان في السوق الأمريكية أمرًا بالغ الصعوبة.

أمّا عن الناحية الإسرائيلية، فقد مثّلت اتفاقية الكويز أهمية خاصة، إذ إنّها أعطت الشرعية للعلاقات التجارية التي كانت متواجدة بالفعل بين البلدين «الشريكين» لأعوام، لكنها لم تحظ بالاعتراف العام.

بدأت الجولة الأولى من المفاوضات في يوليو (تموز) من عام 2003، واستمرت حتى توقيع الاتفاقية في ديسمبر (كانون الأول) 2004، من قِبل «راشد محمد راشد»، وزير التجارة والصناعة الخارجية المصري حينها، و«إيهود أولمرت»، أحد وزراء الحكومة الإسرائيلية حينها، تحت إشراف الممثل الأمريكي روبرت زويليك. في ذلك الوقت، كانت واشنطن تنتهج إستراتيجية طويلة المدى في الشرق الأوسط، عن طريق زيادة حجم التجارة والاستثمارات بين دول المنطقة، والولايات المتّحدة. وفقًا لهيثم، رأت واشنطن الكويز «وسيلة فعالة لتشجيع مصر على تحرير اقتصادها، والتفاعل مع جيرانها، والعالم».

وكان الأمر «يستحق»

مع الوقت، أثبتت «الكويز» قيمتها بالنسبة لكل الأطراف. بالنسبة لإسرائيل، كانت خطوة تجاه إزالة التابو على الإتجار بين الدول العربية، والدولة اليهودية، وشهدت الصادرات الإسرائيلية إلى مصر زيادة صغيرة. وبالنسبة لمصر، فقد زادت صادرات الملابس الجاهزة إلى الولايات المتحدة من 288.3 ملايين دولار في 2005 إلى 636.2 ملايين في 2006، وصولًا إلى 842.4 ملايين في 2015، كما ساهمت المناطق الصناعية المؤهلة في خلق 280 ألف فرصة عمل جديدة في قطاع الملابس والمنسوجات، ووجهت المستثمرين الآسيويين إلى صناعة الملابس المصرية، كوسيلة لتفادي الجمارك العالية التي تفرضها الولايات المتّحدة على الملابس الجاهزة.

بل إن «الكويز»، وفقًا لهيثم، لعبت دور طوق النجاة الذي أنقذ مصر خلال الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، عندما بدأت الصادرات المصرية تنخفض مع انخفاض أسعار النفط. في الأشهر العشرة الأولى من 2008، والتي تراجعت فيها الصادرات المصرية الكلية بنسبة 7.5% بالمقارنة بالفترة نفسها من عام 2007، زادت صادرات مصر من المنسوجات والملابس الجاهزة إلى الولايات المتحدة بنسبة 15%، وفقًا لاتحاد الصناعات المصرية.

دفع هذا بجميع الأطراف إلى إبداء الرغبة في استمرار الاتفاقية؛ بل وتوسيع نطاقها. في 2015، أكّد وزير الصناعة والتجارة الخارجية، منير فخري عبد النور، أهمية اتفاقية الكويز في اجتماع مع ديفيد ثورن، المستشار الرفيع بوزارة الخارجية الأمريكية، بإعلانه عن النوايا المصرية لإلحاق المزيد من المناطق الجغرافية بالاتفاقية، وبالأخص في صعيد مصر.

إمكانية التطوير

وفقًا لهيثم، لم تصل اتفاقية الكويز إلى طاقتها الكاملة بعد. ينقل عن رجل أعمالٍ مصري بارز قوله في مقابلة أجريت ديسمبر (كانون الأول) الماضي إن الاستغلال الصحيح لاتفاقية الكويز يمكن أن يزيد الصادرات إلى خمسة أو عشرة مليارات دولار. «بسبب اتفاقية الكويز، تحصل مصر على الخدمات الجمركية مجانًا، لكن دولًا أخرى في العالم لا تتمتع بالميزة نفسها تفوق صادراتها إلى أمريكا الصادرات المصرية بعشرة أضعاف».

لكن مُشكلة العمالة تمثّل عائقًا في اتجاه الاستغلال الكامل لإمكانات الكويز. يواجه أصحاب العمل مشاكل الغياب المتكرر، ومعدلات التحول العالية في أوساط العمال، وخاصة في المناطق الشمالية مثل الإسكندرية، والإسماعيلية، وبورسعيد. يفضل العمال وظائف تصنيعية، وإدارية، وتجارية، وحكومة أخرى توفر لهم أجورًا أعلى. والأعراف الثقافية السائدة تحول دون لعب النساء دورًا في الصناعة من خلال الهجرة الداخلية. كما يحظر القانون المصري جلب عمالة أجنبية تفوق 10% من القوة العاملة الكلية للشركة. لهذا يميل المسؤولون المصريون إلى التوسع إلى صعيد مصر، حيث استقرار العمالة.

ينتهي هيثم إلى أن إدارة ترامب عليها الانتباه إلى هذه الوسيلة القوية: الدبلوماسية الاقتصادية. في هذا المثال، نجحت الكويز في دعم السلام طويل المدى بين الدولة الإسرائيلية، وأكبر الدول العربية سكانًا، وهو ما يخدم الاستقرار في منطقة فوضوية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد